(قراءة في قصيدة “البيت دون نافذة” من ديوان “أجمل ما فيك لا يقبل الترجمة” للشاعر صابر العبسي)
نجاح عزّ الدين *
كلّما كان الواقع أليما ومتعبا، كان ملهما. فالشاعر فنّان يلتقط الواقع ويحيد عنه ليمتلأ به ذهنه ثمّ ينسج منه عالما رمزيّا تخييليّا جديدا. هكذا كان الشاعر صابر العبسي في ديوانه “أجمل ما فيك لا يقبل الترجمة”، ومنذ أن تصفّحت الديوان لأوّل مرّة انتقيت قصيدة لم أحد عنها، اختار لها صاحبها عنوانا “البيت دون نافذة “، هذا البيت هو بيت التونسي باعتبار ما صرّح به الشاعر منذ البدء:
“كعادته يعرب التونسي
يشيّد بيتا على التلّ من جهة البحر ”
فالتونسي لا يحلم بل يتوهّم الحلم فعالمه بلا أوكسجين يعيش مختنقا لا يتنفّس ولا تخترقه رياح أخر ولا تعجّ بنفسه مشاعر حقيقيّة يمكن له أن يجسّدها على أرض الواقع .
لم يلتجئ الشّاعر إلى الترميز ولا إلى التّلميح بل كان التّعريف بالألف واللاّم وسيلته “التّونسي” فصار البيت الذّي يتحدّث عنه في القصيدة أشهر من نار على علم هو بيت آيل للسقوط تتقاذفه المصائب من كلّ حدب وصوب فلا يجد صاحبه غير التّمنّي لشدّ أزره ولكن “ما نيل المطالب بالتّمني”، فالتونسي يبدو أنّه لا يقدر إلاّ على بناء الأعشاش الهشّة يخاف ولولة الرّياح فيتهاوى هذا البيت كعشّ عصفور تاه بين الجبال فينكشف وهمه ولا يمتدّ صرح الحلم عنده. يقول صابر العبسي:
“لكنّه مثلما العشّ
من غير ولولة الرّيح
يسقط
يسقط في الحال”
في قصيدة” البيت دون نافذة ” تقدّ المقاطع متسلسلة تربط بينها فكرة مركزيّة واحدة منتظمة وهي بيت التونسي إذ يعمد الشّاعر إلى وسائل سردية وصفيّة من أهمّ خواصّها الاقتصاد
وهو منبع شعريتها فيستعمل جملا سردية قصيرة تنقل مشهد تحسّر التّونسي على تهاوي بيته بعد أن توهّم انّه قد شيّده كأحسن ما يكون التّشييد فيقول :
“هبّ بكدّ
كمثل الإله البسيط
يشيّد بيتا
فما إن قبيل انسدال الدّجى تمّه
قد تهاوى على نفسه البيت ”
وقد تكرّر هذا البيت الشعري الأخير في أكثر من موضع في القصيد إشارة إلى حالة الوهن والضّعف الّتي يعيشها بيت التونسي إلى درجة الاضمحلال حيث قال :
“ها هنالك في النّهر
حتّى تهاوى على نفسه البيت
من قشّ أنقاضه
قد تعالى الدّخان
فغمغم : لا بيت
لا بيت لي غير هذا “.
لئن باح الشاعر منذ البدء بهوّيّة المتحدّث عنه “التونسيّ” نسبة إلى تونس معلنا عن خصوصيّة الخطاب فإنّه قد ذكر ذلك مرّة واحدة في القصيدة لم يكرّرها. ثمّ ينتقل صابر العبسي إلى اعتماد الضمير الغائب مؤكّدا عدم فاعلية التونسيّ في واقعه تمّ ينفي عنه الإدراك والفهم فيكرّر هذا النّفي في جملة تقريرية منفيّة ” لم يدرك السرّ ” تلازم هذه الجملة بعض مقاطع القصيدة حتّى تصبح أليفة لها حتّى لكأنّ الإيقاع لا يستقيم إلاّ بها فتتكرّر أربع مرّات لتنسجم مع القصيدة وتلتصق بها فتنشئ إيقاعا داخليّا معوّضا للأوزان العروضيّة المتداولة فتضبط حركة الفواعل في النّص لتمسك بأطراف الخطاب الشعري وبهذا تكون وسيلة الشّاعر ليذكّر بغياب فعل الفهم عن التّونسي ولطالما كان الشابّي معبّرا عن هذه الصورة القاتمة للشّعب التّونسي عندما قال:
“ليتني كنت حطّابا فأهوي على الجذوع بفأسي ”
هكذا كان بيت التونسي فقد شيّد على
“سبخة رخوة أركانه هشّة
كنه أحجار أركانه كلّها رخوة
غير مصقولة في مواقعها جيّدا
والمكان الّذي ابتنى فوقه سبخة رخوة”
والمكان الّذي يبنى على سبخة رخوة لن يصمد طويلا فالتّونسي ّينقصه الثبات هو عاجز دوما أمام المصائب بدءا من الحاضر ليوغل في الزّمن الماضي ولا يمكث عنده بل ينتقل مجنّحا فيعود إلى نقطة البداية. يقول صابر العبسي في مستهلّ القصيدة مستعملا صيغة المضارع الدّالة على عدم انقضاء الحدث في الحاضر :
” كعادته يعرب التّونسيّ
يشيّد بيتا على التلّ من جهة البحر ”
ثمّ ينتقل إلى الزمن الماضي قائلا
“المكان الّذي أبتنى فوقه سبخة رخوة ،
ثمّ غيّر كنه العناصر
غيّر اسمنته اللّغة البكر
والجبس،
غيّر نظرته فأسه البرق ،
غيّر أسلوبه المعدن الصلب
غيّر وجهته،
مدلجا في أعالي الجبال”
فالأبيات الشعريّة تشكّل دائرة إذ تحاور بعضها بعضا فتستقرّ في محيطها وهي تعمل على أن تبقيننا في مكاننا.
تتعاضد اللاّزمة الأولى مع لازمة ثانية فتتكرر:
” لو أنّني
لو أعلّق حرباء”
لتثبت القصيدة أنّها لا تتخلّى عن إيقاعها الدّاخلي المتحكّم فيها وتبرهن من جديد على أنّ قصيدة النّثر ليست إلاّ إحدى التنويعات الملفتة للنّظر في الحداثة الشعريّة.
هذه اللاّزمة لئن لعبت دورا هامّا في تأسيس إيقاع مخصوص للقصيدة فإنّها أيضا تنقل مشهدا حيّا عن التونسي الّذي يستسلم للأمنيات ويغرق في العجز “لو أقدّم أضحية “يلتجئ للخرافات و”قهقهات الشّياطين” ويبقى التونسي بسيطا ساذجا لا يتفنّن إلاّ في ابتكار التّعاويذ وكأنّنا به يعود أدراجه إلى زمن الجهالة عندما كان يعتقد أنّ الاستعمار قضاء وقدر واّنّ الخلاص منه هو تمرّد على الذات الإلهية .
لقد فقد التونسي الثّقة فيمن حوله فراح يشكّك في كلّ شيء يسير تائها متعثّرا سائلا نفسه دوما طالبا المستحيل غير متفائل فيتشبّث بحلول وهميّة وبمعتقدات خرافية بدل الفعل ظانّا أنّ ما حلّ به غضب من السّماء عليه أن يرضي هذا العرش بالتّمائم والرّواقي فيعلّق الحرباء وخمسة فاطمة وينحر الأضحية مخضبا بدمائها كفّه
“لو أقدّم أضحية
وأخضّب كفّي حنّاء من دمها
ثمّ أطلي بها الجدران
فهل كلّ ما سأشيّد حقّا
سيسقط
يسقط في الحال ؟
يشسّد بيتا ،
فما قبيل انسدال الدّجى تمّه
قد تهاوى على نفسه البيت
رغم الرّقى
رغم خمسة فاطمة الطّاهرة ”
ويفعّل الشّاعر أقصى الطاقات الشّعريّة الممكنة حيث يركن إلى اقتصاد العبارة قاصدا المعنى في دلالاته المتنوّعة ليصوّر ذلك الصراع النّفسي وما آل إليه من جنون وشعور بالنّدم وندب للحظّ المتعثّر :
“فجنّ
يعضّ التراب
أصابعه
نادبا وجهه
لاعنا حظّه
راكلا ظلّه والهوى الحصى ”
ويظلّ هذا الصراع مستمرا في الزّمن وتظلّ محاولة البناء ممكنة ولكنّها فعل هشّ لا يصمد ولا يستقيم بناء ثابتا أمام نّوائب الدّهر
وظلّ دهورا من الممكنات الظلال:
“يشيّد بيتا
على إثر بيت ،
فيسقط في الحال ”
وهكذا انفلتت القصيدة من عقال الشّعر لتنعتق في رحاب السّرد فتتدرّج الأحداث في سرد خطّيّ تدرّجا منطقيّا متتبّعة فعل هذا الغائب الحاضر ليعلن صراحة عن عجزه عن تشييد البيت لأنّه “لم يدرك السرّ ” ولم يعتبر من تجارب الآقدمين ولم يتطلّع إلى الآخرين القاطنين على ساحل المتوسط المنفلتين من الزمان والغرباء المجانين، هو:
“لم ينبش الكتب الصّفر
لم يسأل الآخرين
من الغرباء المجانين والأنبياء
على ساحل المتوسط”
هو ذاك التونسي الّذي لم يبلغ برّ الأمان بعد يظلّ لا يدرك السّبيل لا يعلم متى الخلاص ولا يفهم أسباب تيهه ومحتارا ومتعجّبا لا يعرف له قرار تتنازعه الأهواء والأوهام يظلّ يتخبّط في صراع نفسيّ ينتهي به دوما إلى السّقوط فيغرق في السؤال:
“حتّى متى هكذا؟/ لم؟/ كيف؟/ لماذا؟”
ممّا لاشكّ فيه أنّ هذه القصيدة قد برهنت التصاقها بالسّرد القصصي في النهاية فتكشف عن السرّ الّذي لم يهتد إليه التونسي إلاّ بعد تخطّي سنّ الشباب وبلوغ سن الكهولة وبداية حياة جديدة منفتحة على النور والضوء، فتعود اللاّزمة وقد اقترنت هذه المرّة بأداة الاستثناء “إلاّ” لتعلن عن انكشاف السرّ وانتهاء الغموض فتحدث المفاجأة ويتبدّد التّشويق معلنا عن نهاية القصيدة:
“ولم يدرك السرّ
لم يدرك السرّ
إلاّ على أهبة الأربعين
بأنّ هنا كلّ بيت تشيّده راحتاه
سيسقط حتما
على هذه الأرض في كلّ أرض
مادام تنقصه
ليس تنقصه غير نافذة”
فالنافذة هي الخلاص الحقيقي كما هي عند أفلاطون في أسطورة الكهف. هي النور المنبثق منها خيوطا وإشعاعا والنّافذة هي السّبيل للخروج من العتمة ومعانقة الحياة الحقيقية حتّى يصمد هذا البيت وهي التّطلّع إلى مستقل أرحب وغد أفضل.
أضف تعليق