كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الصمت طقسا شعريا: قراءة في الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حسين علي يونس..

الصمت طقسا شعريا: قراءة في الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حسين علي يونس..

نبيل شوفان

الصمت في قصائد حسين علي يونس يبدو طقسا من طقوس الشعر باعتبارنا نعيش في عصر ما بعد الحداثة وفي عصر الذكاء الاصطناعي الذي يقربنا أكثر فأكثر من لا نهائية ما يسمى الخيال والرومانسية والأحلام وما وراء الروحانيات، فإن القصيدة ستبقى دعوة للتأمل وإعدادا لذواتنا لكي نكون جاهزين قادرين على الاستماع إلى الصمت الكوني.
إن هذا الشعر الذي هو نتيجة انحرافات وانزياحات لغوية جميلة تحارب الرتابة وتصحر اللغات قد يصب به المطاف إلى الصمت اللغوي، كتجربة متطرفة للغة، فالكلمة التي لا يمكن استيعابها بالصوت، والمعنى الذي لا يمكن قوله بشكل مباشر، لا يعني أنه غير موجودة بل إنه تظهر في الكتابة أحيانا على شكل صمت يجعل القارئ يقترب من الأسرار المقدسة لذات الشاعر وتعطيه فرصة للانفتاح على خفايا النص الشعري.
وفي الحقيقة المفارقات كثيرة إذ يكاد الشعر يولد عندما تعجز اللغة العادية عن التعبير، بينما يصل الأمر بالصمت إلى التحدث؛ ولو خارج اللغة.
ولا يمكن على كل حال للصمت أن ينشأ ببساطة من حقيقة أن الإنسان يكف عن الكلام؛ فالصمت على ما يبدو من هذه المجموعة الشعرية لا يعتمد مطلقا على الاختيار بين الكلام والتخلي عنه، إنه موجود لذاته؛ يتجلى عندما يتوقف الكلام، لكنه بدوره يستدعي كلاما، وقبل كل شيء يجب الإصغاء إليه، لنكتشف كيف ينمو الكلام في ظله ويستمد جوهره منه.
هذا يعني أن الصمت ليس غيابا للصوت بل هو حضور شعري قوي يعبر عن مشاعر عميقة بلغة خاصة مختبئة بين أحرف القصيدة، فيكون التعبير الشعري علاقة بين الصمت والكلام في النص وهذه مفارقة بحد ذاتها في العملية الكلامية للقصيدة.
في قصيدته: “الشعر إيصال صوت الصمت”،  يقتصد الشاعر لغويا، فالقصيدة هنا جملة قصيرة جدا مكثفة حيث كل كلمة ضرورية جدا ممتلئة بالمعاني والمشاعر، وهو ما يتناسب مع طبيعة الشعر، تشعر بالصمت وتقفز مفارقة ثالثة، ففي نفس الوقت الذي تكون فيه الكلمة ضرورية ككائن شعري، فإنها في ذات الوقت ليس من وظائفها إعطاء إجابات حاسمة، فعدم الوضوح والغموض قانون شعري تكون المبالغة منه صمت، وكأن الصمت مبلغ الشعر.
“الشعر إيصال صوت الصمت” يريد الشاعر إخبارنا أن الشعر هو جعل الصمت منطوقا ومسموعا لدى القراء، هذا يعني أن الصمت هنا ليس فراغا، بل هو كائن مجرد يمكنه نقل المشاعر والتعبير عنها، يمكنه حمل كل شيء.
لكن وبما أن الشعر في جوهره لغة ونطق فإنه في نفس الوقت يسمح لصوت الصمت بأن يصلنا، عبر الفراغات الكلامية والتحكم بشكل القصيدة والموسيقا الداخلية المرافقة لهذا الصمت، الذي يملأه حسين علي يونس بمشاعر عميقة ومعاني خفية، وكأن الشعر مرآة تسمح للصمت بالتجلي والتحول إلى تجربة حسية، فلربما يكون الصمت عند حسين علي يونس حزنا أو تأملا أو فرحا أو احتجاجا أو صراخا مختبئا وغير مصرحا به.
ومن المفارقات الكثيرة أننا نتحدث عن الصمت ككائن مستقل عن الكلام وفي الوقت عينه نستخدم الكلمات لتعريفه والتعبير عنه، رغم أن الصمت يمكن أن يكون لغة كاملة محرفة بخفت صوت حروفها إلى السكون ما ينطوي على تجربة تأملية تتجاوز نقل المعنى إلى معاني لا تنتهي بما فيها تلك التي لا يمكن التعبير عنها بالكلام العادي.
ولعل شعر الهايكو من ناحية استناده إلى البساطة التي تترك مساحة هائلة للصمت، يعزز تجربة دفقة رائعة ومكثفة وفريدة من المشاعر والصور والحكمة، وهذا حقيقة يعكس نظرية فلاسفة مثل هايدغر، الذي يرى أن اللغة لا تكشف المعنى بقدر ما تخفيه، وأما حسين علي يونس فيدعونا بقصائده إلى الصمت كمفتاح للوعي، ولعل مجموعته الشعرية ترسل كما كل القصائد الجميلة ذات البنية المفتوحة على الكونية دعوة القارئ للمشاركة بعدم تقديم تفسيرات نهائية، وترك المجال واسعا للتأويل، وبالتالي يحل الصمت مكان ما لا يمكن أن يُقال بشكل مباشر أو ما لا يوصف.
إن قصيدة حسين علي يونس كشف لما وراء اللغة في بوتقة للمعنى، يمارسه حسين علي يونس ببراعة من خلال التلاعب بالفراغات الطباعية والانقطاعات النحوية والصمت الداخلي لخلق شعر يستدعي تأويل القارئ كما يقول في قصيدة له:
جان
كان يمضي قدما
مدحرجا حياته
مدهورا أجراسه
بالغة الروعة
السيدة التي كانت معه
كانت تفكر
بتلك الامتيازات
التي ستحصل عليها
قرب تنين الصمت
فارس الإشارة.
يبني حسين علي يونس قصيدته على الصمت كقيمة إنسانية تفضلها النساء في الرجال، فالسيدة في قصيدتنا تحب الصمت حين يكون تنينا يبتلع اللغة بأكملها لصالح الإشارة والرمز وهي تود أن يكون حبيبها فارس الإشارة فارس الإيماء، فارس التلميح، كانت تفكر بتلك الامتيازات، تلك التي تسمح بها بتأويل رموز الحبيب وإشاراته، هكذا ينبهنا حسين علي يونس إلى الصمت كوسيلة لإغراء الطرف الآخر، يدفع العقل إلى التفكير بحثا عن تفسير له وهكذا يكتسب الصمت بعدا تأمليا.
إذ أن سيدتنا في القصيدة تعتبر الصمت مصدرا للإلهام فالمشاعر التي يخلقها الصمت تكتسب قوة أصلية، لذا تريد أن تبقى على اتصال بالغموض، مع ما ينتمي في شاعرها إلى العصور التي سبقت العالم، يحضره بالكامل لها حتى دون أن يتحدث.
في قصيدة (صمتُك) يعالج حسين جانبا آخر للصمت كوسيط معقد للتواصل، إنه كما الشعر فعلا يمكن أن يساء فهمه، يقول الشاعر: “.. ذات يوم احببت امرأة كنت أذهب إليها وأجلس صامتا بينما كانت تطالبني بالكلام كانت تقول: “تكلم من أجل أن أعرف مقاصدك“ وأنا كنت رجلا صامتا أكتفي بتأمل الأشياء والتقاط جمال ما تخبئه وهكذا كنت اطبق فلسفتي في كتابة الشعر على الواقع الذي كان يتطلب اقامة شبكة من العلاقات التي كنت اجدها مبتذلة، ماذا أفعل لم أحب الثرثرة أبد كنت صامتا بطبعي استمتع بمشاهدة الأشياء الحية التي تتحرك حولي واستمتع بمشاهدة الأشياء الساكنة كان يحكمنا سوء فهم كبير تجذر بمرور الوقت وعندما كبرنا كانت تقول: لا شيء كان يجرحني غير صمتك..”
الصمت في هذه القصيدة موضوع مركزي يعرف به الشاعر الشعر حين يقول كنت رجلا صامتا.. أطبق فلسفتي في كتابة الشعر، لكنه ينبهنا إلى أن الصمت وسيط معقد للتواصل، فبينما يعتبر الشاعر في القصيدة أن الصمت مساحة للتأمل بالحبيبة فإن ذلك الصمت جرحها، هذه الازدواجية، وهذا التناقض بالمشاعر تجاه ما يسمى بالصمت يعكس تصادم طبيعتين مختلفتين في الحب والتعبير، ولعله يغير قناعة لدى الأشخاص الذي يعتقدون أنهم يستطيعون تفسير كل شيء دون سوء فهم، ها هو حسين يونس يفتح الباب للقارئ ليتفهم وجهتي نظر مختلفتين لمفارقة مؤلمة؛ تحمل إحساسا بالفقد والندم.
كما يمكن أن ينطوي الصمت على جرح غير منطوق في الحب وهذا يعني أنه يحمل قوة تأثير تفوق حتى الكلمات الجارحة، كأن الصمت هنا صوت داخلي يصرخ ولا يُسمع، لكنه ما زال يؤلم أكثر من أي كلام قد يُقال، أقوى من أي خطاب يمكنه إلقاؤه.
وفي الحقيقة يخلق الصمت توترا في القصيدة ضمن سؤال إذا ما كان الصمت هنا موقف؟ أم عجز؟ أم رفض للكلام كوسيلة للتواصل؟ وهذه الحواريات غير المكتملة تترك المتلقي أمام فجوات دلالية، يُطلب منه إكمال معناها بنفسه لنفسه حرفيا، وهنا يمكن نقل الصمت كما يمكن نقل الكلام، فتقول الحبيبة لصديقتها كيف يمكنني تفسير صمته الجارح؟!
ولمن المفارقة أن الحبيبة أيضا كانت صامتة ولم تخرج عن صمتها إلا عندما كبرت وصارت تقول له: لا شيء كان يجرحني غير صمتك
الصمت كما لو أنه صوت
يبدو أن الصمت الذي قد يُنظر إليه على أنه غياب، هو في الواقع حضور قوي في الشعر، ومن المفارقات أنه عنصر أساسي في القصيدة، حيث يسمح للكلمة المنطوقة بأن يكون لها صدى أعمق في قصائد حسين علي يونس متجليا هذه المرة في فواصل اللغة، في الوقفات والمساحات البيضاء التي تفصل بين الكلمات، إن الصمت في القصائد التي بين يدينا صوت غير مرئي وتقنية تنجح بخلق المشاعر وتضخيم المعنى والدعوة إلى التأمل في هذا الفراغ من أجل ملأه.
“بدا الصمت كئيبا وموحشا، إلا من هدير المياه المنبعث من مكان عميق وبعيد ومظلم”.
حيث الصمت يستطيع أن يكون فراغا يبتلع الشخصيات في لحظات الرعب والضياع الوجودي ومع ذلك يمكن أن تسمعه من خلال نقيضه الذي هو صوت المياه يحمل رسائل عديدة من الخوف..
في قصيدته الرائعة “أيها الإنسان” المهداة إلى كريم راهي، يقول:
احفر قلبك وامش
مرارا أردت أن أنبئك
عن تصدع الأغنية
لقد تعبنا من المجازات
والصور كسرت حياتنا
كل صباح
ينزلق العالم إلى نهايته
مودعا ليل ضجره
متأملا
رأس حربة
في فلم أمريكي
مسربا أحزانه
هازا عضد الأغنية الجريحة
لتهز مهد أرواحنا الذي تصدع
أخيرا
أيها الصديق
الذي يتواصل نواح مزماره
الليل كسر هدير صمته
ودحر حلمك
حياتك التي تودع نهاية فنائها
يتعذر اخماد شعلها
حساسا كان دمك
وذي
ميزة جريحة
لكم كنت متعبا
وحزنك يائسا
كالليل
مرت الريح
وكتبت غيابها
مر الليل
وحصد عمل الكائنات
بعفونة تنتهي الحياة
وبترنيمة حزينة
يزحف الرجاء
على العالم.
مليئة هذه القصيدة بالصمت الذي يتخلل الأصوات، حيث يجعل لنا شاعرنا الرهيب مكانا تنسحب فيه اللغة لتفسح المجال لحضور نقي وجوهري للصمت المفتوح على كل الانفجارات لقول ما لا يُقال، في انسجام ملموس مع الكلمات والموسيقى، ما يدفع أصواتا جديدة إلى السطح على شكل إشراق لفظي، سباق على النظام اللغوي السردي البسيط، حيث ينتقل بنا إلى لعبة أكثر تعقيدا في فهم المعاني الكونية.
وفي قصيدة “حرائق” يقول:
عندما يتبلل الصمت
ويلقي نظرة أخيرة
على الأصيل
ألم وجهك
الذي يمر جميلا وشاحبا
وتسوره غصونٌ
من الحرائق.
ها هو الصمت وكأنه كائنا قابلا للتعرض للبلل ولأن يلقي نظرة أخيرة على الأصيل المشبع بالسكون..
وها هو الصمت مرض يصيب المدن المهجورة ويصف الخراب الداخلي في المجتمعات، حيث يتحدث الشاعر عن بغداد في قصيدة “الحياة الغريبة لم تكن لغزا” فيقول:
يصلني صوت المؤذن
الذي يترك خشونته
داخل مغارات اذني
هادرا الكثير
من الوقت
متأملا الجمال الذي يذبل
كعربة يجرها حصان
تمضي حياتي
متثاقلة
السكون يحل ببغداد
وفي الحدائق.
في الطرق المتربة
وعلى سطوح المنازل
في البرك الراكدة
وفي تلال النفايات
بينما أخرج معتمرا قبعتي
متأبطا كتبي القديمة
شرطة أجلاف
يطلقون الرصاص
وعمال نظافة شاحبين
يعملون ببطء شديد
الحياة الغريبة لم تكن لغزا
لقد بلغت النهاية
يملؤني افتتان من يقرع جرسا
في قلب الإنسان
وفي يدي يتأرجح
ظل نهاية متجمدة
لقد حفظت
خضر الحقول أغنيتي.
ولعل الصمت في هذه المجموعة يتغلغل في البنية العميقة للنص، ويمنحها بعدها الفلسفي، ويجعلها أقرب إلى تجربة وجدانية تتجاوز اللغة المنطوقة إلى دعوة للتأمل، وكان الشاعر يترك لنا فسحات صمت داخلي في غالبية القصائد التي تبدأ فجأة دون عنوان أو إشارة.. وتنتهي كذلك بشكل مفاجئ دون خاتمة واضحة، ويتخللها فراغات وتقطعات بصرية وموسيقية كما لو أن الشاعر يتوقف عمدا عن الاسترسال لأسباب متعددة ومختلفة في كل مرة.
لنفس الهدف يعمل التعارض والتناوب بين الغزارة والاختصار في قصائد حسين علي يونس ما يمثل صراعا بين الكم والكيف، وهذا لربما تأمل فلسفي صامت للشاعر حول قيمة الإنتاج البشري لا يريد مناقشته بصوت عالي، وتكرار هذا التناوب كتقنية تخلق صمتا يحمل طابعا طقسيّاً، ويعكس دورة محمومة بالتكرار بين الكثير ثم القليل ثم الأقل وهكذا، كما في قصيدة “أيتها السنة”:
خائف من غنائك يثقل حياتي
خائف من تكرار الكائن
خائف من تكرار الدم
أضع وجهي مسبوقا بتماهيه
***
بعد هذه السنة أجدني أيتها السنة
بعد هذه السنين أجدني
بعد هذه السنين
بعد هذه..
تنتهي القصيدة بصمت تدريجي وكأن الشاعر يعلمنا درجات السكوت، السكوت والإنصات يحتاجان تدريبا، وهنا يجعل الشاعر القارئ وهو يقرأ يخفت صوته تلقائيا حتى الوصل إلى الصمت المطبق في نهاية القصيدة..
وفي قصيدته “أنا قاتل متسلسل” يكرر الشاعر حديثه عن قتل ذاتي متكرر يواكب تطور شخصياتنا وذواتنا وصاحبه قاتل صامت هو الإنسان نفسه، يقول شاعرنا:
“أنا قاتل متسلسل
قتلت حسين علي يونس الطفل
ودفنته في مكان ما
أنا قاتل متسلسل
قتلت حسين علي يونس الصبي
ودفنته في مكان ما
أنا قاتل متسلسل
قتلت حسين علي يونس الشاب
ودفنته في مكان ما
ولا أحد سيمنعني
من إتمام
هذه الجرائم القدرية
عملية “القتل” الرمزية هذه، تصبح روتينية مع مرور السنوات، الشاعر يريدنا فقط الانتباه لضحاياه حتى الآن، المساحات والتكرار لا يخدمان الشكل فقط بل إن حسين علي يونس يحدثنا عن تآكل الهوية مع ذوبان الزمن في عملية فقدان تدريجي للذات وتغير لشخصياتنا لا ينتبه غليه الكثيرون.
الجمل المتتابعة التي تنتهي بألف مطلقة السكون تنتهي بصمت يحمل فراغا يمكن ملؤه بما لم يُقَل عن دوافع القتل الرمزي أو المعنوي، إنه الصراع الداخلي الطبيعي الذي يعلنه أي شاعر ذاته كونية ومتعددة الأبعاد كحسين علي يونس، ولعل المفارقة في القصيدة السابقة تكمن في أن القاتل والضحية هما نفس الشخص، وحين تتلاشى الحدود بين القاتل والمقتول، وبين الفرد وقدره يحدث الموت وفق سكون مطلق.
وفي قصيدته نهاية الحياة يقول الشاعر:
راح اموت بعد چم يوم
تقول امي بحزن متناه فيما يظل صوتها شامخا وقويا لا يتغير جرس حنجرتها الذهبية
ممرتاحة
تقول أمي
نجد حوارا من طرف واحد، تقول أمي، دون أي رد مباشر من المتحدث، وكأن الموت القادم يجعل الكلام غير ضروريا ولعل الصمت الذي يلي هذا التصريح هو بحد ذاته استجابة شعورية تعكس العجز أمام حتمية النهايات.
لكن ما زلنا نلاحظ هذا التفاعل الكبير بين الشاعر وأمه، إن الصمت هنا هو صوت الشاعر، لكننا ما نزال نجهل كيف استقبل الشاعر هذا التصريح، وكيف واجهه، وكيف تعايش معه، هذا هو الصمت الخطير الذي يطرح علينا كقراء أسئلة كبيرة تعجز الكلمات عن طرحها وتضعف أمام التعبير عن وقع الحقيقة، بينما فعل الصمت جعلنا نتأكد من هشاشة مشاعر شاعرنا أمام تصريح أمه.
وفي قصيدته آذان الحيطان في مدينة الثورة يتجلى الصمت ككائن قوي يقول الشاعر:
كانت مدينة الثورة تمطر بالمخبرين، وأنت تسير بين أزقتها كنت ترى آذان الحيطان، وهي تلتقط ذبذبات صوتك كانت المدينة نائمة في فم تمساح
يتحدث الشاعر هنا عن أغرب لحظات الصمت التي عاشها إنسان الشرق الأوسط هو ذلك الصمت المطبق المدقع بدافع الخوف من البطش والقمع والتعذيب، ذلك الصمت الإجباري الذي فيما إذا قمت بخرقه ببنت شفة سيطبق التمساح أنيابه عليك ويسحقك.
في قصيدة أخرى تحمل نفس العنوان يقول حسين علي يونس:
“في مدينة الثورة
يمر عبد النور
يجر تسعين عاما من الحزن
حاملا عصاه…”
أحيانا يمر الزمن صامتا فلا يلفت نظر أحد وبالتالي يشكل هوة أو فجوة بين الذات والعالم حالة انفصال واغتراب بين الشعوب وحاضرها وحيث لا يجب خرق الصمت لا يكون هنالك حاجة للغة ولا لتطورها ولا لكتابة الشعر.
ويمكن للصمت أن يكون موقفا احتجاجيا ضد الواقع أو حتى ضد اللغة نفسها، فالشاعر في اللحظة التي يدرك فيها أن الكلمات يخونها المعنى ويعجز فيها عن التعبير يصبح الصمت موقفا وجوديا ضد الاستسلام فيقول الشاعر في قصيدة:
“في الحياة
ثمةَ من يحرك بئر المأساة داخلها،
ويتوجب فعل شيء
من أجل منع الكارثة”.
يتوجب فعل شيء لم يقل لنا ما هو لكنه يحثنا على التفكير به حين يحدثنا عن نتائج عدم القيام بهذا الشيء “من أجل منع الكارثة” والصمت بين الجملتين ليس فجوة لغوية بل مساحة لفعل مقاومة ضد الاستسلام للمعنى الجاهز، هي فجوة للأمل لا بد من التوقف عندها وفعل شيء للحيلولة دون الكارثة، وقد لا تكمل القصيدة حتى نهايتها في كلمة كارثة إذا ما كنت نجحت بالتوقف في تلك المساحة، وقد يكون الصمت رفضا:
كل شيء لدينا انفجاري
كرهنا وحبنا انفجاري
فرحنا انفجاري
وحزننا أيضا
يغيب في القصيدة كل ما هو غير “انفجاري”، حيث لا توجد راحة وسكينة، لا توجد لحظة صمت ووسط هذا الصخب المستمر يخبرنا الشاعر بأن الصمت قد يكون غيابا لإمكانية الهدوء أصلاً.
في قصيدة أخرى يقول علي يونس:
“أرمي حجرا يائسا
في فم الليل”.
ما إن يجعلنا الشاعر نتساءل لماذا يُرمى الحجر؟ حتى نتساءل ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وكأننا ننتظر صوتا للحجر في فم الليل، ننتظره بصمت يجعلنا نعتقد أن الليل أخرس، لكنه ما زال يبتلع كل محاولة للفعل أو التغيير، الصمت في هذه القصيدة يأس، لا بد من ألا نستسلم له.
في لقطة أخرى يقول الشاعر:
“حزنك خبأته تحت زلفي”، والحزن ليس في كلمة حزن بل في محاولة إخفاءه تحت تفاصيل الجسد، كأنه سر يجب ألا يُكشف، ولا يحكى عنه.
وما أن نصل إلى الصفحة 119 حتى نكتشف هذه القصيدة (جان دمو) وهي قصيدة لا تقول شيئا بل يكتفي الشاعر بعنوان القصيدة وشكلها، وهي أربعة سطور من النقاط وأربعة من علامات الاستفهام ويختم الشاعر بالرمز اللغوي “إلخ”، ونحن أمام قصيدة صامتة وكلام كثير لم يقل ربما لا يجب أن يقال لكن يجب أن تدرك مضامينه حيث لدينا فقط العنوان جان دمو وما تبقى غامض كغموض الشعر:
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الخ
1989/ 5/ 2

وفي الحقيقة سنتلمس معاني لا تنتهي للقصيدة إذا كنا فهمنا حالة في الديوان اسمها “جان دمو”، فالمجموعة تحتوي على عدة قصائد تحمل اسم جان دمو، مثل “جان دمو والباذنجان الذي صار لحما”، و”جان دمو يكتب تقريرا من الجنة”، و”جان دمو والوفد”، ومذكرات “جان” الأبدية، لتأت القصيدة الأخيرة مؤكدة أن “جان دمو” حالة شعرية تحتاج كثيرا من التأمل، وبالتالي تصبح هذه القصيدة بمثابة فراغ يمكن للقارئ ملؤه باحتمالات قصائد لا تنتهي في الحقيقة عن “جان دمو”.
الصمت في قصائد حسين علي يونس يعطي الكلام مناعة ضد الذبول، حيث يحتفظ الكلام في داخله بصدى الصمت فيحافظ على مساحة فراغ تمكن من الاستمرار واستحضار كلام جديد، وكأن الصمت أبو كل الكلام يلفت شاعرنا مسامعنا لنصغي إلى صمته، بينما ينمو في ظل كلامه كلام.. وينتظر كلام آخر ولادة جديدة في كل قصيدة وكل مرة، وكأن الانقطاع أو السكوت أو لحظة التوقف تنطوي على دعوة للاستماع إلى الجمال الكامن في صوت الأشياء الساكنة، فنندهش ونحن نسمع صمت الشاعر.
وكأنه لا بد للجميع أن يتحلى بذلك الصمت الذي يغدو لغة أو موسيقا يحتضن الفكرة الشعرية كرحم، وهذا يعني أن تطور الإنسان سيصل به إلى التخلي عن استخدام اللغة العادية كتعبير منتج عن عالم لا يلتقي فيه الإنسان إلا بنفسه دائما وبأفكاره المسبقة الخاصة، وفق تجاربه الخاصة الفردية جدا، إلى لغة أكثر رمزية واختصارا وأقرب إلى الصمت من الضجيج أو الإسهاب.
إن تلك الكلمة التي لم تقل، إن ذلك السكون، تسبب بكتابة دواوين، واهترأت لغات تحاول الاقتراب من معاني لا تقولها الكلمات، ويبدو أن صمت الشاعر تعبير شعري بالضرورة.

هامش:/
* حسين علي يونس، الأعمال الشعرية 1990-2024، دار “قارات” للنشر، بغداد 2025.
* نص الورقة النقدية التي تقدم بها الشاعر نبيل شوفان إلى ندوة “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات” للاحتفاء بصدور الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حسين علي يونس، الملتئمة في 21 شباط فبراير 2025.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.