كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الشعر في الخارج، لكن عتبته داخلية..

(شهادة)

حسين علي يونس

1
أحياناً أفكر بلاجدوى كتابة الشعر حين أجدني منشغلاً بالعيش على الرغم من أن العيش هو شعر الضرورة التي لا تعي أنها شعر (في اقصى تجلياته) وهذا ما يجعلني أكثر تواضعاً في ممارسته بصفته تجريداً قد يصعد او ينزل من أسطح البنايات. حين شرعت بكتابة الشعر كنت أفكر بتغيير العالم بشكل جذري، كما هو شائع لدى جميع الشعراء الذين أردوا تغييره وهز جذعه، لكنهم في النهاية اكتفوا بهز ارواحهم. لقد كنت واهماً بالطبع. كنت أرى العالم بعيني طفل لا يدرك طبيعة الأشياء. كنت ميالاً إلى أن أكون ثورياً ساذجاً، ولاحقاً عرفت أن الشعر (اله العجز) الكلي، فهو غير قادر على تحريك قشة في الريح وغير قادر على تغيير طرق حياة الناس كما تفعل الأيديولوجيا، لكن لحسن الحظ فان الشعر والناس كانا وما يزالان صنوان لا يعانيان مما يمكن أن نعدّهُ فصاماً بين الذات وموضوعها، رغم ان وظيفة الشعر قد شحبت وأصبح الشعر يعيش ويتنفس في محيط ضيق لكنه لا يزال حيا ويعيش حياته بين دفتي كتاب، وها نحن اليوم نجتمع ونتحدث عنه بمحبة واخلاص.
2
ما جدوى جمع قصائد الشاعر تلك التي نشرت بالمفرق في مجاميع او داخل الصحف او في كتاب كبير، ومن ثم نشر هذا الكتاب بصفته أعمالاً شعرية تامة، طالما ان الشاعر ما يزال حيا، ويواصل فعل الكتابة؟ فهل نشر هذه الأعمال الناقصة هنا هو مشروع (حياة) يسعى الشاعر إليه عبر مسيرته لحفظ كينونة الشاعر فيه، أم هو مشروع (موت) كان قد انطلق من لحظة صفرية ووصل لنهايته؟
فمن الشائع مثلا أن كيان الشاعر يتحقق في كتاب يدعى (المجموعة الكاملة) حين يغادر الحياة لتمنحه هوية ولتجعله كياناً صلباً في مواجهة العالم. بعد ان ينفصل الشاعر عن شعره ويصبح شعره وحيدا في مواجهة مصيره، بينما من الشائع ايضا ان المجاميع المفردة تصيره هشاً ومشتتاً. تعمل (المجموعة الشعرية الكاملة) على اطالة صراعه مع الزمن، تجمعه بصفته أنا واحدة، وتحفظه ككيان، أما المجاميع المفردة فتضيعه، تجعله مشتتاً، وتصيره مجموعة من الأناوات غير الواعية لذاتها، لهذا يسعى الشاعر عبر مسيرته إلى أن يكتسب هوية متماسكة وصلبة، وإن كانت تشير إلى انتهاء تجربته وموته، ومن ثم اندثاره في رحى الزمن الذي يضحك، بينما يدمر الأشياء كلها كما الطفل الذي يعيد تشكيل ألعابه ويهدها مطلقاً ضحكة مجلجلة.
لقد عانيت كثيراً في جمع هذا الكتاب بسبب تغير المزاج الشعري لدي، وبسبب النسيان والأخطاء والتردد، لهذا أصبح لديّ عدة نسخ غير متماثلة في نصوصها. لقد نشرت هذا الكتاب على الرغم من أخطائه لينسف جميع تلك النسخ غير المتماثلة التي أصبحت تؤرقني.
3
لقد اردت أن اقول إن الشعر في الخارج، لكن عتبته داخلية…
الشعر يكاد أن يكون غريزة، أو يكاد أن يكون تجاهلاً مشاغباً لثقل الأشياء…
الشعر اليوم رهان يتآكل على حواف انهيار القيم وموت البراءة، حيث يسود التوحش واللايقين الذي يعذب الناس ويزحف على الكون، لهذا يواجه الشعر النهاية، فقراءة الشعر تواجه اليوم مصيراً واحداً، وتؤدي إما إلى فهمه ومن ثم إلى نبذه، وإما تؤدي إلى تجاهله بسبب التباسه وغموضه وموته. وفي كلا الحالتين ثمة نهاية واحدة للشعر بصفته مخلوقاً. إنها ذوبان النسبي (الشاعر) في المطلق (العالم) الذي لا نهاية له، حيث يقدر للأشياء أن تولد وتموت، بينما يظل الشعر حياً في ظلال الهامش شيئاً رائعاً ونبيلاً، يتنفس ويعيش.
في زمن معاد للشعر حيث انتفت ضرورة الشعر بينما نتحدث نحن عن ضرورته، يا لها من مفارقة كبيرة نسعى جاهدين لترسيخها لنمنحه هذه الضرورة التي يفتقدها حيث تختلط الأشياء، وتسيل ولم يعد للشعر في عالمنا اليوم أية قيمة فعلية على الرغم من أن
الحديث عن الشعر بالنسبة لكاتبه، هو حديث عن الحياة في انتصاراتها وانكساراتها، لهذا يظل متلقي النصوص غير معني بمآلات كاتبها، لأن غاياتهما ليست واحدة. ايضا ربما لهذا السبب فقد الشعر الكثير من سحره بسبب من كونه أصبح مشاعاً وسهلاً وغامضا. لكن لحسن الحظ، يظل لدينا (الأمل) الذي هو (وجه الشعر) الفعلي والغاية الاسمى لوجود الإنسان، ولحياته على الأرض في هذا العالم الذي يظل رغم شكوكنا منبع الشعر الذي لا ينضب ابدا.

هامش:/
* نص الشهادة الشعرية التي تقدم بها الشاعر حسين علي يونس إلى ندوة “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات” الملتئمة للاحتفاء بصدور أعماله الشعرية الكاملة عن دار “قارات” ببغداد، مساء 21 شباط فبراير 2025.
* حسين علي يونس، هل عشنا حياتنا، الأعمال الشعرية 1990-2024، دار “قارات” للنشر والتوزيع، بغداد 2025.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.