كراهيةُ الشعر..
خالد عبد الزهرة *
بين فترةٍ وأخرى، تستحوذ ُعليّ نوبة كراهية لا إراديةٌ ولا أستطيعُ أن أُسيطرَ عليها، تجاه الشعر ..
أكرهُ قراءتهُ، أكرهُ كتابتهُ، أكره التفكير فيه، أكرهُ كل مايتعلقُ به. ذات مرة أستمرت معي تلك النوبة عشر سنوات لم أكتب فيها سطراً واحداً. وقد جمعت كل الكتب في مكتبتي المتعلقةُ بالشعر وأخفيتها في كراتين ونقلتها إلى ” تَرِّك” الشقة.
*****
تشكلات التأويل تظهرُ على السطح وتُثير أحتمالات أن لا يفهم الشاعرُ نفسهُ فهماً صحيحاً أو ينظر بطريقةٍ مُحرّفة إلى كراهية الشعر على أنها الوجه الآخر – الضحل أو الغير واضح – من الرغبة والإلحاح على مزاولةِ الكتابة بمنهجيةٍ تشي بعلاقةِ حبٍ بين كائنين أحدهما الشاعرٌ والآخر إنتاجه – متعةُ أصطياد النقائض.
قد تبدو كراهيةُ الشعر حالةٌ غير ملائمةٌ وغير واقعية لأيّة تجربة لكنها ليست ضمانة أكيدة على أنها فعلٌ مؤذٍ للنسق الكتابي الذي يختطهُ الشاعر. فعلٌ غاشمٌ لكنه ضروري لإنماء أفق التجربة.
*****
يَميلُ الشعر الحقيقي إلى الصنعة وابتكار تقاناته. إنه مثل علبة أدوات الساحر، تضمُ كل الأنواع وكل المكونات لتخلق منها تكوينات أخاذّة وجذابة فيها من الدهشة ما يُخلفُ فناً متميزاً له قوانين ومواثيق تؤسس لوجوده.
لذا فالشاعر صانع فائق المهارة يتلاعب بنقاط التماس ويخلق الالتباسات والتراكيب، يضعُ الموازين ويحدد المقادير والاتجاهات ويقود عملية توليف مبتكرة بين عوالم الفنون الأخرى فتتحولُ الكلمات في مكوناتها إلى نوع من الكتابة البصرية تقوم على التقاط المشهد بعدسة متسعة تقفزُ بين الزوايا، يحدوها أمل الالتقاط الدقيق للمكون الحساس للصور والاستعارات والأفكار والأنساق والعلامات عبر جمل قصيرة وشديدة الانحدار، متداخلة، ولا يجمعها معنى واضح، هدفها إحداث رجّة في المفاهيم التقليدية للكتابة. انها جزء من شيء، هو الكل عندما يتم توصيله.
*****
إن الذي يَقدم على قراءة الشعر ظناً منه أنه سيجد المتعة، سيخيب أمله وسينتابه الملل والعجز عن الاستيعاب، لأن وعيهُ قد بُنيّ على أطروحات خادعة وأسئلة خلفها شعر الفطرة وهو لا يفهم أن فكرة الغموض تشترط العقلانية المرتبطة باليقظة.
*****
إلى غير رجعة يضع الشاعر النيران داخل العين.
*****
الشعر فن يُكتب لقلة القلة، للحاذقين وذوي الباع الطويل في أستكشاف العوالم وللبارعين في فك أحاجي اللغة وسبر أعماق الغموض واستخلاص المشاعر المركبة. ربما يفتك الشعر القوي بقرائه، ولكن ما هو الأكثر أهمية في الحياة يكشفُ عن نفسه.
*****
نوبةُ كراهيةُ الشعر تُصيبني بالعجز المطلق
تقلبٌ في المزاج شنيع
غثيان
صداعٌ وألمٌ مُتنقلٌ في أجزاء رأسي
حساسيةٌ مُفرطةٌ تجاه الطعام والطقس
أنحرافٌ بصري
في قمة النوبة أصلُ الى نقطةٍ لايبدو فيها النظر مجدياً إلى الشعر بل يتحولُ وجوده في حياتي الى مصادفةٍ مزعجة
ثمة من يدفعُ ثمناً لينال العدم ..
*****
الى أين تقودني كراهيةُ الشعر ! ما معنى الهوس بالشعر! وأيهما سيقودني إلى فهمٍ أعمق ! لا أفهم معنى أن أنفق جلّ حياتي لأيجاد برزخٍ بينهما!
إما أن تكتب الشعر بتجربةٍ فريدة، او لا تكتب!
*****
في نوبة الكراهية تنبثقُ مهارات غريبة لأدامةِ البقاء أنحدرُ مثلَ رجلٍ أعمى على الدرب مطرّزاً بالقوة! أُحلّقُ بجناحي بومة
أفعلُ كل شئٍ بطريقةٍ مُختلفة
أضواءٌ وامضةٌ في كلتا عيني
*****
الهوسُ بالشعر يبتكرُ فخاخاً أنجو منها بأعجوبة
أتوقفُ تماماً عن الكتابة
تتملكني رغبةٌ جامحة في لمس جزء من نيزك..
*****
تتحول كراهيةُ الشعر إلى فعل مُضاد للهوسِ بالشعر، عكسيٌ في الأتجاه، يولد كقوة وفطنة أستثنائية ووعي مُدهش تحتَ ضغطه أندفعُ إلى تجربةٍ داخليةٍ أعمق مُبهرة ووامضة. يبدو أنني أختلقُ عند الكتابة مرحاً أصطناعياً أتفردُ به.
أضف تعليق