كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الميتاسرد وكسر الجدار الرابع..



قراءة في رواية ” عُمَر الصبيّ ” للكاتب التونسي التوهامي الشريقي

فتحي الرحماني

عن الرواية:
رواية “عمر الصبيّ ” صادرة في تونس نهاية سنة 2024 عن دارالوطن العربي للنشر والتوزيع، تقع في 471 صفحة وتتكوّن من 10 فصول بالإضافة إلى الإهداء والتقديم والفهرس، وتحكي قصّة عشق زمن الاستعمار الفرنسي  للبلاد التونسية في النصف الأول من القرن الماضي نشأت في المراعي بين عمر الصبيّ  “الذي بلغ للتوّ سنّ الثالثة عشر” وهو بطل الرواية وفتاة  تُدعى قمر ،ثمّ يتشعّب السرد في مسارات مختلفة ومعقّدة يجد معها الصبيّ نفسه في مواجهة تجربة قاسية هي تجربة “الصبينة” التي لعب فيها دور”المحلّل الشرعي” حتّى تعود حبيبته قمر إلى زوجها بعد أن طلّقها ثلاثا.

عن الكاتب:
الكاتب التونسي التوهامي الشريقي أصيل مدينة مدنين بالجنوب التونسي .هو أستاذ اللغة العربية والترجمة، درّس بالمعاهد التونسية، وخاض تجربة جامعية في جامعة وهران بالجزائر وجامعة صفاقس بتونس، له تجارب في كتابة النصوص القصيرة والبحوث والدراسات الأكاديمية.
1.دواعي البحث:
لايعدم الدارس لهذه الرواية مداخل لدراستها، إذ قد يستوقفك متنها الحكائي بما فيه من رصد لتفاصيل حياة “اجتماع بشري” صغير شديد التنوّع ولكنّه قادر  على إدارة الاختلاف وتحقيق التعايش، وقد تستوقفك في الرواية لوحات من الوصف البديع ومشهديات مركبة تمتزج فيها الألوان والأصوات والحركات على رأسها مشهدية حلقات الرقص والغناء والإنشاد الصوفي في ” ليالي الحَضْرة”، وقد تنتبه إلى التناصّ ومصادر الكتابة في الرواية وكيف كانت مزيجا من لغة الجاحظ وأسلوب طه حسين وكيف صهرت في أتونها مرجعيات قديمة وحديثة حتّى غدت “رواية مثقّفة” تحيل فيها الكلمات والأشياء على نصوص غائبة، وقد تنجذب إلى شخصياتها الطريفة والمركّبة من “أم الزين المشهورة” وهي تنوء تحت عبء ماضيها أو وهي تحتمي بحكاياتها وعشّاقها، مرورا بشيوخ الطريقة ومناوراتهم ومراوداتهم لنساء الحضرة أو الباعة الجوّالين ومغامراتهم مع نساء البلدة، وحتّى كلاب القرية وتنابحها وتجاوبها في جوعها ونهمها، وانتهاء بالصبيّ ومساراته المتعرّجة وحبيبته قمر التي أضاعها “وأيّة فتاة أضاع”، وقد تستوقفك الأحداث المتشابكة في قرية تتعايش فيها الملل والنّحل( من عرب وفرنسيس ويهود ومسلمين مالكية وأحناف ودراويش التصوّف..)، ويختلف ليلها عن حياة النهار فيها، وتتوزّعها المتناقضات، ويصطدم فيها المقدّس بالمدنّس، وتتنافر خرافات شيوخها مع علم المدارس، وتُنافس الزندقة فيها التقوى، وتتعارض الوطنية مع الخيانة أو تتداخل ..  
بالتوازي مع مواطن الاهتمام الممكنة هذه، فإنّ ما يلفت انتباه القارئ لهذه الرواية في تقنياتها وحيلها السردية هو ساردها الذي كان له حضور قويّ متناقض، فهو يُطلّ عليك كلّ حين، ويستوقفك لتتأمّل حبكته وشخصياته، ويعلّق على الأحداث فيوجّهك حينا ويحجب عنك حقائق الأشياء أحيانا أخرى، ويكشف لك عن مسارات السرد ويقصّ عليك قصّة القصّة، ويتّخذ له طيلة الرواية ” نَجيّا” – مسرودا له- يخاطبه بدلا عنك، وهو ما جعل الرواية في بعض مواطنها نموذجا للميتا- سرد وصورة تتجسّد فيها الوظيفة الميتا- لغوية بوضوح، إذ يتخطّى السارد وظائفه التقليدية المعهودة ليكسر الجدار الرابع بين عالم السرد والقارئ .
2. الميتا- سرد وكسر الجدار الرابع:
منذ الناقد الأمريكي “وليام غاس” في سبعينات القرن الماضي أصبح مصطلح الميتا- سرد أو الميتا- قص دارجا في الدراسات النقدية من حيث هو ” كلام عن الكلام” بلغة التوحيدي ومن حيث هو تحقيق لإحدى وظائف اللغة كما حدّدها اللساني ” رومان جاكبسون”  وهي الوظيفة الميتا- لغوية التي تعني نوعا من ” تفكير النصّ في نفسه وفي أشكال تقدّم السّرد فيه بطريقة مرآوية ذاتية”. وبذلك تحقّق هذه الوظيفة ما يسمّى في المسرح بكسر الجدار الرابع كما حدّده الألماني ” بريخت”  الذي جعل العمل المسرحي يفيض على الخشبة فيزول الحاجز الوهمي الذي يقف بين الممثّل والجمهور، ويجد المتفرّج نفسه منخرطا في اللعبة المسرحية ويخرج من سلبية التلقّي إلى المشاركة الفعلية.
وسواء تعلّق الأمر بالرواية أو المسرح فإنّه يمكن اعتبار هذه التقنية شكلا من أشكال توريط المتقبّل ليتقاسم مع الكاتب أو الممثّل جزءا من أجواء الكتابة أو التمثيل وليتشارك معه في المواقف .
وتبدو  رواية ” عُمر الصبيّ” نموذجا لهذا النوع من النصوص التي أتقن فيها كاتبها هذه اللعبة من خلال الأدوار المتعدّدة وغير التقليدية التي أسندها للسارد ، ومن خلال مخاطبة القارئ مباشرة وإقحامه في عوالم السرد التخييلية، بل حتّى من خلال  تدخّل الكاتب نفسه في الأحداث ومشاركته فيها ..
3. السارد وأدواره وهواجسه في الرواية:
لن نتطرّق للأدوار المألوفة التي ينهض بها أي سارد ولكنّنا سنرصد حضوره الصريح حين يُعلن هو  عن نفسه أو حين يتقلّب بين أدوار  مختلفة، فهو  سارد يمارس أقصى درجات التدخّل السردي والميتا- سردي.
فهو سارد يكتوي بنار حكايته حين يقول في ص 104 ” إنّ للحكاية شذراتها وقد يكتوي الرّاوي أحيانا بنار حكايته من حيث هو يدري ولا يدري، وقد يُفلح وقد لا يُصيب”، بل إنّه يتهيّب السرد ويخشاه على نفسه وعلى شخصياته، إذ يقول في ص 290 ” وكان يخاف على السرد من نفسه”، ويطرد بعض الأفكار والسيناريوهات السردية ويعلن ذلك صراحة في ص 320 حين يقول ” وأتت على السارد هواجس..فتركها عساها تتألّف وتنتظم “، وهو إلى ذلك ” يخشى على قمر – إحدى شخصيات الرواية-  حججه وخطابه ومقوله “، وأكثر  خشية أبداها السارد فعلى حبيبته ” سمر” التي لها شأن في الرواية وفي ذلك يقول ص 20 “ولقد كان السارد يخاف على سمر حبيبته، إذ تكاد تشرئبّ تسبق الأحداث، وكان يخاف عليها شُهُب الحديث، وما كان يرضى لها أن تُرمى..” ولذلك  لجأ أحيان إلى إيقاف الحكاية وقطع السرد قائلا ص 116 “وكفانا يا سمر من قمر ، إنّ واقعها كوابيس وما أدرانا نحن بحلمها”.
فيبدو  هذا السارد بمثل هذه الصورة ينوء بأعباء الحكاية وبطولها وتشعّبها فيقول ص 369 ” والتفت السارد إلى الحلقة – يعني حلقة الرقص في الحضرة-  وخاف إن هو ترك حبل الحديث على غاربه سيطول وستملّ سمر ..”  ويطول به الأمد ويضنيه الترقّب ص370  ويداهمه الخوف على بطله ص 339.
إنّ هذه الاقتباسات تعبّر بوضوح عن قلق الكتابة وقلق الكاتب وهو يبني روايته، وترصد مخاض ولادة نصّ يخشى كاتبه أن لا يقع من القارئ على أفق انتظاره أو أن تخونه اللغة أو يخيّب ظنّه سرد إذا تشعّبت سُبُله.
غير أنّ السارد في هذه الرواية لا يفزعه السرد فقط ولكنّه يخشى المجاز  على نفسه وعلى نصّه وعلى شخصياته فيقول ص 31 ” وأصابت فرائص السّارد رعدة من المجاز، وخاف على شخوصه صولة المجاز وخيانات التورية، وخاف أكثر على حبيبته سمر…” ، غير أنّ هذا الخوف لم يمنعه من جعل شخصياته تحلّق عاليا في سماء المجاز الرحبة، فتفتنه قمر بجسدها وسردها ص 290 ، وتلوذ أمّ الزين بالتورية وتحتمي بها ص 42 لإخفاء الحقيقة عن ابنتها قمر ، بينما يُوغل شيوخ الطريقة في لغة المجاز حتّى تحلّ الإشارة محلّ العبارة في كلامهم ص370.
إنّ هذا الخوف من المجاز نابع من أنّ الرواية في أحداثها تنشد الحقيقة وتطاردها في مسارات متشعّبة فهي تسعى إلى الكشف وتنقّب في سرائر الشخصيات، ويتلصّص ساردهال على كل الزوايا والبيوت، بل يغازل من أجلها قمر لتحكي له ما جرى “ليلة الصبينة” بينها وبين عمر خلف الأبواب الموصدة ، والمجاز يتهدّد هذه الحقيقة لأنّه لا يفصح بقدر ما يلمّح بينما الحقيقة لا ترضى إلاّ أن تكون عارية مكشوفة بلا حُجُب.
غير أنّ طلب الحقيقة على أهميّته لا يمكن أن يكون السبب الوحيد لفهم هذه الهواجس والمخاوف التي أبداها السارد تجاه المجاز ، بل في اعتقادنا أنّ الخوف مردّه إلى رغبة الكاتب في كتابة نصّ فذّ شبيه بلسان الحيّة مزدوج المعنى والدلالة، بقدر ما يُخبر يُخفي، وبقدر ما يصرّح يلمّح، وبقدر ما يُظهر يحجب ويستر  خاصّة وأنّ الكاتب قد تزاحمت نصوص مرجعية في ذهنه وهو يبدع روايته ويحبّر فصولها، وإنّك لتجد صداها فيما كتب: من مؤلفات الجاحظ و كتاب الأغاني وطوق الحمامة لابن حزم  قديما إلى طه حسين وعيون الأدب الفرنسي حديثا.
ليس ذلك فقط، بل إنّ الخوف من المجاز  يعود إلى أنّ الرواية قد جعلت منه شرطا من شروط الرجولة والفحولة، وقديما كانت الفصاحة شرطا للفتوّة والسيادة ، ودليلنا على ذلك أنّ الرواية حكمت على ” عمر الصبيّ” بالخصاء ليس لعجزه عن مواقعة قمر ليلة الصبينة فقط، ولكن بسبب عجزه عن فهم المجاز،إذ تشير الرواية في ص 75 وما بعدها إلى أنّ “عمر” لا يفهم التورية ولا التلميح ولا يعرف معنى للغواية ولا لغنج “قمر” فهما رموز وتورية ومجاز أيضا ” أثناها – أي قمر –  عن الأمر جهل الصبيّ بشتّى ضروب التلميح.. ولن يقبل غنجها، والغنج تورية يطوف به الترميز ويغزوه اللبس أو لا يكون .”
إنّ غياب المجاز أو العجز  عن إدراكه قد يصيب الشخص بعجز لغوي هو أخطر في نظر السارد من عجزه الجنسي، وما خوف السارد على شخصياته من سطوة المجاز إلاّ تعبير عن خوفه أن يقع نصّه دون حدود المجاز وأن يقصّر دون الغاية، فالسرد بما هو تخييل وإيهام لا بدّ له من مجاز حتّى يتحقّق شرط الفحولة في النصّ، ونعتقد أنّ السارد وهو يشير إلى هذه المحاذير إنّما يعبّر عمّا في ذهن الكاتب المتشبّع بالتراث النقدي العربي القديم الذي كان يصنّف الشعراء والكتّاب والمتكلّمين والخطباء إلى طبقات فيجعل في أعلى الهرم “طبقة الفحول” ويتوّجهم فحولا للكلام ، وهو بذلك يجاري الجاحظ في ” البيان والتبيين” حين قرن بين العيّ أو اللحن في اللغة والخصاء من جهة، وبين الفصاحة والفحولة من جهة مقابلة.
من المظاهر التي خرج فيها السارد عن مألوف أدواره في هذه الرواية محاورته لمصادره في الكتابة في نوع من الإحالة الصريحة عليها وفي نوع من التوجيه للقارئ كي يستحضر تلك النصوص أثناء القراءة.
فالسارد وهو ينقل حوارا بين سي الخطّاب و المهدي ص181 يثيره مشهد التلويح بالعصا والشيخ يدقّ بها الأرض دقّا خفيفا ويرسم بها خطوطا كأنّه يوقّع بها معانيه، فيتذكّر ” مرافعة أبي عثمان عن العصا أمام من جحد منافعها” ، وهو بذلك يُحيل على ” كتاب العصا” في ” البيان والتبيين ” للجاحظ باعتبارها علامة من علامات الخطابة والفصاحة، وهذه المحاورة هي مظهر من مظاهر التناصّ في الرواية إذ مثّلت مؤلفات الجاحظ وآراؤه   جزءا من نسيجها حتّى أنّها جعلت شخصية من شخصياتها ” ألثغ” يقلب الراء غينا شأنه شأن واصل بن عطاء أحد شيوخ المعتزلة فيما رواه عنه الجاحظ .
وفي سياق آخر  ” يغمز السارد للمتنبّي ” ص 243 حين تمثّل ببعض شعره ” وما تفنى العناقيد ولا الثعالب تبشم” في وصف مراودة شيوخ الحضرة ودراويشها للنسوة في حلقات الرقص والإنشاد.
ويتّكئ السارد في مواضع على محفوظه في التفسير  والـتأويل فيحاور النيسابوري في أسباب النزول ص 327 ويتّخذ قوله مرتكزا للمضيّ قدما في سرد الوقائع.
ثمّ  يقارن السّارد مشهده في وصف الخرفان السوداء والبيضاء تتراقص على العشب أمام عمر  وقمر  بلوحة الفنان الفرنسي “إدوارد مانيه” المعروفة باسم ” غداء على العشب” ويحاوره محاورة مقارنة ومفاضلة..
إنّ السارد في كلّ هذه الأمثلة لا يكتفي بالإحالة على مراجع الكتابة في الرواية، بل يحوّلها إلى أصوات متعدّدة صريحة تعاضد جهوده في تأثيث الأحداث والأوصاف في نوع من ” البوليفونية” والحوارية التي تخرج النصوص – الروافد من مكامنها وتكشفها أمام القارئ عسى أن يهتدي بها في فهم الرواية أو يعود إلى سبر أغوارها واكتشاف أسرار الجمال فيها التي تقف وراء اتّكاء  الكاتب عليها في نسج روايته.
4. السارد والمسرود– له في الرواية:
من التقنيات التي تتجلّى من خلالها لعبة الميتا- سرد في الرواية اتّخاذ مسرود له ( محكيّ له) فيها. فقد انتقلت ” سمر” من كائن تاريخي واقعي فهي ابنة الكاتب يهدي إليها روايته ص 5 ” إلى سحر بنيّتي ..ّ” إلى كائن لغوي قصصيّ حين أقحمها السّارد عالم الحكاية في فاتحة الفصل الأوّل ص 9 بقوله “وتعالي سمر حبيبتي وادخلي بقدمك اليمنى ليلة مخاض الهزل..” ، ومنذ تلك اللحظة تصبح ” سحر” جزءا من عوالم التخييل في هذا السرد، وينفصل السارد عن الكاتب بعد أن انتزع منه ابنته وزجّ بها شخصية من شخصيات المتن الروائيّ. وهو بذلك يسير على خطى طه حسين حين وجّه الخطاب إلى ابنته في نهاية الجزء الأوّل من “الأيام ” بقوله ” إنّك يا ابنتي في التاسعة من عمرك.. لن أحدّثك بشيء ممّا كان عليه أبوك في ذلك الطّور … نعم يا ابنتي . لقد عرفتُ أباك في هذا الطور من حياته…”
والتقاطع بين هذه الرواية وكتاب الأيام لا يقف عند ابتداع مسرود له فحسب وإنّما في الأدوار التي اكتسبتها هذه الشخصية، فكما عطف السارد على ابنة طه حسين وأشفق عليها من الوقائع، أظهر السارد في رواية ” عمر الصبيّ” تعاطفا كبيرا مع ابنة الكاتب التوهامي الشريقي ، ولكن إذا كان الأوّل قد خاف عليها من الحقيقة  أن تجرحها وأن تُحزنها، فإنّ الثاني خاف عليها صولة المجاز  وأحابيل السرد، وسمح لها بمراقبته واتّخذها ضميرا للسرد، فهي تستوقفه لتعدّل المرويّ حينا وتقطع نسق ما يرويه وتمنعه من المضيّ قدما أحيانا أخرى، أو  هي تستوضح وتستفسر وكأنّها علامة يهتدي بها القارئ في متابعة الأحداث وفي فهم المواقف.
إنّ هذه الحيلة السردية تجعلنا أما مستويين من التقبّل أحدهما من داخل النص يمثّله المسرود لها وثانيهما من خارج هو القارئ الذي لن يخرج سالما من كلّ هذ الأحابيل الفنيّة ولا مهرب له أن يُصلّي قبل القراءة أو بعدها “صلاة الاستحكاء” التي كانت تصلّيها أمّ الزين والدة قمر قبل أن تخوض في رواية مغامرات الغواية والمجون المشوّقة وقصصها مع عشاقها الكثر  في القيلولة ما بين ظهر وعصر لنساء القرية.
5. السارد وقسوة السرد:
يبدو السارد الرحيم مع المسرود لها – سمر، ورغم ما يُبديه من مظاهر التعاطف من حين لآخر، شديد القسوة مع شخصياته، إذ اختار لها مصيرا مُفزعا شبيها بنهايات الملاحم القديمة، وكأنّ هذه الشخصيات التي اتّخذها أبطالا للرواية كانت عبءا عليه أو لا تمثّله أو هو لا يريدها أن تُحسب عليه، فقد أغرق قمر في الغدير وحكم على “صبيّه” بالخصاء حسّا ومعنى، حقيقة ومجازا ، ولم يكن به رحيما كما كان دأب طه حسين مع “صبيّه”.
تشبه هذه النهايات الفاجعة في التراجيديا القديمة وذلك لأنّ أغلب شخصيات الرواية تحمل في جوهرها أسباب فنائها الفاجع، وهي في أغلبها تنطوي على بذرة الخطيئة التي تجعلها تدفع مثل هذه الأثمان الباهظة.
إنّ هذه الوقائع والمسارات المتشعبة والنهايات التي اختارها السارد والنصوص التي استلهمها والتجريب في الشكل والتقنيات وأدوات الكتابة الروائية تعبّر  عن قلق جيل ينتمي إليه الكاتب، هو قلق الانتماء والانفصام والازدواجية في اللغة والثقافة والقيم، لتكون الرواية في شكلها ومحكييها صورة من صور هذا ” الاسم العربي الجريح” الذي يتهدّده الخصاء الحضاري.

One response to “الميتاسرد وكسر الجدار الرابع..”

  1. صورة أفاتار Fethi Rahmani
    Fethi Rahmani

    شكرا كناية على نشر هذه المقالة النقدية حول الرواية

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.