كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الشاعر ضرورة حياتية: قراءة في (أمل يمرّ)..



جمال علي الحلاق

عندما تنغلق الجهات على نفسها ، وتحكم المأساة قبضتها على الحياة اليومية ، لن يكون لك إلا الإستمتاع بالمعنى الخفي الذي يغلّف كلّ شيء . هذا ما تعلّمته من تجربة الصعلوك حسين علي يونس .
دائما هناك مسامة صغيرة جداً في جدار الوجود الكونكريتي ، هذه المسامة على ضآلتها ، تمتلك القدرة أحيانا على أن تلغي الحضور الثقيل لكلّ ما سواها .
***
سعادة بل غبطة أيضا في ذروة اليأس والجفاف ، بل إنّ اليباسات التي تتشقّق مثل أقدام حافية ، تتهيأ دائما لانبثاق وردة لا تلتفت للقبح المحيط ، وردة رغم أرضيّتها فإنّها تّتصل بحبال سرّية مع الأعماق البعيدة للكون .
هذا ما أراه وأحسّه وأنا أدخل الى عالم ” أمل يمرّ ” ، بل إنّ العنوان الذي ينتصب مثل إشارة ضوئية في منتصف الخراب يعلن بوضوح صارخ خروجه على كلّ ما يحيط .
***
وحتى لا أقع في الفخّ ، فالشاعر ، أيّ شاعر ، لا يكتب إلا نصّاً واحدا ، نصّاً يعيشه بشكل يومي ، وفي أحيان قليلة يجازف في كتابة شذرة منه ، لذا فمجموعة “أمل يمر ” ليست سوى شذرات من نصٍّ يعمل عليه حسين علي يونس منذ أن إنتبه الى الحاسّة السادسة التي جعلته ينتمي رغماً عنه لفئة من البشر ، يمتازون بأقلّيتهم في العالم ، بل يندرون أحيانا ، لكنّهم لا ينقرضون ، بل يزدادون ارتقاءً ، وتوحّدا .
***
أحاول هنا أن أقترب من العمود الفقري الذي يتكئ عليه النصّ ككلّ في الإنتصاب، الثيمة التي تتحرّك حولها الشذرات مثل كواكب حول منبع الضوء ، وأظنّني لا أقف بعيداً عن الحقيقة حين أقول أنّ الجوهر الذي ينبض داخل ” أمل يمرّ ” هو ( النجاة ) .
***
” في العراء زرعتُ حدوة
أنبتت الحدوة حصانا
أنقذ حياتي ” ( ص 22 )
هذه الشذرة مكتملة تماما، بل إنّ أيّ كتابة عنها ستسيء إليها .
أعتقد أنّها بؤرة مجموعة ” أمل يمرّ “، بل أكاد أراها البؤرة الأولى والأهم في حياة حسين علي يونس ، الشاعر الذي يتجوّل في الأسواق، ويقيم بعيدا ووحيدا مثل أوتنابشتم .
الشذرة هنا تتحدّث عن (العراء) كمكان وزمان معا ، كبيئة ثقافية ، كتأريخ ، واستخدام الصعلوك حرف الجرّ ( في) ليس إلا تأكيدا لإقامته فيها ، لكنّه تأكيد منفتح على (هنا أو هناك) أيضا ، الحضور الضمني لدلالة (هناك) يجعل العراء سلطة متفكّكة ، أو على حافّة التفكّك ، وسواء أكان العراء بدلالة (هنا) ، أو بدلالة (هناك ) فإنّ الجملة الفعلية ” زرعتُ ” تشير الى ( أنا ) واضحة جدّا ، بل فاعلة أيضا . أقول أنّ شعرية الجملة الإسمية ” في العراء زرعتُ حدوة ” تكمن في كسر التوقّع الذي أحدثته كلمة (حدوة ) ، هذه الإزاحة فتحت النصّ ، بل كانت النافذة لاندلاق خيال الشاعر تماما ، كلمة واحدة تخلق النصّ وتخلق إتّجاهه أيضا ، لأنّ كتابتها إستدعت حضور الحصان ، إنّها سلطة الكلمة على سحب عشيرتها اللغوية الى النصّ ، لكن ما حدث هنا ، أنّ الكلمة وعشيرتها ، أو بعض نسابتها حضروا ، لكن خارج دلالتهم القاموسية تماما ، من هنا يبدأ كسر التوقّع ، وهذا هو الحاجز الفعلي بين ( الشاعر/ النصّ ) وبين (المتلقّي) ، ولكي يصل المتلقّي الى مستوى النصّ يحتاج الى أن يكون بمستوى خيال شاعر أيضا ، لأنّ الصعلوك هنا غير معني إلا بكتابة تجربته كما هي ، المتلقّي غير موجود عند كتابة النصّ ، وهذه إحدى أهم سمات النصّ التسعيني .
عند العودة الى الشذرة نجد أنّ الصعلوك يستخدم جملة فعلية تقليدية أيضا ، لكنّها تكسر الراسب في الذهن ، القاعدة هي هي غير أنّ المعنى يجعلها ليست هي أيضا : ” أنبتت الحدوة حصانا ” ، إستمر حضور كلمة ( زرع ) باستدعائه كلمة (أنبت) ، ما يحدث هنا هو استمرار الصعلوك في استخدام آليات الإستدعاء اللغوي ، لكن ، بانزياحات يؤدِّي خروجها الى قراءة صادمة . كما لو أنّه أراد أن يقول : “في العراء زرعتُ حصانا أنقذ حياتي” ، غير أنّ حضور كلمة ( حدوة ) أضاف للشذرة قوّة أخرى تجلّت في إزاحة المخيلة باتّجاه الركض ، الحدوة جعلت الذهن مهيّأ للركض .
وباستخدام الفعل الماضي التام في بناء الجمل الثلاثة ، تكون النجاة أمراً محسوماً ، الصعلوك خارج العراء تماما ، العراء في (هناك) ولم يعد في (هنا) . هذه الشذرة تقول أنّ النجاة شعور ذاتي خاصٌّ جدّا ، لا علاقة له بالبؤس أو بالرفاهية الاجتماعية ، رغم أنّ ذلك يبدو واضحاً في شذرة أخرى :
” كما تُجزُّ الأعشاب الضّارّة
الفاقة
تجزّنا ” (ص 44 )
إلا أنّ الصعلوك حتّى هنا ينظر الى تجربته من زاوية أخرى ، إنّه ينتمي للأعشاب الضّارّة ، كما لو أنّ النصّ يستدعي المقلوب الخفي للكلمة ، أو ما يمكن أن تحيل إليه ( عشب/ شعب ضار ) هو ينتمي للفئة التي لا يمكن أن تكون نافعة للنظام البليد الذي يسيّج الحياة اليوميّة ، أريد أن أقول هنا أنّ الشعور بالنجاة عند حسين علي يونس يرتبط بالقيمة التي تغلّف الحياة ، أن تصنع قيمة لوجودك في وسط مفرّغٍ منها .
هذا المستوى من الإحساس يفرش الأرضية لشذرة أخرى في النصّ الكلّي:
“حياتي
فيما وراء الوجود
تواصل جريانها ” ( ص45 )
هكذا ، أن تكون مقيماً لا في الحياة ، بل في وجودك الخاصّ في ما ورائها ، في المعنى الذي تستبسل من أجل أن ترتديه بنفسك ، وليس في المعنى المُعْطى .
هذا الإحساس يجعل الشاعر خارج التهافت القيمي، وحتى خارج التشاؤم الذي يكاد أن يغلق الأفق ، إنّه ناجٍ ، بل إنّ حسّ النجاة يجعله في لحظة الإستشارة أن يطلب من صاحبه :
” أن يذهب الى بغداد
الساخنة
كالحقول ” ( ص 50 )
كما لو أنّه يدفع بصاحبه الى رؤية المعنى الخفي وراء كلّ شيء ، المعنى الصادم لصراعات تافهة، فبغداد التي يُحبُّ ساخنة ليس كأرض حرام ، بل كحقل ، والحقل حياة ، هذا الكسر الصادم لدلالة الموت يضخّ الأمل الخفي في الكلمات حتى يبدو كامل التوهّج .
***
حسين علي يونس الذي يزحف “الى الشيخوخة بتؤدّة وحزن ” (ص 57) الذي لا يتردّد في أن يقول :
” الى أيّ حدٍّ يخطئ دافنشي عندما يقول أنّ السلطة عمل النبلاء  ونحن نرى الحثالة تتحكّم بمصائر شعوبنا ” (ص 33)
أقول : لا يزال الصعلوك يرى ويحسّ ويستمتع – في ذروة إنعدام القيمة – بقيمه الخاصّة جدا ، وبتجلّياتها بعيدا عن السطحية التي تبدو وكأنّها سمة عصر .
***
” في الحياة اللانهائية، التدفّق الأبدي يدعم تدفّق الزمن ” (ص 48) . 
الصعلوك حسين علي يونس في شذراته الجديدة ، في أمله الذي يمر وسط الخرابات، يحاول أن يقول بوضوح صارخ أنّ وجود الشاعر ضرورة حياتية لأنّه نافذة لتجاوز العدم. وهذه الرسالة بحدّ ذاتها ، صفعة يوجّهها الصعلوك الى الكتبة الذين روّجوا بأنّ النصّ التسعيني نصّ عدمي .

هامش:/
أمل يمر ، حسين علي يونس ، ط 1 – 2014 ، دار مخطوطات، هولندا .

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.