كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

“غزالة رايقة في بيئة لايقة”: مهرجان سباقات غزلان الصحراء يُبهر العالم من حزوة التونسية..

عبد اللطيف الدلال – تونس  

تحت شعار «غزالة رايقة في بيئة لايقة»، أضاءت أمسيات الصحراء سحرًا وأصالة مع انطلاق الدورة الخامسة لمهرجان سباقات غزلان الصحراء في قلب الواحة الساحرة حزوة. هذه الجوهرة الواقعة بين أحضان رمال تونس الذهبية وليس بعيدا عن الحدود الجزائرية احتضنت حدثًا لا يقتصر على كونه منافسة رياضية فحسب، بل هو دعوة لاستكشاف جمال الطبيعة العذراء والغوص في أعماق التراث التونسي العريق.
روح المغامرة ونبض التراث
من قلب الصحراء حيث تتناغم الرمال مع الأفق في لوحة أزلية ساحرة، أضاء مهرجان غزلان الصحراء أرجاء منطقة حزوة ليُجسد ملحمة ثقافية ورياضية فريدة من نوعها. على مدى أربعة أيام خالدة، من 16 إلى 19 جانفي 2025، تحولت حزوة إلى مهدٍ نابض بالإبداع والحيوية، واحة تجمع بين أصداء الماضي وإيقاع الحاضر، لتروي حكايات العزيمة والمغامرة، حيث اجتمع أكثر من 500 مشارك من مختلف أصقاع العالم، حاملين معهم أحلامهم وشغفهم للتحدي.
لم يكن المهرجان مجرد سباق رياضي أو حدث تنافسي عابر؛ بل كان مسرحًا مفتوحًا يروي قصصًا إنسانية ملهمة، ويرسم تفاصيل لحظات استثنائية يتشابك فيها الإصرار بالجمال. استعرض المشاركون مواهبهم في سباقات متنوعة، تراوحت بين العدو السريع الذي يستعرض القوة والانسيابية، والسباقات الماراطونية التي تختبر حدود التحمل والصبر، إضافة إلى تحديات الدراجات الجبلية التي شقت طريقها عبر مسارات وعرة تحمل في طياتها مشاهد تأسر الألباب وتوقظ الروح.
في هذا الفضاء الساحر، لم تكن التحديات مجرد اختبارٍ للقدرات البدنية، بل رحلة روحية يتماهى فيها الإنسان مع الطبيعة، حيث الرمال الذهبية تُشاهد بانبهار خطوات المغامرين، والرياح تنقل أصداء فرحتهم وصرخات انتصارهم. كان كل متسابق يحمل معه قصة، وكل خطوة تُضاف إلى ذاكرة المهرجان كفصل جديد في ملحمة من العزيمة والإبداع.
لقد تجاوز المهرجان بُعده الرياضي ليصبح رسالة إنسانية، تحتفي بجمال الروح وقوة الإرادة، وتجسد لقاء الحضارات من خلال لغة واحدة تجمع الجميع: لغة التحدي والإصرار. وبين أمسيات حزوة الهادئة وأنغامها التي تمزج بين الموسيقى المحلية والتواصل الثقافي العابر للحدود، ارتسمت لوحة فنية نابضة بالحياة، لوحة لن تنساها الرمال، ولن تغيب عن ذاكرة من عاشوا تلك التجربة الساحرة.

مزج بين الرياضة والوعي البيئي
بروحٍ تنبض بالحيوية وتتوشح بعبق الأصالة، انطلقت فعاليات المهرجان لتتحول الصحراء إلى لوحةٍ ساحرة تستعرض جمال تضاريسها وسحر تراثها العريق. تحت أشعة الشمس الذهبية التي ترسم ظلالاً متراقصة على الكثبان الرملية، اجتمع المغامرون من شتى البقاع ليخوضوا سباقاتٍ تنبض بالتحدي والإثارة. كانت تلك اللحظات أكثر من مجرد مواجهةٍ رياضية مع الطبيعة، بل حكاية من الشغف والإصرار تُروى فوق الرمال التي تحمل آثار الزمن وذاكرة الأجداد.
وفي خضم هذا الحراك المفعم بالحياة، برزت رسالةٌ بيئية سامية، ترجمتها المبادرات التي أطلقها المهرجان لتنظيف المنطقة والحفاظ على نقاء البيئة الصحراوية. لم يكن الأمر مجرد سباقٍ للوصول إلى خط النهاية، بل كان دعوةً صادقة للالتفاف حول القيم الإنسانية التي تعانق الأرض، فكانت الأيادي تعمل جنباً إلى جنب، تزيل ما علق بها من أثر الإنسان لتعيد للصحراء نقاءها الذي تستحقه.
بين خطوات المتسابقين وأنفاسهم التي تتلاحق تحت وطأة التحدي، وبين أهازيج الجمهور الذي يلهج بالتشجيع، كان المهرجان أكثر من فعالية، كان سيمفونية متناغمة من الأصوات والظلال، تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وتؤكد أن الصحراء ليست مجرد مكانٍ، بل إرثٌ حيٌ يتنفس الإبداع والكرامة.
تجربة استثنائية تحت سماء الصحراء
بين مسارات تتنوع أطوالها بين 15 و110 كيلومترات، خاض العداؤون مغامرة استثنائية تستدعي الشجاعة والإرادة، حيث اندمجت قلوبهم مع نبض الأرض، وتوحدت خطواتهم مع إيقاع الرياح الصحراوية. كانت الرمال الذهبية شاهدة على كل خطوة يخطونها، تمتد أمامهم كبحرٍ صامت يحمل أسرار الزمن ويعكس وهج الشمس كأنها تتنفس عبر تلك الحبيبات المتلألئة.
وفي الليل، حين تسكن الصحراء إلا من همسات الرياح، يتبدد صخب العالم، فتُضاء السماء بأضواء النجوم التي بدت وكأنها رسائل أزلية تحكي قصص الأسلاف وتحفز أرواح المغامرين. كانت كل نجمة بمثابة دليل يروي حكايات المجد لمن يغامر بأحلامه على دروب التحدي.
لم يكن السباق مجرد اختبارٍ للقوة البدنية؛ بل رحلة إلى أعماق الذات، حيث يواجه العداءون حدود قدراتهم، يتغلبون على العطش والإرهاق، ويمتزجون مع جمال الطبيعة الذي يعانق أرواحهم في لحظة نادرة من الانسجام مع الكون. كان الطريق هو البطل الحقيقي، يكشف وجوهًا خفية للصحراء: الكثبان الرشيقة، والتلال التي تتلون بأطياف الغروب، والممرات التي تحكي بصمتها تاريخًا قديمًا نقشته الأقدام منذ آلاف السنين.
في النهاية، كانت التجربة أعمق من مجرد سباق رياضي. إنها احتفال بالحياة، ملحمة إنسانية تسطرها خطوات العابرين في قلب الصحراء التونسية.
قيادة نسائية تُلهم الأجيال
وراء نجاح هذا الحدث المتميّز تقف امرأة تونسية ملهمة، تمتزج في شخصيتها الحكمة بالطموح، والشغف بالإبداع، لتصنع من هذا المهرجان علامة فارقة لا تُمحى في الأجندة الرياضية والثقافية الدولية. بشخصيتها القيادية ورؤيتها الثاقبة، تحوّلت هذه المرأة إلى رمز للنجاح والتميّز، مقدّمة نموذجًا مشرفًا يعكس قوة الإرادة والابتكار. لم تكن الرحلة سهلة، بل كانت مليئة بالتحديات والصعوبات التي تواجه مثل هذه التظاهرات الكبرى، ولكن إصرارها الذي لا يعرف الانكسار، وتفانيها الذي ينبع من حبها العميق لوطنها، جعلاها تتخطى كل العوائق وتعيد تعريف الممكن.
هذه المرأة، التي أضاءت طريقها بشغفها العارم وعملها الدؤوب، لم تكتفِ بمجرد تقديم حدث رياضي وثقافي؛ بل نجحت في صياغة تجربة استثنائية تُبرز القيم النبيلة المتأصلة في المجتمع التونسي، من كرم الضيافة إلى العزيمة والإبداع. لقد حولت المهرجان إلى منصّة تعكس تراث تونس العريق، وتعرض للعالم أصالة هويتها في إطار معاصر ومبتكر.
ما يميّز قصتها أنها ليست مجرد حكاية نجاح عادية، بل هي لوحة إنسانية ملهمة، تُظهر كيف يمكن للحلم أن يتحوّل إلى حقيقة بفضل العمل الجاد، وكيف يمكن للشغف أن يُلهم أجيالاً كاملة ليتبعوا نفس المسار نحو التميز والإبداع.
إشعاع عالمي وتراث محلي
ها هو مهرجان غزالة الصحراء بالجنوب التونسي، ليس مجرد سباق رياضي عابر، بل لوحة فسيفسائية تنبض بالحياة، تتشابك فيها خيوط الرياضة بالفن، والتراث بالحداثة، لتخلق نافذة مشرعة على العالم. إنه أكثر من مجرد منافسة؛ هو احتفاء بجمال الطبيعة البكر وسحر الصحراء الذي يأسر القلوب، حيث تغمر الرمال الذهبية والواحات الخضراء المشاركين بحضن دافئ لا يُنسى.
على مساراته المتعرجة، تلتقي خطوات الرياضيين بظلال الماضي العريق، فيما تتعالى أصوات التصفيق من الزوار الذين يمثلون قارات الأرض، متحدين بلغاتهم وثقافاتهم تحت سماء تونس المشرقة. المهرجان، بما يحمله من ألوان وأنغام، يفتح أبوابًا للحوار والتقارب بين الشعوب، مُعيدًا رسم خارطة الإنسانية على إيقاع نبض الطبيعة.
هنا، تتحول السباقات إلى احتفال بالحياة، ويصبح العرق المنسكب على الطرقات رمزًا للإصرار والتحدي. وبينما يرفع الرياضيون رايات دولهم، تتزين الأفق بقصص تُحكى عن ضيافة تونس وأصالة شعبها. إنه ليس مجرد حدث سنوي؛ بل دعوة لاستكشاف كنوز الجنوب التونسي المخفية، ونداء لكل من يسعى لتذوق الجمال، الاندماج في الموروث، والاستماع لحكايات الأرض التي تسردها رياح الصحراء.
ختام ملهم
وتظل هذه التظاهرة موعدًا استثنائيًا يحج إليه عشاق الرياضة والمغامرة من كل فجٍ عميق، لتكون الصحراء التونسية مسرحًا لتجربة فريدة لا تنسى، حيث التحدي الرياضي يمتزج بسحر الطبيعة الآسرة. هنا، تحت شمس الصحراء التي تعانق كثبان الرمال الذهبية، تنبض الحياة بإيقاع المغامرة، وتتفجر روح المنافسة بين المتسابقين الذين يواجهون قسوة الطبيعة بإرادة فولاذية.
ومن خلف تلك الكثبان التي تحكي حكايات الأزمان، تنبثق تونس برؤيتها المستقبلية، ترسم لوحة استثنائية تجمع بين الحلم والعمل، بين عبق التراث وألق الحداثة. ومع كل دورة جديدة لهذا المهرجان، يزداد اليقين بأنه ليس مجرد حدث رياضي، بل رسالة سلام وعنوانٌ للإبداع، حيث تتحول الصحراء إلى مساحة مفتوحة للحوار بين الثقافات، وتلتقي الشعوب تحت مظلة المغامرة والإنسانية.
إن مهرجان “سباقات غزلان الصحراء” لا يقف عند حدود السباق، بل يعكس جمال الحياة في تحدياتها، ويخلد روح المغامرة والجمال التي تأبى أن تنطفئ. هنا، في عمق الصحراء التونسية، تتحقق الأحلام، ويتجسد الشغف، وتبقى ذكرى هذا المهرجان محفورة في القلوب والوجدان كرمزٍ خالدٍ للروح البشرية المتجددة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.