فرصة ليست أخيرة لاستنشاق القصيدة..
بقلم: حكمت الحاج*
يبدو أن هذه المجموعة الشعرية المعنونة “فرصة وحيدة لاستنشاق النجوم” للشاعر البحراني احمد العجمي، والصادرة عن دار “كناية” للنشر 2024، ضمن سلسلة “القصيدة العربية الجديدة ما بعد النثر والتفعيلة”، قد قدّمت نفسها كمشروع طموح يهدف إلى كتابة قصيدة نثر عربية جديدة ومعاصرة، وربما يتضح ذلك من خلال عدة سمات وخصائص نقدية ظهرت في نصوص المجموعة، يمكن إجمالها بما يلي:
1. الرؤى التجريبية:
تتميز نصوص المجموعة بشعرية عالية تعتمد على التحرر من الأطر التقليدية للقصيدة، وتحمل في طياتها بحثًا فلسفيًا ووجوديًا، وتُظهر قدرة على المزج بين النزعة التأملية والتوجه نحو الحداثة. ويمكننا افتراض وجود دعوة للتجديد في كيفية صياغة المشهد الشعري باستخدام مفردات تتسم بالجرأة والتنوع. هذه الخصائص نجدها في المجموعة التي تُعلي من شأن اللغة التجريدية، وتدمج بين التعبير الحسي والرؤية المجازية الكونية.
2. اللغة الشعرية المبتكرة:
نصوص المجموعة تعجّ بالصور غير المألوفة التي تُعبّر عن هموم الذات والعالم. مثال على ذلك:
“الندى الملتصق بجذع شجرة الخوخ يقول لي: تريّث…”
أو:
“الأمل النحاسي لم ينم على السرير المنزلق ناحية الهزيمة.”
وفي الحفيقة فإن هذا الأسلوب يعكس محاولة لتحريك اللغة إلى مناطق غير مكتشفة شعريًا، متجاوزًا المألوف في قصيدة النثر العربية.
3. توظيف الواقعية السحرية:
النصوص لا تخلو من العوالم الرمزية العميقة والمجازات التي تفتح أمام القارئ احتمالات لا نهائية للتأويل. كذلك، استخدام مفردات مثل “العدم” و”الموسيقى” و”النجوم” كرموز دائمة، يوحي بانفتاح النصوص على العوالم الفنطازية والخيال السريالي.
4. اللغة الشعرية المتشابكة:
تمتاز النصوص بكثافة لغوية عالية تعتمد على المزج بين البساطة الظاهرية والعمق الدلالي، حيث تفتح الصور والتراكيب اللغوية آفاقًا واسعة للتأويل.
مثال: “الأمل النحاسي لم ينم على السرير المنزلق ناحية الهزيمة”، حيث تتحول المفردات المألوفة إلى استعارات مركبة تستدعي التأمل والتحليل.
5. توظيف الصورة الشعرية:
تعتمد المجموعة على صور شعرية جديدة وغير مألوفة، تمزج بين التجريد الحسي والرؤية المجازية، مع استدعاء الرموز الكونية والطبيعية. مثال: “هناك رياح تحمل بيوت الحزن إلى الأودية المكتوبة بالدموع”، حيث تتحول الطبيعة إلى كيان حي متفاعل مع العاطفة البشرية.
6. توظيف الإيقاع الداخلي:
على الرغم من غياب الوزن والقافية، تتمتع النصوص بإيقاع داخلي ينبع من التكرار المدروس، والتوازن بين الجمل، وترابط الصور والأفكار. الإيقاع هنا ليس موسيقيًا بقدر ما هو إيقاع فكري وشعوري ينبض في النصوص ويخلق تماسكًا رغم طابعها التجريبي.
7. المزيج الرمزي:
النصوص غنية بالرموز والأيقونات التي تنبثق من عوالم الواقع المعاش والخيال الصرف، مما يخلق مزيجًا من السريالية والنزعة الوجودية. مثال على ذلك: “دعوني أشرح حالة الفزع الباردة للغة حين حاولت وصف ما حدث”، حيث تتحول اللغة ذاتها إلى كائن حي تتفاعل معه الذات الشعرية.
8. التلاعب بالمألوف واستدعاء الدهشة:
تعتمد النصوص على تكنيك “قلب المألوف رأسًا على عقب”، الذي بدوره سيخلق عنصر المفاجأة والدهشة. مثال على ذلك ما يقوله الشاعر: “قرأت ما كتبته أثناء مراهقتي في دفتر يومياتي، ‘لن أبحر في هذا القارب، فهو لا يسمح للطيور البلهاء أن تكون مرحة.’”
9. الحوار مع الذات والعالم:
تركز النصوص بشكل كبير على البعد الذاتي التأملي، حيث تخوض الذات الشعرية حوارًا مع نفسها ومع مظاهر العالم الطبيعي والمادي. مثال: “هل غادرت حفرة الضباب؟ هل حقاً مزّقت خيمة الموتى كريح ذات قرون فوسفورية؟”
10. البعد الفلسفي والوجودي:
تطرح المجموعة أسئلة وجودية تتعلق بالذات، الحياة، الموت، الزمن، والعزلة، مما يعكس اشتغالًا على البعد الفكري للشعر. مثال: “كل شيء استثنائي أريده الآن أن يستيقظ، ابتداء من الزنبقة الرصاصية وانتهاء ببستان الطيور.”
11. تشظي السرد وتعددية الأصوات:
لا تلتزم النصوص بسرد خطي أو متسلسل، بل تنطلق من مقاطع متشظية ومشاهد متعددة الأصوات، لتخلق تجربة قراءة غير تقليدية. فقصائد “فرصة أخيرة لاستنشاق النجوم” لا تروي حكاية واضحة، بل تعتمد على لقطات متفرقة تتضافر لخلق مشهد كلي. نصوص هذه المجموعة الشعرية مفتوحة دلاليًا وتدعو القارئ ليكون مشاركًا في إنتاج المعنى، حيث يتطلب فهمها تفاعلًا تأويليًا عميقًا.
12. الحس النقدي ورفض الثوابت:
تعكس النصوص رؤية نقدية للعالم والمجتمع واللغة نفسها، مع رفض الثوابت الثقافية التقليدية. مثال: “لا تهم حالة الطقس، سأكتب أغنية عن الزمن الملطّخ بالوحل وسأبث أحزاني السريالية فيها.”
أخيرا،
يمكننا إيجاز القول بأن قصيدة النثر في مجموعة فرصة أخيرة لاستنشاق النجوم” للشاعر أحمد العجمي تعتمد على الجمع بين العمق الفلسفي والنزوع التجريبي، مع استحضار لغة بصرية ورمزية غنية، وإيقاع داخلي يجذب القارئ. تسعى المجموعة إلى تجديد التعبير الشعري وفتح آفاق جديدة أمام قصيدة النثر العربية، بما لديها من رؤية حديثة ومعاصرة للكتابة الشعرية.
https://www.facebook.com/share/p/1ECR85kLHq/
أضف تعليق