كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

ديوان “تلوكني العتمات” بقع ضوء تبلع وجه العتمة..



نبيل شوفان

في مجموعتها الشعرية “تلوكني العتمات” الصادرة عن دار “كناية” عام 2022، تهدينا الشّاعرة والناقدة التونسية عواطف محجوب، طريقة جديدة لفهم الليل وتوقظ وعينا على الروح التي ينبض بها اللون الأسود من خلال قالب شعري في كتاب يقع في ستين صفحة من الحجم المتوسّط، حاولت فيما يلي تفكيك فكرة وجدتها أساسية في الديوان وهي تداخل صور الليل والعتمة واللون الأسود مع بقع الضوء ونتروناته بشكل مكثف لتعبر عن حالات وجدانية عميقة وتكوّن لوحات تشكيلية تساقطت فوقها بقع الضوء ألوانا ترمز للأمل والبوح الذي يجلي أجواء الظلام الكثيفة.
إنه مرة جديدة ذلك الصراع المستمر بين الظلمة والنور، بين الاغتراب والبحث عن الانتماء، يتحرر الليل من كونه مجرد خلفية زمنية، أو لون نقي، إلى كيان حي ينبض بالغموض، إنه ليل يسير في عروقه نور، ورغم أن الأسود يبتلع بقية الألوان ولا يعكس أي ضوء ما يظهر الديوان كأنه يخفي كل المشاعر ويهضمها تحت غلاف خارجي من الحزن، قبل أن نبدأ باكتشاف بقع الضوء في النصوص الشعرية كلمحات من الأمل، كفواصل صغيرة تكسر ظلاما ممتدا في أجواء الديوان، وكأن الشاعرة تُشير إلى تلك اللحظات القصيرة التي تضيء فيها أرواحنا بقناديل لا نعرف ما هي ومن يقف ورائها إنها غريبة جدا لكنها تجلي، وتعكس قدرة على البوح، وتفتح طريقا إلى الحقيقة عبر الأفكار، كما هو الحال في قصيدتها تناقضات حين تبحث الشاعرة عن مرادف للضوء في الدخان في لون التجاعيد فتبدو وكأنها تفلي بقع الضوء من الظلمة وكأنها تعيد فرز الأبيض والأسود من الرمادية، ومرة أخرى تحرق قشّاً بحثا عن شق ضوء يقطع قلبها.
وفي الحقيقة يبدو اختيار هذا التشكيل بين أهم عنصرين في الكون المادة المظلمة والأخرى المضيئة إنما يعكس جدلية الأمل واليأس حيث اليأس أمل مؤجل، لكن كليهما يصنع التقدم البشري، والموت والحياة، كلٌّ منهما يصنع التغيير الحتمي، وهكذا يخسر الليل أبديته، إن العتم في ديوان “تلوكني العتمات” حمال شعاعات أمل، وشهابات نجوم تعايشت مع أجواء الليل، وهي على لحظيتها وسرعة زوالها، تبني جوا شعريا يفتح مساحات للقارئ كي يتأمل ويتخيل ويتفكر كيف أن هذا الإنسان الذي يسعى إلى موازنة الأضداد في حياته، يستطيع فعل ذلك من خلال قصيدة تمسك عناصر هذا الكون، وتفكك رموزه، وتشكيل لوحة من لوحاته اللامتناهية تتآلف فيها وتتناوب نقاط معتمة وأخرى مضيئة وظلال.
تقول الشاعرة عواطف محجوب في قصيدتها احتفال:
“في ليلة رأس السنة
أنا وظلي وجهان
لوجع واحد
قامة ممتدة
لخطايا جيل متعب
من الفقر والثرثرة
أنا وظلي أغصان
بترتها يد مرتعشة
سرقت أحلام النخيل”
حتى تقول:
“فتسرِق ظلي
وأظل أنا ما بقي من ظلي
هباء صوت
جل أمانيه لو يرتفع
فلا يسكت”.
يمتد ههنا اللون الأسود في الديوان إلى ما هو أبعد من كونه مجرد صبغة لونية وبصرية، بل تعبيرا عن عينة ثقيلة من الأحزان والأسرار التي يحملها الإنسان وعندما تتكاثف هذه الأفكار الثقيلة تتحول إلى عتمة حين تكون العتمة هي الصمت، تواجهها الشاعرة بصلابة ممتلئة بالنعمة والحب والأمل وتبوح حين يكون الضوء هو الصوت، وهو هنا استدعاء لشريك في حوار داخلي طويل حين تقول “ما بقي من ظلي هباء صوت جل أمانيه لو يرتفع فلا يسكت”، إن كل كلمة بوح هي ثقب ضوء تقول الشاعرة وترش على وعينا صوتها الذي هو النور كلما خرجت من عزلتها منادية العالم الخارجي.
وتكرر محجوب ذلك بطرق مختلفة على مدى نصوص الديوان، وكأن كل كلمة تحمل قنديلا في نهايتها وبيانو، وفي قصيدها الرائعة “صهيل يثقب رداء الليل” يتحول الصوت إلى ضوء حين تقول:
“أيها الليل وأنت تهدهد الأرواح القلقة في جوربك
ترسم هالات الأرق بوجه الفجر”
هكذا يتحول صوت هدهدات الجدات إلى رقع ضوء في وجه ذاكرتنا المثقوبة كجورب بوجه الفجر تمتد من ثقوبه خيوط الأمل الأولى.
وها هو السطوع الضوئي مجددا في “تلوكني العتمات” يضفي إيقاعا إنسانيا ويفتح نوافذ صغيرة لالتقاط الأنفاس، ويمنح الروح استراحة موسيقية، وومضة من الحقيقة تظهر في اللحظات الأكثر قسوة، فاللحظات الساطعة في ديواننا الليلي ليست رمزا ساذجا للفرح، بل لحظة بوح وكشف وحكمة بأنه حتى في العتمات يمكن إعادة تشكيل الرؤية.
تمثل العلاقة بين الليل والعتمة والأسود من جهة، وبقع الضوء من جهة أخرى، جدلية مستمرة بين البقاء في الظلام والخروج إلى النور، بين الانعزال وبين الرغبة في الانفتاح، بما يعكس تجربة إنسانية مركبة ومعقدة، حيث تعيش الذات نفسها في حالة من التأرجح بين القبول بالعتمة كمصير، وبين التوق الدائم لكسر هذا الظلام، ولو بثقب ضوء صغير.
تحاول الشاعرة، من خلال هذا التوظيف، سرد رحلة بحث شاقة عن المعنى، حيث لا يمكن للذات أن تنكر تأثير العتمة على تكوينها، لكنها في الوقت نفسه تظهر إيمانها بإمكانية النجاة، وإمكانية إعادة تشكيل الرؤية حتى في العتمة.
تشير الشاعرة إلى “القمر” و”الشمس” والجمر والشرارة بوصفها مصادر ضوء يتسلل عبر عوالم الديوان المظلمة، ومرة جديدة تذكرنا الضوء ظاهرة صوتية تستشهد بتداخلها مع عملية التركيب الضوئي للنباتات، تلك العملية التي تحرضها أشعة الشمس، يمكن أن تحرضها موسيقا كما نبات “البلسم”، أو بصوت مزارع يتحدث إلى اشجاره كما في قصيدة “لي ما أرويه لكم”:
“جدي الذي كان قبل أن أكون
وهب صوته للنخل والزيتون”
جدي الذي مات قبل أن أنبت
أقصر أحلامه أن أضرب كجذره في الأرض
أن تلسعني الجمرات في التقويم الفلاحي
شرارة ضوء الشمس والقمر
الطائر المسافر بين الليل والنهار
رحلة البذرة/ النطفة/ الفكرة في الأعماق
هذي الشمس رصعت جوهرة
حول جيد امرأة كانت حبيبة إيكاروس
من شرارة شفاهها تستعر الأشواق والقصص
وهذي الليالي خيطها
مفتول بالأبيض والأسود
تلون جبين الشفق بالقرمزي
لتزهر رئة الأرض
هذي النسمات الشفافة
كي لا تجرحها مصيدة الفراش”.
وكأننا أمام كشف وتجدد وتناوب، فبين ضوء وضوء هنالك ليل، وبين ليل وليل هنالك ضوء، إن الليل الذي يخيم على الطائر المسافر محكوم بمجيء النهار، والليالي خيط مفتول من الأبيض والأسود والشفق والقرمزية والشرارة والاستعار تتعدد الأطياف اللونية بينما تبقى مصيدة الفراش ذلك النيون الصيّاد الصورة الأقوى عن ذلك الضوء الذي يمكن أن يكون كائنا قاتلا.
في قصيدتها “اختناق” تبلع الأنثى العتمة التي كانت تلوكها إلى ما لانهاية، لا يستطيع حتى الثقب الأسود هضم نترون واحد، يمسي قلبها فاكهة لبها رماد ومن وسط الدخان يلمع طلاء أظافرها والفاكهة وصبغة الجدائل، وفي قصيدتها تناقضات تفتش عن مرادف للضوء، تبحث عن مقابلة وجه الظلمة تحزم الحطب على نية إشعال حريق بمادة الكون المظلمة.
الليل طويل تفتتح الشاعرة وفي خواتيم نصوصها تصير تمتدح مملكته وقلعته المحصنة لكنها تحتفظ بملجأ مضاء بفوانيس الشارع الوحيدة.
إن ديوان “تلوكني العتمات” للشاعرة محجوب هو شعر مليء بنعمة الحكمة، فالليل بعيدا عن ضجيج النهار ومشاغله، يسمح لنا بالتأمل، واتخاذ قرارات بما يخص أفكارنا التي تشوشها الأحداث النهارية، الليل ملهم، ليلا كتبت عواطف هذا الديوان الفريد الذي يشتق الضوء من العتمة، تغفر للون الأسود محاولته بلع الأمل، تعرف أنه لا يقصد بلعه، تفهم طبيعته، وتسلط عليه لنا ضوء حالتها الشعرية، مقدمة لنا  لمحة مذهلة عن لمعانه، عن درجات لونه، وعن كثافته، معامل العتمة ومعامل الضوء لا يقعان في نطاق الأبيض والأسود، وكل منهما متداخل بالآخر بدرجة ما، الألوان ما هي إلا صراع بين الليل والضوء، بين الكترون مظلم وفوتون مضيء، صراع لن يتغلب فيه أي منهما على الآخر، بل سيتآلفان في لون جديد يتواجد كل منهما فيه، الليل المظلم العميق الذي يستدعي النعاس لن يلغي نورا ينشر جناحيه على العالم، والأسود لم يكن ليكون لو كان وحده، والأبيض كذلك يحتاج خلفية عتمة كي يعمل في أعيننا الحساسة للضوء، أما عواطف فتبهرنا.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.