رواية سواك لمريم ذياب نموذجا
عواطف محجوب
تخضع المجتمعات للسلطة الأبوية الذكورية عبر اتباع نمط معيشي اجتماعي صارم، جعل المرأة تواجه اقصاء أسكتها وأجبرها على الاكتفاء بدورها الطبيعي بتعلة عدم امتلاكها لمؤهلات عقلية وبدنية تسمح لها بالمساهمة في الشأن العام وتحمل مسؤوليات كبيرة، ما أدّى إلى تهميشها وظلمها وحرمانها من حقوقها وحرياتها ورفض اسهاماتها. ومع التطور المطرد الذي تشهده الحياة اليومية، تشكل للمرأة وعي جعلها تدرك حقيقة وضعها الاجتماعي والجنسي باعتبارها مجرد أداة في يد الرجل وتكمن قيمتها في جسدها فقط، الأمر الذي جعلها تنخرط في نضال موجّه من أجل افتكاك حقوقها في خضمّ الحركة النسوية.
اقتصرت الحركة النسوية في بداياتها على مطالب اجتماعية وحقوقية قانونية، ثم تطورت إلى نسوية سياسية تحكمها العديد من الإيديولوجيات، وظهرت صلبها العديد من التيارات أهمها النسوية الليبرالية والراديكالية والماركسية وما بعد البنيوية إضافة إلى النسوية الملونة أو المرتبطة بالموقع الجغرافي كالعالم الثالث، وعاضد كل ذلك الأدب النسوي بدخول المرأة عالم الكتابة والابداع. ولأن الكثير من الكاتبات لهن جانب نسوي فقد أنتجن أثارا أدبية غزيرة تتناول القضايا النسوية، حيث تصدرت الرواية المشهد، فهي إلى جانب كونها تمثل تجربة مؤثرة، فإنها تحمل في طياتها خصوصية جعلتها محط الأنظار وأدخلتها في مقارنة مباشرة مع ما يكتبه الرجل. ولقد أقرّ النقاد تميّز ما تنتجه المرأة نظرا لطبيعتها البيولوجية والتي تتيح لها نقل تجارب ذاتية تمتاز بها دونا عن الرجل كالإنجاب والأمومة. ورغم الاختلاف الحاصل حول الأدب النسوي وقول البعض بعدم تجزئته عن المدونة الأدبية الجامعة باعتبارها تنقل تجربة انسانية كغيرها من الفنون، فإن الكثير من النقاد تبنوا نظرية الأدب النسوي وما يحمله من خصوصيات بارزة لا يمكن تجاهلها إذا ما توفر الأثر على تقنيات الكتابة وطبقت فيه مقاربات تضمن قيمته الإبداعية. ولقد عرّف النقاد الأدب النسوي على أنه “انتاج من قبل امرأة أو رجل يتعلق بموضوع أو قضية لصالح المرأة، ويتضمن تصريحا بوجهة نظر كاتبها مساندة وداعمة للمرأة1” ويرفض السلطة الأبوية والتمييز بين الجنسين. ويدعو إلى تعديل اجتماعي يضمن المساواة وتكافؤ الفرص للجنسين معا. يمكن القول أن الكتابات ذات الطابع النسوي هي وليدة الأوضاع الصعبة التي تعيشها المرأة.
عند تناول رواية فيها ملمح النسوية في تونس لا يجب قراءتها بنفس ايقاع النسوية الغربية، بل يجب تخصيصها ضمن نسوية العالم الثالث نظرا لخصوصية المجتمع فيه وكمّ العادات والتقاليد المتوارثة التي تحكمه. وبطبيعة الحال ستكون المرأة هي الثيمة الأساسية ومنها ستتفرع موضوعات وقضايا كثيرة، وهذا ما نجده في رواية سواك2 التي نتناولها في هذا الصدد، كاتبتها امرأة والراوي امراة هي نفسها البطلة حالها من حال النساء المتضررات من الإقصاء والمتعرضات للظلم والاستغلال والباحثات عن الانعتاق والتحرر من القهر والعجز والتهميش.
من المعلوم أن النسوية مثقلة بالصراع الثنائي بين المرأة والرجل، وفي معنى آخر بين كل ما هو أنثوي وكل ما هو ذكوري. والهدف من ذلك الصراع هو تقويض النظام الأبوي الذي جعل المرأة خاضعة للرجل مسلوبة الإرادة لا شأن لها. وعوضا عن تقبّل اسكاتها وارضاء الرجل بأنوثة خرساء، ارتأت المرأة التحوّل إلى نسوية نتيجة تنميطها وتشييئها وسوء تمثيلها في المجتمع وتحولت من خانة السلبية إلى خانة النضال والنقد والاحتجاح. لذلك نجد المرأة ككاتبة نسوية لا تتوانى عن إثارة القضايا والحديث عن المشاكل التي تعاني منها هي أو مثيلاتها إما في مجتمعها أو في مجتمع مشابه.
تدور أحداث رواية سواك في مدينة بالجنوب التونسي بطلتها امرأة جامعية مثقفة مستقلة وتعمل أخصائية نفسية في نفس الوقت هي زوجة وأم، في بلد تتمتع فيه المرأة بحقوق وامتيازات كثيرة تغبطها عليها مثيلاتها في دول العالم الثالث، ما الذي ينقصها وما الذي حرمت منه؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نتتبع أثر المواضيع والقضايا المطروحة في متن الرواية لندرك الملمح النسوي داخلها، حيث عرضت الرواية تجربة خاصة لامرأة من خلال واقعها المعيش المستور، مخالفة بذلك العرف المتفق عليه. المعروف عن المجتمع المحلي بالجنوب أنه مجتمع محافظ فيه تبجيل للرجل أمام المرأة مهما علا شأنها، ومحظور تماما أن يتم الحديث عن مواضيع مسكوت عنها بتعمد خاصة تلك التي تحرج الرجل. غير أن المرأة في رواية سواك كاتبة/بطلة لم تلتزم الصمت، بل كسرت المحظور بكل شجاعة وتكلمت بصوت عال دون أدنى تردد أو خوف. هي لم تطالب بالحرية وحقها في التعليم والصحة والعمل والأجر والتصويت…إلخ فكل ذلك مكفول وتتمتع به. وإنما تطرقت إلى قضايا كثيرة تتفرع من مقاومةالسلطة الأبوية، وتمسّ المرأة كأنثى بدرجة أولى نذكر أهمها:
1/ الزواج: من العادات البالية المتوارثة بين الأمهات والأباء أن ينصبّ اهتمامهم على اعداد بناتهم للزواج أكثر بكثير من التركيز على الدراسة والتحصيل المعرفي. مهما نالت الفتاة من شهادات جامعية فما من قيمة لها إلا بزواجها “إنه الوهم الذي يغرس في عقولنا، المرار الذي تجرعه لنا أمهاتنا وتجبرنا أن نقتنع أنه شهد. هو قانون أجدادنا وقناعتهم أن المرأة قبرها رجل وأن الرجل وتد خيمة حياتنا وإن كانت هذه الخيمة هشة واهنة كبيت العنكبوت. ص20” المجتمع لا يعطي الفتاة حق عدم الزواج فذلك بذخ لا تناله لأنها أنثى. ولا يهنأ بال الأمهات الخاضعات للسلطة الأبوية والزوجية إلا بتزويج بناتهن والنتيجة كما تقول البطلة “زفافي كان عبارة عن جسر متهالك مررت فوقه بحذر، متنقلة من حياة متعثرة إلى حياة أكثر تعثرا. ص11” الشائع من القول أن البنت تولد ويولد معها الهم كلعنة يصاحب أهلها إلى الممات. والمجتمع في الجنوب مازال خضعا للسلطة الذكورية والكل يتمنى أبناءه ذكورا حتى لا يكون فريسة التفكير في مستقبل البنت وايجاد زوج لها. لا يهم إن كان زوجا جيدا أو سيئا المهم رجل تكون في عصمته وليحدث معها ما يحدث. وإن واتتها الشجاعة ورفضت الزواج فان ذلك سيجلب العار للعائلة لأنها خرجت عن بيت طاعة الرجل وتمردت عليه ويجب عقابها بالوصم والنبذ.
2/الاغتصاب الزوجي وهو فعل جنسي يتم دون موافقة أحد الطرفين، وفي رواية سواك يُمارس هذا النوع من الاغتصاب على أم الشخصية البطلة “كانت أمي مع دخوله تطلق تنهيدة مكتومة…أراه وهو يقترب من أمي في حذر يقف برهة… ثم يركلها دون أن ينبس ببنت شفة فتنهض متثاقلة وتغادر فراشها زهاء ربع ساعة لتعود إليه في صمت. وحين يستريح رأسها على الوسادة … تنخرط في بكاء صامت يمتدّ إلى ساعة متأخرة من الليل. ص32” يعدّ الاغتصاب الزوجي جريمة تتم في الخفاء، ويرين عليها صمت متواطئ. فلا المرأة الضحية قادرة على البوح بسبب أنه “عيب” ولا المتفطن للجريمة قادر على انقاذها من زوجها جلادها. ببساطة هو شكل من أشكال العنف “المباح” له تداعيات خطيرة على الصحة الجسدية والنفسية للضحية، رغم ذلك لا توقف الزوج عن تسلطيه على زوجته، ويتحول الفعل الحميمي إلى واجب ثقيل تؤدّيه غصبا دون رغبتها ” كم كرهت لحظات عشتها مع زوجي وهو يسكب ماءه النتن في حفرة جسمي المشتهاة، وقد وقّعت له شهادة ملكيتها والسقوط فيها متى شاء وعن طيب خاطر، أو ربما حسبما يجري به العرف وما ظبطته لنا نواميس القبيلة وقوانينها دون أن تستشيرنا. ص19… أتذكر لمعان عينيه وتلمظ شفتيه حين تتحرك فيه الشهوة، وتقطيب حاجبيه حين يغضب وحين يدق طبول الحرب إذا ما تمنّعت. ص20″ القبيلة تحمي الرجل وتبيح له ما لا يمكن أن ترفضه المرأة، لقد خلقت لمتعته ليس إلا، وكم تحتاج المرأة من قوة لتقويض هذه الفكرة.
3/الطلاق الصامت وهو حالة من النفور تحدث بين زوجين يعيشان في بيت واحد لكنهما منفصلان عاطفيا وروحيا. وهذا حال بطلة الرواية وزوجها حيث تقول ” هو زوج لكن لا غريم لي غيره في هذه المحطة من العمر، هو كتلة لحم بلا قلب ولا عقل جاءت به فرصة كلبة ابنة كلبة ليجثم فوق صدري وجسمي طوال حياتي. ص127″ إذ لا يوجد أي تواصل بينهما ولا رغبة للزوج في حل المشاكل العالقة، ولم تعد هناك ثقة ولا شعور بالأمان، لا مشاريع ولا مخططات مستقبلية ولا أي مبادرة لانقاذ الزواج، حتى أن الزوج وصل به الحال إلى أن يتنصل من مسؤولياته كأب ومعيل لأسرته، تقول بهذا الصدد ” آه يا زوجي لا أنت في السراء رفيقي ولا في الضراء سندي. ص21… التفت إليّ وأشار بيده –دون أن ينبس ببنت شفة- فيما معناه اغربي عن وجهي. ثارت ثائرتي ولأول مرة تكتمل في في عينيّ لا مبالاته وتنصله من المسؤولية. ص123″ هذه القطيعة بين الأزواج تتحول إلى عداوة وإساءة وتعذيب نفسي واقصاء وسلب للحقوق من نتائجها تفكك الأسرة.
4/ الأمومة وقد عرضتها الروائية مريم ذياب بعيدا عن الانجاب كخاصية بيولوجية التي تتميز بها المرأة عن الرجل، واستغلها الرجل كتعلة طبيعية ينحصر فيها فقط دورها ولا أدوار أخرى لها. بل حولتها إلى قيمة انسانية تقوم على مسؤوليات محددة ودور تؤديه إلى جانب وظائف كثيرة أخرى “أثمر الزواج ولدين كنت أرعاهما دون أن ينسياني شغفي بالدراسة. ص55” لكن بمجرد أن يكبر الأولاد سيقلص دور الأم وتنفصل حياتهم عن حياتها فقط لأنها أنثى “الذكور وأغلبهم إن لم أجزم أنهم جميعا فور بلوغهم عتبة من العمر، يتقلص حجم الأم الحانية في قلبه ووجدانه ويتضخم حجم الأب في فكره وتصرفاته، وقد يقف إلى جانبه وجها لوجه ضد أي أنثى. ص142 سيتم تجاهلها وبالأحرى إعادتها إلى المربع الأول حيث تكون فيه مجرد امرأة لا شأن لها. وفي مجتمع كمجتمعنا في معظم الأحيان يرث الولد ذات الأفكار الذكورية إن لم تكن من أبيه فإنه يتشربها من محيطه.
5/ الخيانة الزوجية وهي علاقة غير شرعية مع طرف ثالث. وما من تبرير للخيانة سوى الانحراف الأخلاقي والانحطاط الفكري، فما الذي يبيح للزوج خيانة زوجته وينجب أطفالا خارج نظام الزواج غير ذلك؟ وكما سبق القول بما أن المجتمع يخضع للسلطة الأبوية الذكورية فإنه يمنح للرجل حيزا من الحرية يستغلها ويمارسها على هواه بشكل خاطئ. ويسمح لنفسه باقتراف أخطاء دونما اهتمام أنه يتعدى القانون والأخلاق “حين انكشف أمره وبعد أن تربعت خليلته على عرش حياته بصك يحمل أسماء ثلاثة ذكور وبنت…ألزمه القانون على ضوئها أن يختار بين أن يطلق أمي ويعقد قرانه عليها حماية لأربعة أطفال أو أن يسجن وقد اختار أسهل الحلول وأحبها على قلبه وربما هي شهوته الطافحة التي حادت به عنا. ص85 ” الخيانة الزوجية كغيرها من الأخطاء الفادحة لها تبعات كثيرة فهي سبب لفقدان الثقة والأمن بين أفراد الأسرة الواحدة هذا إن نجت من الدمار، وينسحب الأب من تحمل مسؤولياته كأب، وتنعزل الأم خشية تعرضها للعقاب، اضافة إلى تمرير إليها شعور كونها غير مرغوبة كأنثى ولا تلبي احتياجات الرجل لغياب مقاييس أنثوية ترضيه.
6/ التمييز الجندري وهو شكل من أشكال التمييز الاجتماعي ضد المرأة/الأنثى يقوم على أساس الجنس. في رواية سواك لم تتعرض المرأة إلى التمييز في الفضاء العام بقدر ما تعرضت له في محيطها الضيق من العائلة. ويعود ذلك إلى الهيمنة الأبوية التي تقرب الذكور وتقصي الإناث “والدي الذي لا يرى أن للفتاة عنده حقّا في شيء أكثر من أنها تأكل وتشرب وتنام هانئة تحت سقف يراه متينا. ص92” كل الهدف من التمييز الجندري هو كسر شوكة الإناث حتى لا تفكرن في المطالبة بحقوقهن أو التمرد لأن الرجل للأسف غير قادر على استيعاب اختلافها بعيدا عن الطبيعة ولا يسمح بانسحاب السلطة من يده ومشاركتها إياه، والحل تهميشها ما أمكن.
كان قد قيل إن أبلغ من يتحدث في موضوعات المرأة هي المرأة. لأن المرأة تعيش حياة نوعية كأنثى لها رؤاها الخاصة ونظرة مختلفة للعالم، لهذا تعدّ تجربتها تجربة فريدة لا يمكن للرجل أن يمرّ بها. وهنا يمكنني القول أن الروائية مريم ذياب طرحت قضايا في معظمها لها علاقة مباشرة بالجسد الأنثوي اما سلطة الرجل دون السقوط في فخ تقديمه بطريقة طبيعية صرفة، بل ارتقت به وقدمته كنموذج ثقافي له مرجعية اجتماعية وفكرية واقتصادية. أيضا هذا الطرح النسوي الذي قاربته في روايتها سواك لم يقم أساسا على المطالبة بالحقوق وبالمساواة بل تعداه إلى طرح فكري أنثوي فيه وعي مكتمل بالتجربة الذاتية داخل الحركة النسوية إلى جانب وعي بالذكورة المقابلة كتجربة قائمة بذاتها. وبذلك يجوز القول أن الروائية انتقلت من الكتابة النسوية إلى الكتابة الأنثوية الثقافية تأكيد لمقولة “الأنوثة هي مسألة مواضعة ثقافية لا ضرورة بيولوجية3.” وهو ما يجعلنا نتساءل عن شخصية المرأة النموذج في رواية سواك.
وتعني الشخصية ذلك النظام الثابت الذي يعكس صورة الفرد، وهو مجموعة من السمات التي تمييزها عن شخصية أخرى كالطباع والادراك والصورة الجسمية والتفكير…إلخ، ويرتبط كل ذلك بمستوى الاستجابة السلوكية عند وجود محفز ما، والذي يكشف لاحقا نوعية الأفعال والممارسات التي تحكمها نسبية الصواب والخطأ. وفي الرواية يرتبط نظام الشخصية هذا بشبكة الأحداث والايديولوجيات والرغبات، حيث يقوم الروائي بظبطها ومواءمتها مع الثيمة والقضايا المطروحة. وفي رواية سواك نرى أن الشخصية الرئيسية هي امرأة لعبت دور البطولة سواء على مستوى الحركة الدرامية أو على مستوى خصوصية الخطاب. ولقد ركزت الروائية مريم ذياب على تقديمها من خلال بعدها الاجتماعي أي من خلال شبكة العلاقات التي تجمعها مع الشخصيات الثانوية في الرواية، والتي انحصرت معظمها في العائلة. وجدت المرأة نفسها في مواجهة دائمة مع رجلين يتمتعان بسلطة ذكورية وهما الأب والزوج. الصراع كان سيد الموقف سواء في زمن الماضي البعيد وهي تسترجع طفولتها وعلاقتها مع الأب أو في الماضي القريب أيام جائحة كورونا وبمقياس زمن الكتابة يتحول إلى حاضر فيه تسرد علاقتها بزوجها. في الفترتين تبدو البطلة تحمل وعيا قلّ بين نظيراتها في الواقع. وتجلى ذلك الوعي من خلال تصرفاتها سواء كانت فتاة صغيرة أو يافعة وكهلة. فهي مبكرا فهمت أنه لا نجاة لها إلا عبر التحصيل العلمي لذلك ثابرت على صعود سلم الدراسة في كل مراحل حياتها. وعلى سبيل المثال أيام كانت بالمدرسة تحايلت على والدها من أجل شراء مجلة مدرسية وسرقت دينارين. التصرف في حد ذاته خاطئ لكنها جد واعية بحدوده، هي تسرق والدها البخيل الذي يغلق أمامها كل الأبواب من أجل تكريس سلطته الأبوية، وهي بتلك السرقة تكسر شوكتها. ثم أن تفكيرها الصغير أوصلها الى إستنتاج أنها تتعرض للتمييز السلبي بسبب كونها فتاة وبالتالي حاولت أن تصل إلى المفهوم الجندري من وجهة نظرها الطفولية فتلصصت على والدها في الحمام. الفعل يعد جريمة في نظر من هم حولها لكنه جائز بالنسبة لها لأنه مفتاح لفهم ومعرفة أسباب التمييز.. وللهروب من العقاب الأبوي إدعت العته/الجنون وللمرة الثانية تنجح مقاومتها ولو نسبيا. أما وهي زوجة ومتعلمة صاحبة شهادة جامعية، وبعد أن أدركت أنه لا جدوى من المواجهة مع زوجها الذكر المتنصل من مسؤولياته كرب عائلة، اتخذت التجاهل سلاحا. ورغم أنها تلومه على تركه مسؤولياته لكنها في المقابل اعتمدت على نفسها كليا خاصة على المستوى المادي. وأصبح الرجل مجرد ظل لا دور له سوى اخافتها في الظلام وفي أحلامها عندما تنام. ولما اجتاح فيروس كورونا الأرض عاودها أمل صغير في استعادة الزوج السند ولم تفلح، فالذكورية المتوغلة في فكره أبانت انحطاطه من جميع الجوانب كزوج وكأب وكانسان. وكان أن أطلقت عليه رصاصة الرحمة حينما حاول الاعتداء عليها، فقاومته بنفس طريقته الضرب ثم تحصنت بحيلتها القديمة، وادّعت الجنون فارتدع عنها. والخلاصة أنّها امراة شجاعة قوية سريعة البديهة. فلماذا يخاف الرجل من امرأة مجنونه ويهابها بينما لا يعطي قيمة لامرأة عاقلة صاحبة مؤهلات عالية. وهذا ما تقصّدت الروائية مريم ذياب إثارته، فهي لم تقم بإدانة الرجل في المطلق، بل أقرت الجرم على ذلك الرجل المنحرف الذي تحولت سلطته إلى تسلط وانزاحت رجولته إلى ذكورية مقيتة وخير دليل على ذلك أن البطلة تربطها علاقة آمنة مع شخصيات رجالية في محيطها كصديقها أشرف وأخيها غير الشقيق عبد الحق. لم تنس الروائية مريم ذياب الجانب النفسي كجزء من بنية شخصية المرأة في رواية سواك، و الذي يعتبر نتيجة للبعد الاجتماعي. ولكشفه اعتمدت على تقنيات المونولوج والتّداعي الحر، عبرهما كشفت اعتمالات النفس ورصدت هواجسها وانفعالاتها مرة عبر أحداث رسخت في الذاكرة ومرة عبر الأحداث التي تقع أمامها. رغم القوة الجلية التي تميز شخصية البطلة إلا أنها في المقابل بها جانب خفي هش رقيق، لم يساعدها على تجنب التشوهات التي لحقتها وهي تواجه مطبات الحياة بشجاعة. الخذلان والخيبة سببهما الرجل تركا ندوبا لا تمحى بداخلها فتحولت إلى كتلة من الاحتجاج الصامت أدى بها إلى الأرق ثم اكتئاب وقرار بالانتحار. ولما اجتاح العالم فيروس كورونا تغير مجرى تفكيرها وتمسكت بقشة الحياة لتنقذ ما يمكن انقاذه.
إن تقديم شخصية المرأة في بعدها الاجتماعي العام والنفسي الخاص هو رسم لبورتريه كامل للبطله يكشف لنا وعيها بذاتها وفي نفس الوقت يفضح طرق مقاومتها وأوقات ضعفها كنوع من الحيادية. وهو أيضا تأكيد على سمة الواقعية المميزة للرواية والتي أتاحت لنا الاقتراب من تجربة انسانية تحمل في طياتها خصوصيات كثيرة.
من خلال قراءة رواية سواك عبر الطرح النسوي يمكن القول أن مريم ذياب فضحت المعايير المزدوجة داخل المجتمع عبر السلطة الأبوية التي تسيء معاملة المرأة وفي نفس الوقت تبيح للرجل ولوج المحظورات. وأن الانعتاق الذي تبحث عنه لم يكن جسديا ولا ايديولوجيا متطرفا إنما هو انعتاق نحو حياة يشاركها فيها رجل يتحمل مسؤولياتها كاملة، رجل لا يسحبه موروث الذكورية إلى الخلف. لأن التجربة الانسانية لا تكتمل إلا إذا اختفت الفوارق الوهمية بين الرجل والمرأة.
هوامش:
1/ عواطف محجوب، قراءة ثانية، مقال السرد النسائي من خلال ثيمة موت المؤلف داخل نصه،ص 23/24 ، ط1 كتاب كناية 2024
2/ مريم ذياب، سواك، زينب للنشر، ط1 2024
3/سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، الفصل 11: النسوية والأدب، جيل ليبيهان، ص203، ترجمة أحمد الشامي، مراجعة هدى الشامي، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2002

أضف تعليق