الموت بصفته هامشا والهامش بصفته موتا ..
حسين علي يونس
1
ثمة رجل يعاني بمفرده وينتظر حلول نهايته وتحلله ، وثمة امرأة تنتظر بمفردها النتيجة نفسها. هما يفكران، كل على حدة، بهذه النهاية وهذا المصير الرمادي ولا تعنيهما الأشياء والثروات التي اكتسباها بمرور الايام والاعوام ، وثمة الناس الذين يحيطون بهما، بصرف النظر ، عن الروابط الاجتماعية ، وروابط الدم ، هما يفكران بمغادرة العالم الذي اصبح ثقيلا، ولم يعد لديهما القدرة على تحمله وحمله على ظهريهما. هما يخططان ان يقولا له وداعا ، بصرف النظر عن الاشياء التي ربحاها ، فما الذي يحدث لهما بعد ان كانا من المتن ، الذي عاش على ظهر الكوكب ، بقناع موجب وبقناع سالب يتصفحان كتاب الحياة ( أن تكون ميتا وأن تكون حيا )، وقد اصبحا من الهامش على ظهر الحياة؟ كانا من المتن وها هما في طريقهما ليصبحا هامشا ينتقل من الحياة الى الموت ، الهامش الذي لا فكاك منه الذي ينتظر الكائنات على الجهة الاخرى من النهر ، نهر الموت الذي يجر الاحياء ، هنا جوهر المشكلة أن تكون هامشيا في الحياة ، غير ان تكون هامشيا في الموت ، ان تكون غير مرئي في الحياة هو ليس موتا تاما ، لكنه يقترب من ان يكون كذلك ، اما ان تكون هامشيا في الموت ، فهذه هي الطامة الكبرى فثمة فم سيبتلعك ومحو كامل، وتفتيت الى ما لانهاية له ، ولأن الوجود الطيفي يحل هذه المشكلة للهامشيين في الحياة والهامشيين في الموت ، تجد الناس تفكر بشكل جدي بحل لهذه المعضلة التي لا حل لها ، من هنا ، انما تمارس الاديان قوة حضورية متنامية ، حين يتم تغريب الأنسان في محيطه دون رحمة ، ويزحف عليه الثقل المادي ليجرده من خط دفاعه الاول ، ليضعه امام عريه الكامل ، الذي لا يريد ان يفكر به على وجه الدقة . الموت بصفته هامشا والهامش بصفته موتا ، هل يمكن ان نتجاوز هذه الثنائية التي ترسخها عادة قيم ارضية برجماتية ، يروج لها ، وتحكم سياقات حياتنا التي درجت ان تتجاوزها وان لا تعيرها أية اهمية وهي تمر على سطح الكوكب ، الذي يقول بوضوح ما بعده وضوح اننا هامشيون ، وزائلون ، وان ما نقوم به هراء محض ولا جدوى له وانه لا يعني أي شيء في يقظتنا وفي نقيضها في وعينا وفي نقيضه ايضا. ثمة مرض الروح وثمة تنانين خوف الكائن التي تنام على سطح الذاكرة وتنهش عميقا روحه ، لتزرع الخوف ومعاول الكآبة الحزينة التي لا يمكن معالجتها ومجاراتها بينما تواصل تحدي منجلها السرمدي .
2
ننساق خلف متاهة ولا نفلح الا بتقديم واستقبال المواساة للآخرين ولنا ، فما الذي يمكن ان تقدمه هذه المواساة التي تراكم احساسنا بالعجز لتزيدنا حزنا وكآبة ، لقد تم تقديم الكثير من هذا ( اللاشىء ) للناس من اجل تقليل عذاباتهم .
3
حالة ميؤوس منها نحن ، لأننا نعيش في نسق يعاني من فقدان كرامته و يسعى لتنمية طموحه الذي ان تحقق فعلى حساب غيره ، داخل النسق او خارجه ، لهذا نتقاتل ، من اجل كسرة خبز ، تمد خيط اعمارنا ووجودنا على الارض .هذه الغيرية التي تبدو خالدة ولا يتم محوها من اجل كتلة بشرية هائلة ، مأزقها سرمدي وما ينفصل عنها لا يمكن ان نبني عليه قاعدة ، لأنه ببساطة شديدة استثناء يمارس حضورا مسموحا به وفق سياقات منضبطة لا يتعداها وهو غير معن بها في ظل الهامش الذي يقطنه .
4
توجد حياة ، لا يعرف الذي يعيشها ، كيف وصلت اليه ، هو الذي يعيش حياته ، بصفته متنا و بصفته هامشا ، رغم انه لا يعرف ، على وجه التحديد ، طبيعة الضرر الذي حل به ، هو الذي يعرف ، ان ثمة من دفع به الى هذه الهوة المنحدرة ، و من ثم دفعه خارج المركز ، ليصبح هامشا على مسمار حائط الدرجات الطبقية ، الذي اوجده ، ومن ثم خذله ، دون ان يمد له يد العون ، ليغادر هذه المنطقة الرمادية ، بسبب طمعه ، و سعيه الحزين ، الى الفائدة ، التي يصنعها الهامش ولا يصنعها هو ، بينما يصنع المتن الضرر كله
المشكلة الكبرى ، انما تكمن في مغادرة النسق والتنكر له ، لأن كل من يحارب من اجل الهامش ، يدمره حين يصير متنا ، فكيف نحل هذا التناقض و من الذي يمكن ان يحارب من اجل الهامش من اجل ذاته ( أي الهامش ) بصفته هامشا ، دون ان يغادر نسقه ، بصفته هامشا ، ليخرجه من متاهته ، مسلحا بالمقاصد النبيلة .
5
ربما يكون ذلك الفارس ذو المقاصد النبيلة ، الذي سيخرج الهامش من مأزقه ، و الذي سيضع له الخطط لتقليل نكباته ، بصفته هامشا ، وهو الذي سيطبطب على ام راسه ويرعاه ، لكن هذا الفارس الذي خرج من الهامش الذي يغيب في الزمان غير الموجود هل سيعمل على تدميره ونهبه ليمنحه فتاتا كما جرت العادة ام سيضحي به من اجل انماء عالم التفاهة ليكبر الاصفار عبر الثروات و لينزل بها الى الحضيض . هو يعرف بالطبع ان الهامش لا يموت ابدا وهو يواصل الحياة ، يعيش ويتمدد ، بينما يشخر ( الهامش من خلال الموت ) ويخشى من تمدده على حسابه ، رغم انه هامش من خلال الموت ، لكنه يتجاهل هذا ، هو منشغل الآن وابدا بمتنه الذي صنعه . هو المتن الذي يكافح
عبر الاخرين لتجاوز محنته ( الموت ) بصفته هامشا هو – هم يفعلون يفعل هذا عبر الاهتمام بالفنون والادب والفلسفة التي يفرغونها من محتواها ، بسبب انها لا تقول شيئا وتواصل اجترار الافكار التي سبق لها ان قيلت ، بطرق مختلفة حتى لا يختنق خطابه – خطابهم في هوة الاسطح اللا مجدية ، حتى لا يفقدون قيمتهم ، بصفتهم متنا فعالا ، وليس هامشا ميتا ، وحتى لا يحيلهم الى بؤس الهامش الذي يزحف على العالم ، الكتلة الصلبة ، التي تعوم في الكون ، وتحمل على سطحها الكائنات ، لكن هذا يظل محض هراء ، فكل شيء سيتهاوى ومن ثقوب الزمن لن تظل حبة كبيرة في منخل الكون .
6
نقف على رأس العالم ونتأمل صيرورته ، و نطعن بالمتن الحيوي الذي يحكم عبر ادوات هامشية ، مثل الورق بصفته نقودا قيمة تشي بزبالتها ، رغم انه وهم يحكم وهما يحكم وهما .. يلد ويموت ولن يقدر له ان يكون غير هذا سيظل يحكم مدينة اشباح لن يتعدى حدود ها . وفي نهاية رحلته سيجد الضرس الذي سيطحنه هو الذي يجهل او يتجاهل انه هامش شذ عن كتلته لكنه هامش معطر يرتدي بنطلونا من قماش ناعم ويضع اكسسوارات غالية الثمن ويتنقل ( بحدايد ) طائرة . بينما يتنقل غيره على بساط ريح خياله المجنح .
7
بصفته شيئا مهملا ، وبصفته موتا قاضما ، يمسك الموت ، المتن وحياته الجميلة بوصفه هامشا ، محكوم بالفناء ويطفو على السطح ، بينما تغط القاعدة (الهامش) في القعر و يظهر رأسها على السطح ، ليتم تبادل الادوار حيث يصبح الهامش متنا بصفته تجل لشيء يتحرك على السطح ، بينما ينام الهامش الفعلي في القاع وينتظر نهاية حياته ، دعونا نتأمل هنا حقيقة كل تلك الخطابات التي قيلت وكل تلك الكتب التي وضعت عن الحياة التي كانت تتحدث عن متن ، انبثق من هامش كان ينبغي دعمه ، بينما كان يجب ان تتحدث عن هامش مطلق وليس جزاء ( من)، لهذا انتفت الحاجة الى كل تلك الامثولات ، التي توجد بديلا اوحلا لمشكلة ازلية ، بينما نتحدث نحن عن فقراء واغنياء عن اسود وابيض .. عن ثنائيات لا حصر لها ، ثمة سوء فهم ، يحكم تلك العلاقة و يحد من فاعليتها ، دون ان يكون ذلك واضحا حين يسجنها متن داخل اطار ليكشف عن صغر الانسان وتضاءل حجمه و قيمته ، بوصفه هامشا متعال يرن رنينا رائعا ليحضن الارواح .
8
ما الهدف من كوننا هامشا ؟ انه سؤال صغير وصعب و ينبغي طرحه ، بشكل دوري في كل الازمان ، فما الذي يجعلنا نعيد طرحه كوننا متنا يعيش خارج سياق صيرورته ( الهامش ) انه الخوف من كوننا هامشا او في طريقنا لنكون كذلك ، لهذا نشد الرحال الى الجهة المقابلة الجهة التي نعتقد نحن انها ستحمينا من الهامش بصفته موتا طالما انه يجعل حياتنا ترن رنين النحاس لتمنحنا قيمة واملا زائفين تحضنا الارواح . الخوف هو الذي يجعلنا نمتشق رمح دون كيخوته ، ويجلنا نمضي قدما لمقاتلة طواحين الهواء ، رغم ان دون كيخوته كان يقاتل الوهم ، يقاتل وحوش الذاكرة ، عبر طواحين الهواء من خلال مخيا له دون نتيجة و دون جدوى ، وكان يعي في دخيلة ذاته الرومانسية والمريضة انه ( هامشي ) لا يحل و لا يربط ، لكنه كان يغالط ذاته ، كان يعتقد انه متن ازلي منوط به ، ان يكافح وان يقاتل من اجل الهامش عديم الحيلة ، الذي يسحق ويهزم بشكل دوري وابدي .
على طرف آخر من العالم ، يمكن ان نستحضر مقولات كثيرة رائعة ، نستلها من مدونات وسيرة علي بن ابي طالب الذي كان صورة حية للهامش الخالد الذي يكافح متنا قوميا بدائيا قبليا وقد جسد محاربته لذلك المتن بمقولات اصبحت امثالا ” لم يبق لي الحق صديقا ” ” إذا اقبلت الدنيا على أحدٍ أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه”. “الفقر في الوطن غربة” “من ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق”. ” لو تمثل لي الفقر رجلا لقتله “.. طبعا الفقر هو الهامش نفسه الذي قاتلة سرفانتس بشكل عبثي ، بينما سعى علي لمقاتلته بشكل جدي ، لكن جهوده مضت ادراج الرياح ، ومكافحته للمتن اصبحت امثالا بعد ان ساد المتن وكنس الهامش كنسا ، بينما بقيت جهود سرفا نتس فعالة، لكونه كان يقاتل شبحا ولكونه لم يكن جديا ايضا ، لم تتم مهاجمة مقاصده وحصاره ومن ثم قتله لأن للمتن حراس قتلة .
عمل سرفانتس من خلال الوهم وعمل علي بن ابي طالب من خلال الواقع ، اما عمل فاوست غوته فكان عملا دنيويا مستلا من حياة الهامش معادا الى المتن كان عمله لئيما وباردا ، اراد ان يخرج من الهامش ليصبح متنا على حساب غيره ، وحين عمل خيرا لسيدة من الهامش صادف ان وقع في غرامها ، فان عمله هذا كان ويظل غائيا محضا بسبب من انها كانت اداة من اجل ذاته هو وليس من اجل ذاتها الهامشية وسلوكه كان ينطوي على انانية مضمرة و يختلف بالمجمل عن سلوك علي ودون كيخوته و سرفانتس .
كانت ثورتهم من اجل خلاص ارواحهم بالدرجة الاساس لكنهم فعلوا ذلك بطرق مختلفة ، احدهم قادته المأساة واحدهم قادته المسخرة بينما قادت الثالث اللامبالاة .
اذا رجعنا لعدة قرون سنعثر على نماذج كثيرة واذا رجعنا اكثر سنعثر على نماذج اكثر لقد كان العالم يغط بالهامش الذي حكم عليه بالفناء التام ، ربما كانت ملحمة كلكامش ام الملاحم جميعا كان كلكامش نفسه اكبر هامشيا عرفه التاريخ ، لكنه للأسف كان هامشيا من خلال الموت ، كان ملكا و صانع متن لا حدود لغطرسته الربوبية ، كان انانيا عبر من حبه لذاته الى حبه لغيره ، تجول بين متن الحياة ، وهامش الموت ، واستقر اخيرا ملكا على الهامشيين الاموات ، مهيمنا على مقدارات بلدان كثيرة ، ولأن طمعه كان بلا حدود اراد ان يمسك المجد من طرفيه ، ولم يعجبه ان يكون (هامشيا من خلال الموت ) رغم انه سيد متن المتن و لم يكن يحب فكرة ان يتحول الى ذرة ، وان يحمله النمل الى جحوره الصغيرة ، طمعه قاده الى رحلات بلا هدف ، كان يعرف على وجه الدقة ان الخلود كذبة كبيرة وان الفشل كان ينتظره في نهاية تلك الرحلة المأساوية التي قدر له ان يخوض غمارها ، لكنه واصل رحلته العدمية تلك ، التي لم تؤدي الى نتيجة ، بل اعادته الى الهامش بصفته (هامشا من خلال الموت ) وكائن زائل بحث عن الوهم ، كان يعرف على وجه الدقة ان الديماغوجيا اداة ماكرة لجني الارباح ، تلك التي يقدر لقطاع صغير من (المتن بصفته هامشا من خلال الموت ) ان يفرض هيمنته على العالم .
بينما انحسر عمل سرفانتس وعلي ، على الحقيقة المطلقة انحسر عمل فاوست و كلكامش على البحث عن نقاط الضعف من كسر الحقيقة ومن ثم ترسيخ حبل الاكاذيب التي تمنحهم حقوقا مطلقة في الكون على ظهر الهامش او ( المامش ) حسب الكلمة السومرية القديمة، الذي كان يبدو ضعيفا وعديم الفائدة والحيلة
تدحرجه اقدار في تلك الشقوق المظلمة ، مرتع الهامش وارجوحته البائسة ، التي تجعله يذهب اماما ويعود خلفا بينما يراوح في مكانه متخيلا انه يطير بينما يقول لنا الواقع ان ثمة شجرتين ثابتتين يتوسطهما حبل هو مركز حياته الذي تمضي قدما من خلال هذه الامثولة ، هو يتخيل انه يتقدم الى الامام ، بينما هو يرجع القهقرى ثمة وهم يحكمه ، هو يدرك هذه الحقيقة ، لكنه لا يتحرك ساكنا لمغادرة موضعه ، فهو مطمئن الى موقعه حيث ينام داخل قوقعة هامش خالد يقربه من الهامش الاكبر (هامش من خلال الموت ) الذي سيسحق الكائنات في المقبل من الايام المتشابهة التي تنام في الغيب ، حيث يتساوى الضد مع نقيضه ، حيث يصبح كل شيء متأرجحا اماما وخلفا محكوما بوتدين يعتبران اساس طيرانه .
9
مقادير الكون ذراع الله ، لصناعة الهامش عبر ادواته البشرية ، مخلوقاته المتجبرة على الارض .
10
بعد سنوات طويلة اتذكر المقبرة التي كان يقال عنها انها “مقبرة اليهود “كانت تقع شرق بغداد ، جرى ازالة تلك المقبرة في ثمانينيات القرن المنصرم ، حيث كرفت عظام الاموات بشفلات ثقيلة ومن ثم جمعوها داخل اكياس سود ، وتم تشييد عمارات سكنية وزعت لضحايا الحرب العراقية الايرانية . هكذا تم محو جزء من ذاكرتنا الطفولية ، كنا نلعب كرة القدم بخرقة قماش قديمة قرب الاموات ، وكان من النادر ان نعثر على يهود بسبب شحهم وهجرتهم ، ربما كانت المقبرة مقبرة للمسيحيين ، كانت مسورة بسياج طويل يحدها من جهاتها الاربع ، كان ثمة مدخل وبناء متواضع يبدو انه كان بيت حارس المقبرة ، كانت القبور منظمة بشكل هندسي ، وكان ثمة قبر منعزل وكبير ، وحين كنا نسأل عن طبيعة هذا القبر كانوا يخبروننا انه قبر عزرا كبير الطائفة اليهودية ، كانت بقية القبور (هامشا )وكان قبر عزرا (متنا ) بين الاموات ، لكن هل تقف القضية عند هذا الحد ، لا انها تتعدها ( القضية) الى خارج المقبرة الى سياجها الخارجي حيث كانت توجد جثث قريبة تلقى هناك بشكل متقطع فيقوم حارس المقبرة بطمرها بالغبار الذي كان يتكاثر هناك طوال فصول السنة ويكون على شكل تلال صغيرة . احيانا كنا نقترب من تلك القبور الهامشية جدا ونتأملها برعب صبياني ، اتذكر انني اقتربت من احد تلك القبور بعد ان لمحت شيئا منتفخا عبر دشداشة رمادية ، كانت واضحة من بين التراب بسبب تعفنها ، ومسست تلك البقعة ، الهامشية الظاهرة التي كانت تذوب تحت الشمس بعود صغير كنت احمله بيدي، لقد اخبرنا اهلنا ان الميت نجس ولا ينبغي ان نمسه ابدا ، امعانا بتهميشه كما يبدو كان اهلنا بدورهم هامشا بصفته موتا يصنع الهامش .
كثيرا ما كانت الكلاب تتجمع هناك وتأكل تلك الجثث اذا لم ينتبه لها حارس المقبرة ، كنت احلم بهؤلاء الاموات كثيرا وهذا جعلني افكر بالموت وبماهيته بشكل مبكر ، لقد ارقني ان اكون تحت الارض وان لا اقدر على التنفس. وذات يوم وصلت سيارة صغيرة مدورة تشبه الضفدعة وخرجت منها امرأة خمسينية ممتلئة وتضع على رأسها شالا ، وكانت تلبس ثوبا ازرق غامق ، ورجل سبعيني يلبس بدلة رمادية ويعتمر سدارة بغدادية . كان معهما سائق ورجل اربعيني، حملوا شيئا صغيرا مكفن ، كان ولدا مثلنا في ذلك الزمن كان القبر جاهزا ودسوه هناك ، اتذكر انهم وضعوا له بيضة ( مطموقة ) بختم احمر ولعبة كنا نشاهدها في اسواقنا الشعبية ، وسدوا ذلك القبر ، قرؤوا شيئا في كتاب ثخين ، ومضوا. اتذكر انه الشيخ خاطب تلك المرأة الخمسينية با سم لا يزال يرن باذني حتى الآن: أم أمين. وحين رجعت الى البيت لم انم في تلك الليلة . كنت احب الفاصولية ولا ازال احبها لكنني كرهتها لعدة اشهر بعد حاثة دفن ذلك الولد الصغير الذي ربما كان هو امين نفسه وكانت تلك المرأة هي امه ، لهذا انا متطير الآن من المقابر عندما رحل اخي سيف في الاحداث الطائفية بعد سنوات طويلة حزنت جدا وعمل لي قتله شرخا كبيرا لم اقدر ان اتجاوزه ابدا ولم اذهب الى زيارة قبره اكتفيت بكتابة قصائد و قصيدة” مرثية الى سيف على ” كان اسمه سيفا وعملت له قبرا في داخلي وكثيرا ما احس بالمرارة لرحيله شابا كان رجلا صغيرا وسيما يحب فيروز وفريد لكنه لم يكن يقرا ويكتب حاولت ان اعلمه القراءة لكنني لم افلح ، يحزنني انه كان هامشيا ولم اقدر ان امد له يدي لقد كنت ولا ازال هامشيا في الحياة وفي الموت .
11
ينشغل كتاب الغرب منذ سنوات بالكتابة عن السيولة والفراغات والجسيمات وما الى ذلك من الهراء الانساني و يدهشني انهم تركوا الحمار ينام تحت الشمس وانشغلوا بسرجه ، بسبب سيادة المتن ، الذي لا يريد ان يرى هامشا فهو يذكرهم بعارهم التاريخي حين رفعوا راية فلسفة عصر الانوار وانشغلوا بالأشياء التي سرقوها من ثروات الشعوب وها هم يتنعمون بها بعد ان تم خصي المثقف حامل راية الهامش ، وجعلوه يبشر بنهاية عصر الانسان ، حين منحوه بعض الامتيازات ومضوا يمعنون قتلا ونهبا بثروات الطبيعة وبالكائنات التي تعتاش منها وعليها .
الشيء الاساس الورق وقيمته ولتذهب بقية الارواح الى جهنم ، لأنها محض نشاط يكتسب قيمته من حركته التي تولد الطاقة التي من دونها تصبح الحياة فيضا عدميا ، على حساب الدول الفقيرة الهامشية يحلون مشاكلهم . يمعنون بصناعة الوهم ويتركون مبدا وقيم اعادة احياء الانسان الميت الهامشي. يمنحون نصف ثروات الكوكب للممثلين ولاعبي كرة القدم وصانعي السلاح واصحاب البنوك و مديري المكاتب ، لا يهتمون بالزراعة من اجل الجوع وانما من اجل مراكمة الثروات بينما الصناعة اصبحت امتيازا خالدا لا يسمح بتقليدها. قتلوا الروح واشاعوا الانانية بين الناس ، لأنها مرتبطة بالفرد وحقوقه ونزواته التي لا تشبعها الا ذرات التراب. رفعوا راية المنفعة واشاعوا ا مبدأ انا و ليذهب جاري الى الجحيم ، وحين يتمكن جارهم منهم بحكم المبدأ نفسه الذي صيروه قانونا و رفعوه ، يصبح جارهم مارقا وينبغي سحقه . المنفعة رائعة طالما انها تصب في نهرنا ، لكنها تصبح عقوقا ونكرا للجميل اذا صبت في نهر غيرنا ، لهذا خرج على شاشات فضائيات العالم قبل أشهر رئيس الولايات المتحدة الامريكية وهو يصرخ بسبب التنافس التجاري الحاد مع الصين وهيمنة طريق الحرير : “لن نسمح لهم بسرقة عشائنا “. واعرب عن استعداد امريكا للدخول في حرب مدمرة ، من اجل هذا العشاء الذي ينهبونه من فم الشعوب الفقيرة الهامشية ، التي تعيش على الهامش ، وتأمل في غد افضل ربما سيتحقق من خلال الصين وروسيا عبر سياسة تعدد الاقطاب الذي يبدو انه سيكون مطرقة المتن ، وهذا ما لن تسمح به سيادة المتن الذي يخنق العالم ويدمره .
12
التلاعب بالعقول لجعل الهامش غير مرئي واذابته رغم حجمه الكبير في قدح العالم الصغير ، يتم الآن على مرأى العالم من خلال صناعة الافلام ونوعية الاغاني وصناعة الرموز الفنية والرياضية و عبر الازياء وقصات الشعر حين يلبس الشاب سروالا ممزقا فهو يخفي التباين الطبقي الحاد بين الناس ليحجب الفقر الواضح عبر المشردين والفقراء بوصفه متنا خالدا يحمل صيرورته عبر القرون بوصفه قدرا وليس عارا ينبغي محاربته وسحقه .
أضف تعليق