كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

نوال: رواية عن ازدهار الرذيلة وانتصار المأساة في الواقع والخيال..

نوال: رواية عن ازدهار الرذيلة وانتصار المأساة في الواقع والخيال..

* نبيل شوفان (شاعر وناقد من سوريا)

مع انتهائي من قراءة رواية “نوال” لكاتبيها: حكمت الحاج وعواطف محجوب، في تجربتهما الثانية بعد رواية “غمسيس” (2022) لكتابة رواية مشتركة، شعرت للوهلة الأولى أنني أمام جنس أدبي فريد من نوعه. فهي رواية قصيرة ومشتركة، ونجاحها ينبع من قدرتها على نقلنا إلى عالم خيالي وسحري مكثف بمواجهة أحداث غير عقلانية مرتبطة بالسحر بمعناه الأقل وطأة، الأقرب إلى الفانتازية أو الأيروتيكية الناعمة، نلتقي بجميع أنواع الشخصيات أو المخلوقات وكأنهم جان وسحرة متجسدين بالراقي بنبلقاسم والنساء نوال وخديجة وصلوحة فنجد أنفسنا منغمسين بشكل مباشر في عالم غير واقعي وخارق للطبيعة، لكنه رائع وفي نفس الوقت الذي تتحول فيه الرواية إلى مرآة فإنها تدفعنا للنظر فيها، ومن ثم الهروب.
ورغم أن القصة تبدأ بسرد عاطفي حر يتمتع بأيروتيكية إيجابية ومبهجة تستسلم لرومانتيكية جارفة في بعض الأحيان، فإنها، أي القصة، تصب في نهاية المطاف في كلاسيكيات تمثيل الإثارة الجنسية، وتلتحق بتلك القصص التي تفضي إلى ربط الأيروتيكية بالخوف والتدنيس والقمع حيث الرغبة الجنسية ذنب المعذبين، تنكر إمكانية التوفيق بين الرغبة والروحانيات والعقلانية التي تستطيع إدارة معارك تحرير الأجساد والعقول في الغرب الذي صنع حداثته من خلال التخلي عن الشعور بالذنب من إطلاق المكبوتات وتكسير التابوهات وتسخير العقل لإدارة الغريزة، لا لإخفائها أو حبسها مع استحالة إلغائها.
لطالما كانت هنالك فجوة شعورية لدى الإنسان الشرقي بين الرغبة المبهرة مجتمعيا في إطار الشراكة الزوجية بين ذكر وأنثى وبين حب الاستيلاء على المزيد من الإناث، بحيث يصبح الحب جميلًا بقدر ما هو غير أخلاقي وغير شرعي، وخيانة تنبثق عن شهوة يمكن الاستغناء عنها.
لا يمكن الإنكار على الإنسان فرصته لإلقاء بقعة ضوء على ما يخيفه ثم السيطرة عليه، ولا نأمل في عالم لن يعود فيه أي سبب للخوف، لكن الإنسان يستطيع أن يتغلب على مخاوفه من خلال مواجهتها وجهاً لوجه، أي أنه من الممكن البحث عن تماسك الروح الإنسانية التي تمتد إمكانياتها من المقدس لدى نوال إلى الشهواني لدى بنبلقاسم، ثم المواءمة بينهما.
ليس من حق الناقد تأويل النصوص كأن يقول أن نوال في هذه الرواية هي الثلاث شخصيات النسائية مجتمعة، لكن يمكننا مع ذلك اكتشاف أن نصب كاميرا سرية والتجسس على بنبلقاسم الذي يحبها هو إسقاط لمشكلة أساسية تتمثل في حديث الرجال بلا خوف وبشكل مطول ومفصل عن الإثارة الجنسية بينما تتبع النساء مسارا مختلفا تماما للتعبير عن الحب كما للتعبير عن الشهوانية لا نعلم نحن الرجال ما هو لكننا نشعر به.
من المثير للإعجاب في رواية “نوال” ذلك الترابط العجيب بين الرغبة والإعجاب والخوف بكل خوارزميات هذا الترابط في هذه الرواية القصيرة، نقرأ عن شغف الحب المرتبط بالخوف عن طبيب النساء النفسي والعاطفي والحميمي، وبادئ ذي بدء، الروحي، وكل ذلك في ذات الوقت، نقرأ عن الصدق المرتبط بالحب، والكذب المرتبط بالحب، وتلك العلاقة بين الاعتراف بالكذب كصدق سامي. إن رواية “نوال” استكشاف لأشكال جديدة من الحب تلتقي فيه المتناقضات بكثافة غير متوقعة من رواية قصيرة إلى درجة تجعلنا نعيد النظر بشهوانيتنا، وبالجانب الوحشي للرغبة الجنسية الذي يجعلنا مستذئبين تارة والجانب الاجتماعي الذي يسلّمنا صريعي أنانيتنا وطموحاتنا والاهتمام المبالغ به بآراء الآخرين. إن رواية “نوال” تحول الرغبة الجنسية إلى فن، وتنجح ههنا بترويض الحب برسن الوقاية من الرغبة الحيوانية على أمل أنسنته، لكنها من حيث لا تدري تعترف بحيوانيته المطلقةِ الغباء.
يشكل الرجل المستذئب المستذنب جنسيا في رواية “نوال” تهديدًا أكبر للحضارة من تهديد الأنثى الأمازونية اجتماعيا، فكلاهما يقع في فخ الاحتكام إلى غريزة البرية من أجل الشهوة مرة، والنجاة مرة. نوال، وهي لم تفهم كم أن بن بلقاسم يحبها، تظهر كامرأة تجمع بين بدائية العاطفة والأنوثة الخارقة، أنوثة تتجلى لدى نساء بن بلقاسم، صلوحة وخديجة ونوال، بأبهى وأشهى درجات قبولهن لأنوثتهن والتضحية الطاهرة بمريميتهن الحقيقية كبنات لحواء في حال الحب والقبول والاستسلام مجتمعات للشيخ بن بلقاسم، بينما كن عشن قصة واحدة مع كونهن عذراوات نهبت عذريتهن بطريقة ما مع رجال أكبر منهن سنّا!
وربما نتساءل هل هذه الأيروتيكية الناعمة في الرواية ضرورية؟ أعتقد أن الأمر متروك للقارئ للحكم، فأحيانا تكون المشاهد عادية لكنها تخدم الحبكة، كما أن الحبكة والصور تخدم المشاهد مرات أخرى. من هنا يجعلنا الكاتبان نقف عند تفاصيل صورة “أنف نوال” الذي يمتلك إثارة جنسية لا يمكن مقاومتها تخلق الرغبة والمتعة لدى القارئ وتؤدي به إلى شعور حميمي شره يجعله سلما للتقدم في القصة، حيث الظروف، والمغامرات، والخيانة، والخيال، والحب، أشياء تمسي على علاقة وثيقة مع هذا الأنف المثير حتى الجموح، وتجيب على كيف يمكن لأنف جميل أن يكون كل هذا الحب الذي بحجم الكون!
هناك توافق بين عمل أدبي يساري الهوى بمصطلحات وحبكة يمينية محافظة تتأمل نفسها في مرآة الخطيئة في تناغم يكاد يكون مستحيلا بدون الحب! الحب نفسه الذي يجعلك تحتمل الرواية، هو يحملها ويبرر كل ما حدث فيعطيها الحق بالوجود؛ الحق بالخيانة وبالسكر والصحو وبالنجاح وبالموت، وهي إذ تحاول مرة جديدة مشكلة العلاقة الطبيعية بين رجل فاجر وامرأة أي امرأة من خلال اتفاق متبادل، فإنها استطاعت أن تلقي الضوء على مآلات السعادة مع ازدهار الرذيلة، تتطرق إلى موقف اللذة بذاته تحبس تلك اللحظات السعيدة على طول الرواية، تريد منا أن نتحقق أن غياب الفضيلة يتسبب بسوء حظ النهايات. وهكذا، لا يمكن أن يحدث أي شيء سيء للإنسان المفرط في الفضيلة، فهو إذا لم يكن جذابا ثائرا فاتنا متحررا فاسقا كبن بلقاسم، فهذا يعني أنه لن يتعرف إلى الشر، ولن يكون سببا لجريمة جديدة.
ورغم النهاية المأساوية للحكاية، إلا أن رواية “نوال” تقول في أعماقها بذلك الخوف السحيق من السحر الأنثوي الذي “يهدد النظام الاجتماعي في أسسه”، إلا أنها في الوقت ذاته لا تدخل الأنثى في النطاق الشيطاني للرغبة التي تكون نتائجها حاسمة في السقوط. ففي الحقيقة، لا أحد شرير في رواية “نوال”، وكم تمنيت أن تحمل الرواية على الأقل حياة جديدة إلى جانب موت نوال وبن بلقاسم.
لا يمكننا أن نتجاهل أن هذه الرواية المؤلفة من سبعة فصول، كل فصل منها  ملحق بعنوانين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، حافظت على وحدة قوية لعمل غني فعلا بالمصطلحات القوية والصور والتأملات والمعاني المزدوجة والأزمنة والصدف التي يمكن تأويلها وكأننا أمام قصة بيضاء يمكن لكل قارئ إعادة صياغة فهمها بمتعة لا نهاية لها ولا قواعد ثابتة، وهذا مرده للغموض الذي يكتنف الحياة الجنسية للشخصيات الطفولية المتواضعة حتى اللحظة الأخيرة بشكل يصعب اختراقه، لكن يسهل الاقتراب من هذا الغموض الخام المغري لقارئ عارف كي يكمله ويحقق كمالا أدبيا وحسيا ونفسيا ساميا.
تكاد تخلو الرواية من التصريحات المنمقة أو السخيفة أو الكليشيهات التي تضيع وقت القارئ. ويتضح تجنب الكاتبين، عواطف محجوب وحكمت الحاج، للتكرار والاستطرادات غير الضرورية، من خلال الاستخدام الجيد للاستعارات والمرادفات والرموز الشعرية التي تعيد خلق الصور والعواطف بشكل أكثر عصرية، حتى تشعر أن الرواية تمتلك قاموس مصطلحات خاصا بها، كما تفعل القصائد، تجعلك تدرك المواقف التي جعلتك تتخيلها. فنقرأ عبارات مكثفة جدا تتناسب مع طول الرواية، عبارات تثبت أن الرواية لا بد من قراءتها بتأن. وأقتبس هنا بعض من هذه العبارات القوية، مثلا من الصفحة 16 و 17 و 18: “مكسورا فقط بعويل كلب بعيد”، “العري المقدس”، “يشبه الهلام مثل الأعماق الحيوانية”، “ينحني المخلوق”، “وانغمست بعد اللدغة الأولى”، “جسد فواح رطب بض شهي”.

* نوال، رواية قصيرة مشتركة، تأليف حكمت الحاج وعواطف محجوب، منشورات كناية، ستوكهولم- تونس 2024

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.