بقلم: حيزية فضة
مما لا شك فيه أنَّ الرواية لا تزال هي المرآة العاكسة لتفاصيل المجتمعات السياسية الاقتصادية والدينية وغيرها، ولذلك أصبح جمهور القراء متوجها لها لما وجد فيها من إشباع لرغباته العقلية والفكرية. وأصبح السرد الجزائري يلعب على وتر إقناع القارئ بصورة واضحة، على جميع الأصعدة. ومن الروايات التي شغلت الكثير من النقاد والدارسين وحتى من لا تربطهم ادنى علاقة بهذا الفن من بعيد أو من قريب، نجد رواية “هوارية” للكاتبة الجزائرية إنعام بيوض. وبما أننا نعيش في عصر الصورة والتفاعل الرقمي، كان لا بد للمبدعين في هذا الجنس الأدبي محاولة البحث في كتابة جديدة ومختلفة للرواية، كتابة تكون بمثابة نقل مباشر أو غير مباشر لواقعنا المعاش، لكي يرى هؤلاء -أقصد من أخذهم هذا الواقع التفاعلي- الواقع الحقيقي. وبشكل مباغت يظهر المسكوت عنه و المغيَّب والغامض إلى لغة تحكي وترثي، تبكي وتضحك، وتتنامى وتتماهى ولا تعرف الحدود خلف مقاطع من مجتمعنا مسموعة ولكن ممنوعة، إذ راحت الكاتبة انعام بيوض تدوس على جرحٍ كان قد نسيه شعبنا أو تناساه، ولكونها لامست الجرح المتعفن عبر رواية واقعية ناقشت وقائع فترة حساسة لا تزال آثارها في نفوس الجزائريين إلى يومنا هذا، لينتفض كل من كان بالأمس قد ملأ الغبار مكتبه وجفَّ الحبر من قلمه، شمَّر وكشر وراح ينعت عملا أدبيا نال جائرة “آسيا جبار” بداية موسم تموز يوليو بأقبح الألفاظ، لتحاك هجمة شرسة هي في الحقيقة دعوة للحد من حرية الفكر والإبداع، فالأمر هنا بحث عن المختلف. فلماذا تكتب الروائية روايتها اذا كانت مجرد اعادة لقصة لن تجذب احدا او اجترار لواقع ممل؟ لنتوقف قليلا ونقول: بأن القضية ليست في بذاءة اللغة او عدم توافق النص مع طبيعة المجتمع، انما هي ولادة جديدة لرواية عرت المجتمع في وقت كان فيه المجتمع يتخبط في أروقة الظلام والسكوت غير المبرر إما بدعوى الحلال والحرام او بدعوى المجتمع، ولذلك كانت رؤيتي لرواية هوارية رؤية مختلفة، فلم أحمل وأنا بصدد قراءتها للوهلة الأولى، أي انطباع مما قرأته على صفحات التواصل الاجتماعي عنها، بل بالعكس، تحصلت على الرواية بشق الأنفس وهذا دليل على أن هوارية صودرت مثلما صودرت “الخبز الحافي”، لذلك أدركت أنني امام عمل فيه من الحقيقة ما فيه.
أطرح سؤالاً بديهيا اخترق مخيلتي: هل حقا الكلمات الخادشة للحياء واللغة البذيئة كما يزعم أصحاب الهجمة الشرسة على “هوارية”، هي وحدها من أثارت هذا الكم الهائل من الانتقادات ؟ أم أن وراء هذه الهجمة جواب آخر لم يفصح عنه بعد؟
للوهلة الأولى وأنا أقلب الرواية، جذبتني جملةً تُبرء الروائية نفسها من وجود أي تشابه في الأسماء فتقول: (إنَّ أي تشابه في الأسماء والأماكن والأحداث المذكورة في الرواية ليس إلا محض صدف(1).
هنا يتجلى لأي قارئ لهذه الرواية مدى واقعيتها وصدق ما جاء بين طيات أوراقها، هي شيفرة تبعثها الروائية لتقول: بأن ما كتبته هو واقع عاشه أغلب الجزائريين خلال تلك الفترة. هو واقع هواريات كثر، إنها الحقيقة التي صرحت بها الكاتبة في أول روايتها لذلك كان صداها قويا على قلوب أغلب القراء، لأنهم يرفضون الحقيقة فالكذب هو القول المخالف لحقيقة الأمر وهذا ما أراده الذين هاجموا الروائية -إذن- برؤيتهم الجديدة علينا أن نغطي كل الحقائق والا فالعمل يُحكم عليه بالوأد قبل ميلاده كما حدث مع “هوارية”.
تدور الأحداث في حي “شعبي” بمدينة وهران، في الوقت الذي شهدت فيه الجزائر منعرجا خطيراً في الأمن، والتي يُطلق عليها بالعشريّة السّوداء، حيث ساد قانون الغاب، وانفلتت الأمور وراحت الجزائر تدخل في دوامة وانهارت كلّ الأطر الأخلاقيّة، وما الأحداث التي سلط العمل الروائيّ عليها الضوء إلا نتفا يسيرة من تلك الهوّة السّحيقة التّي وقف عليها جيل كامل من الجزائريين.
هوارية رواية تدور وقائعها حول قصة فتاة من حي شعبي في وهران خلال فترة العشرية السوداء (سنوات الإرهاب)(1990 -2000) تعيش مع والدتها، وشقيقها هواري الرجل غير السوي الذي كان يغتاب الناس ويبتز بنات الحي يقول أحد ابطال الرواية وهو هشام في وصفه لهواري: “لا احد يأخذ كلام هواري على محمل الجد إذ غالبا ما يُطلق الكلام على عواهنه ويتبجح، ويغتاب الناس ويفشي أسرارهم”(2) وزوجته هدية ذات السمعة السيئة، في حوش يزدحم بعائلات تسرد حكاياتها حول، الخيانات، العنف الأسري واختلاط الأنساب. فيقول هشام يصف نفسه واخوته التسعة بأنه لا يشبه أحدهم الآخر فيقول: (حين انظر إلى اخوتي أستغرب انعدام الشبه بيننا جميعا الروجي والأشقر والحنطي والأسمر وأخيرا حتى الشنوي)(3). وهشام يبلغ من العمر 18عاما والذي وقع في غرام هوارية التي كانت تنعتها أمها بالمنحوسة ولا يبالي بها أحد من أهل الحوش كثيرة الصمت وتخشى النظر في المرآة حتى لا تتراءى لها الأشباح. وفي رحلة إلى عيون الترك (مدينة ساحلية في وهران) تنتهي في ملهى ليلي يفقد هشام حياته ذبحا ويفصل رأسه عن جسده على أيدي جماعة إرهابية مسلحة كانت تقصد اغتيال الهاشمي الطبيب عشيق هدية. تدخل هوارية مستشفى الأمراض النفسية والعصبية على إثر ما المَّ بهشام أمام ناظريها من ذبحٍ بطريقة وحشية لتدخل بعدها في حالة صدمة لهول ما رأته، ثم تخرج من المستشفى وقد تكشفت عنها الحجب واصبحت تستقرئ النجوم لتتحول إلى عرافة تقرأ الكف وتكشف الغيب.
هوارية تُكمل حياتها في إحدى الزوايا تقرأ طوالع زوار الضريح، وتدور معها أحداث الرواية التي نقلتها كاتبها على ألسنة شخوصها وحواراتهم كلامًا بذيئا وخادشا للحياء، وَرد في عدد قليل من المواضع استدعته الحالة التي كان عليها شخصيات الرواية، وهذا كان بمثابة القنابل التي فجَّرت جدلاً واسعا، وصل بالبعض إلى حد وصفها بالرواية الإباحية والمنحطة.
أغلب من سمع عن الرواية عدَّها نصاً جريئاً، وآخرون يرون أنها لا ترقى لأن تكون عملا ابداعيا، لكن الكاتبة اعتبرت أنّه نص مسكوت عنه فقامت بتوجيهِ الأنظار نحو تلك الأماكن المحرمة، وأزاحت اللثام على المجتمع المحصّن بالنفاق، الزوج المتاجر بالأعراض والدّين، والمنخرط في صفّ الأمن ومنخرط في جماعة إرهابية، التّجار الذين يتاجرون بالأزمات -وما أكثرهم اليوم- المثقفون العالقون تحت جلابيب المجتمع، الحياة الصّوفية التّي يعاد إحياؤها لأغراض خاصة، اللّحى المصنوعة من الصوف، كلّ هذا الألم بقي كنقطة سوداء في ذاكرة البلاد. نعم، إنه الظلم المنظَّم الذي يمحق أخلاق الشّعوب فيجعل من متدينيهم منافقين، ومن مثقفيهم جبناء وإمعات، ومن حماة أمنهم قتلة ومجموعة وحوش، هذا هو الاستبداد الذي يرفع في أي بلد من قيمة الخونة والمنافقين وينهي حياة الأوفياء والصادقين.
فكيف يُطلب من شخوص الرواية المنبُوذين والمتألمين أن يمسكوا ألسنتهم ويتكلموا كلاماً “راقيا”؟
يرجع الفضل للغة التّي استخدمت في هذا العمل الأدبيّ في أخذ الرواية ورميها في أحضان القارئ، إذ كانت رواية “هوارية” ذات لغة مباشرة بحكاياتها المألوفة، وعلى بساطتها هذهِ وابتعادها عن التّكلف في تشكيل الجُمل أو الشّخصيات، أو السّرد، استطاعت أن تحرّر الأحداث من الحياء الاجتماعيّ، أو الحياء الأدبيّ، أو عقدة الصّمت، فحينما تكون شخصية ما صامتة تتحدّث في صمتها ذاك إلى المتلقي بالطريقة التي تجعله ينسى أنّه المُراقب، فعبرت عن حرية كناَّ نبحث عنها دائما.
إنَّ طغيان حرف “الهاء” بصفة كبيرة على أسماء شخوص الرواية: (هوارية، هواري، هشام، هبة، هجيرة، هبيرة، هاشمي) استعملته الكاتبة في بداية أسماء شخوص الرواية، لتجعلنا نحس بإحساس مرهف متدفق لمشاعر الحزن والألم، التي انتابت الكاتبة وهي تسرد آلام الشخصيات في تلك المرحلة الدموية والمعاناة الأليمة التي عاشها الشعب الجزائري خلال العشرية السوداء، وباعتبار “الهاء” صوت مهموس، فهو الصوت المناسب لحمل الدلالات المناسبة لموضوع الرواية، اذ وُفقت الروائية في اختيارها للأسماء التي تحمل دلالة مميزة، فأكدت فرضية أن لكل موضوع أصوات خاصة من شأنها أن تغذيه وتنميه داخل النص، “مثلما فعلت دلالة الهاء في رواية “هوارية”.
هذا ما تبنّته “إنعام بيوض”، واستنطقت بلغتها التي لا تفوتنا رقّتها في التّوصيف، والأسف والحزن في تشكيل أحداث الرواية، ويسيل منها الغضبُ كلهجة وهرانيّة، إنّهم يمثلّون من تلذذت العشرية السوداء في تحطيمهم ككلّ المجتمع الجزائري، وغيرهم في أيّ مكان في العالم، فالشّخصيات حينما تغضب تُترك لها حرية التعبير بلهجتها، تتلفظ بأي كلام مقبول أو مرفوض حيث إنها في حالة غضب شديد. وهكذا تكون الكاتبة قد ترجمت ذلك بكلّ مصداقيّة، هنا تقف حتى اللغة عاجزة أمام الحقيقة في مشهد لن يشعر به إلا من عاشه حقا، سواء تقبلنا ما يتلفظون به أم لا تلك هي الحقيقة التي نعجز عن التحكم بها. لكن، لماذا رفض البعض لغة الغضب هذه؟
يرى الدكتور والناقد قراش محمد على صفحته عبر الفايسبوك:
بان: “البؤرة المسكونة بالتعارض هي أن الجائزة تمنحها هيئة رسمية تابعة لوزارة الثقافة؛ لا لتيار مدني أو ثقافي، فهل أصبحت الوزارة نفسها، قبل الجائزة، تابعة للتيار ذاته؟ سنكون هنا بإزاء اشكالية أخرى في حيثيات ما وراء النص، وهي علاقة التيار بالسلطة، ودور السلطة في صناعة هذه السياقات المتعارضة. النص ليس حرا هنا؛ إنه يتكئ على تعضيد سلطوي. والقارئ لم يمارس دوره بعد. الجائزة مؤسسة، وهي تفعل في نظرة المعترضين أمرا اشبه بالمصادرة. ثم تتداعى بمساندة أطراف الانتماء لحماية النص. لقد أصبحت الجوائز مشكلة كبرى حينما ارتبطت بمؤسسات رسمية توزع التقدير العام وقدرا من المال العام ايضا. سيقول البعض ان المشهد الثقافي يتعرض للهيمنة من طرف تيار ما، وهنا تتداعى اشكال التنابز الطائفي بالمعنى الثقافي.
وهنا تظهر الإشكالية الأساسية وهي الجائزة، ومن له الحق في الفوز بها. إن الهجمة الشرسة التي تلقتها الرواية ما هي إلا انتفاضة مفادها أن الجائزة لما ارتبطت بمؤسسات رسمية اصبح لكل الأطراف الحق في الاعتراض اذا لم يعجبهم الفائز بها.
“هوارية” رواية استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً في القمة، بشهادة كبار النقاد والروائيين، وأكدت للمرة الألف أنَّ الأدب قادر على تحديد المسكوت عنه وكشفه، وتحدي كل ما هو محظور، والغوص في أعماق قضايا الحرية والتعبير عنها. إذ استطاعت الروائية إنعام بيوض فتح أبوابٍ جديدة تعبر عن كيفية تعامل المجتمعات مع التغيرات والتحولات الجذرية في مفهوم القيم والأخلاق، ومن جهة أخرى رؤية النماذج النسوية المختلفة التي قدمتها الرواية، لتؤكد المؤلفة على تطور الرؤية النسوية في عالمنا العربي، فلقد سلكت طريقاً جديدا، وأخذت تطرق الأبواب المحرمة على المرأة ولوجها وهي وتصرخ بأعلى صوتها “أنا امرأة ويحق لي إن أكتب كما أشاء فاللغة لغتي والتاريخ تاريخي”.
إنعام بيوض ، هوارية ، دار ميم للنشر ، الجزائر،ط1، 2023م،ص7.
نفس المصدر ،ص 37.
نفس المصدر ،ص24/25
أضف تعليق