كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

انفعالات، استعارات، تروبيسمز، مدارات استوائية: عمل متأرجح ما بين القصة والقصيدة والرواية الجديدة..

انفعالات، استعارات، تروبيسمز، مدارات استوائية: عمل متأرجح ما بين القصة والقصيدة والرواية الجديدة..

بقلم: حكمت الحاج*

بعد ثلاثين عاما ونيف على قراءتي، أسوة بمعظم ابناء جيلي، لكتاب حمل عنوان “انفعالات”، وأثر فينا قصاصين وشعراء وروائيين ونقادا أيما تأثير، من تأليف كاتبة فرنسية اسمها ناتالي ساروت، باللغة العربية عبر ترجمة كان أمنها الكاتب المصري فتحي العشري، ها أنني اليوم ألتقي بنفس الكتاب في ترجمته السويدية بعنوان Tropismer التي كانت قامت بها كل من مارغريتا نورستراند وكيرستين فيداو عام [1966]، لكن الكتاب صدر عام [2023] عن الناشر السويدي “مودرنيستا”، بتقديم من لدن البروفيسور توربيورن إلنسكي.
هذا وكان الكتاب في أصله قد صدر بباريس عام [1957] بعنوان Tropismes، في طبعة ثانية عن دار مينوي الشهيرة Les éditions de minuit بعد طبعة أولى محدودة كانت صدرت عام [1939]، أعقبته بسنوات ترجمة إنگليزية بعنوان Tropisms. وبعد أكثر من أربعة عشر عاما على صدور الطبعة الفرنسية المعتمدة لكتاب ناتالي ساروت، صدرت الترجمة العربية في القاهرة عام [1971] لتحمل عنوانا جديدا جميلا هو “انفعالات”، لكنه ربما كان أبعد ما يمكن عن المعنى المراد في العنوان الأصلي للكتاب، إذ تم استعارة مصطلح “tropism” نفسه من علم الأحياء، حيث يشير إلى حركة الكائن الحي استجابةً لحافز بيئي معين. واستخدمت ساروت هذا المفهوم مجازيًا لاستكشاف الحركات الداخلية الرائعة وردود الفعل الخاصة بكل شخصية من شخصياتها في مدى فصول الكتاب الاربع والعشرين.
كان نهج ناتالي ساروت في هذا الكتاب، “تروبيسمز”، ولنسمه “انفعالات” على وفق ما هو مترجم للعربية، (ولو أني أفضل تسميته “استعارات”) انحرافًا جذريًا عن الواقعية النفسية التي هيمنت لفترة طويلة على المشهد الأدبي الفرنسي. فبدلاً من الخوض في أعماق الشخصيات الكاملة عبر سارد عليم، اختارت التركيز على اللحظات الغامضة العابرة للتفاعل التي تشكل وجودنا الاجتماعي. وكان هذا التحول في التركيز، من الفرد إلى الجماعة، ومن المستقر إلى الزائل، من الثابت الى المتحول، جانبًا رئيسيًا من مشروعها الأدبي.
كانت ناتالي ساروت، التي عاشت قرنا كاملا تقريبا [1900-1999] كاتبة فرنسية ومحامية من أصل روسي، واشتهرت بعملها كروائية وكاتبة مقال، وغالبًا ما ارتبط اسمها بتيار حركة “النوفو رومان” Nouveau Roman (الرواية الجديدة) الأدبية الفرنسية التي سعت إلى الابتعاد عن الأشكال التقليدية للسرد والكتابة. وكان أحد أشهر أعمالها هو Tropismes” أو (“Tropisms”)، الذي نُشر لأول مرة في عام [1939] ولم يهتم أحد بالكتاب في ذلك الوقت. ولكن بعد ذلك وخلال حقبة الخمسينات، أعني مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تغيرت نظرة العالم للحياة والفن والأدب، صدر “تروبيسمز”، كما أسلفنا أعلاه، في طبعة جديدة عام [1957] من قبل الناشر “مينوي”، الواجهة العتيدة لحركة المقاومة ضد الاحتلال الألماني، وأعطي الكتاب بذلك ما يمكن أن يقال أنه مكانه الصحيح ومكانته المستحقة في عالم الأدب في القرن العشرين.
يقول بعض النقاد إن”تروبيسمز” (انفعالات) هو كتاب يجب قراءته ببطء شديد، وإن من يندفع فيه معتقدا إنه قصص قصيرة جدا أو رواية أو حكاية أو أشعار أو خواطر أو يوميات، إنما هو يذهب بعيدا عن بيت القصيد، ويحيد كثيرا عن الصواب. إنه كل ذلك معا، وليس شيئا من ذلك في الوقت نفسه.
من خلال توجيه انتباه القارئ إلى “الانفعالات=الاستعارات” -الاستجابات الدقيقة اللاإرادية التي تحكم سلوكنا- سعت ساروت إلى الكشف عن التعقيد الخفي للتجربة الإنسانية، حيث تظل شخصياتها إلى حد كبير بلا أسماء وغير متمايزة في المظهر الخارجي، وهويات الشخصيات خاضعة للتيارات الهشة التي تتدفق ما بينها البين. كان هذا التركيز على الهامشي والمغفل عنه، استراتيجية متعمدة لتحدي أعراف الخيال السردي التقليدي.
ورغم ذلك، ولا أحد يدري كيف، كان كتاب “تروبيسمز” بنصوصه الأربع والعشرين، عملاً أساسياً في تطوير تيار الرواية الجديدة (نوفو رومان)، وهي الحركة التي رفضت الواقعية التقليدية لأدب القرن التاسع عشر لصالح طرائق أكثر تجريبية وضدية. وظل هذا الكتاب واحدا من النصوص المميزة لحركة الرواية الجديدة الفرنسية، وتم الترحيب المدوي بناتالي ساروت من قبل جان جينيه، مارغريت دوراس، وجان بول سارتر. كان أسلوب ساروت المتشظي والدوراني (غير الخطي) مثالاً لطموح “الرواية الجديدة” في زعزعة استقرار المفاهيم الراسخة للشخصية والحبكة والعقدة والحل. فمن خلال تجنب فخاخ السرد التقليدي، كانت تهدف إلى نقل النسيج الحقيقي للتجربة، بما يتجاوز قيود الأنماط الأدبية التقليدية.
تكمن الأهمية الدائمة لكتاب “تروبيسمز” في قدرته على توسيع حدود شكل السرد بشكل عام، والرواية بشكل خاص، وتحسيس القراء بالقوى الخفية التي تشكل تفاعلاتنا الاجتماعية. ودعا منظور ساروت الفريد إلى موقف أكثر انتباهاً وتقبلاً تجاه العوالم غير المستكشفة لأعماق النفس البشرية، مما حدانا كقراء للنظر إلى ما وراء سطح الظواهر والأشياء والانخراط في الأبعاد الدقيقة وغير المحسوسة في كثير من الأحيان لتجاربنا اليومية المعاشة، ومن ثم، إلى تثوير علاقتنا مع اللغة والخطاب.

فيما يلي وعلى سبيل الإلحاق، ترجمتي للنص الرابع والعشرين من كتاب:
(تروبيسمز=انفعالات=استعارات=مناطق استوائية= Tropismes)

تأليف: ناتالي ساروت
ترجمة: حكمت الحاج (عن الإنكليزية)

لم يظهروا كثيرًا، بل ظلوا مختبئين في طوابقهم يتربصون من أعماق غرفهم المظلمة. لقد اتصلوا ببعضهم البعض، وتطفلوا، وتذكروا، وتمسكوا بأدنى إشارة، وأصغر علامة.
وجد البعض منهم متعة في قص إعلان الصحيفة للاحتفاظ به، والذي أوضح بجلاء أن والدته كانت تبحث عن فتاة تساعدها في الخياطة بأجر يومي.
لقد تذكروا كل شيء، وتظاهروا بالجشع؛ لقد أحاطوا ببعضهم البعض بأياد شكلت دائرة كاملة حوله، وهو في المنتصف حائر.
لقد التفوا بتواضع أخوي حوله في حلقة وجوه لطيفة، لكن عديمة الملامح.
وعندما رأوا كيف أنه ارتعد خجلاً من محاولة الانزلاق بينهم والانخراط في جمعيتهم، سرعان ما أرخوا الأيدي المتشابكة من حوله.
الكل جاثم الآن ويحدق فيه بصراحة وإصرار، بشيء من ابتسامة طفولية.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.