قراءة في كتاب “البيانات الأدبيّة والرّهانات الإنشائيّة” للدكتور أحمد الجوّة..
نجاح عز الدين
يندرج كتاب “البيانات الأدبية والرّهانات الإنشائية”* ضمن القراءات النّقدية الّتي تتناول بالتّحليل جنسا خاصا عرف بـ”البيانات” وهو يتنزّل ضمن “الخطاب الموازي”.
وممّا لا شكّ فيه أنّ الكلام على الكلام صعب، وما ترك الأوّل للآخر شيئا. وإنّنا ندرك تمام الإدراك صعوبة هذه العمليّة، ولكنّنا ارتأينا أن نلفت النّظر إلى منهج د. أحمد الجوة في هذا الكتاب الّذي يمدّ جسور التّواصل بين الأجيال السّابقة والرّاهنة، وهي أجيال لم تتوقّف البتّة عن أن تكون فاعلة في تجديد المشهد الأدبي، في مستويي الإنتاج والتّلقّي، معبّرة عن هواجسها تجاه التّجارب الفنيّة.
استطاع أحمد الجوّة في هذا الكتاب أن يحفّز القارئ إلى الاطلاع على هذه البيانات متوخيّا منهجا واضحا لا لبس فيه. ينطلق من مقدمة وهي عبارة عن وصف عام لجملة البيانات المعتمدة، مرورا بالمدخل للمسألة الّذي انتقل أثناءه إلى تأطير اهتمّ فيه بالمفاهيم المتعلّقة بالبيان، وصولا إلى القسم الأخير ويمثّل مرحلة التّحليل والتّأويل، ويضمّ فصولا سبعة.
يتقيّد أحمد الجوة في هذا الكتاب بالأمانة العلميّة، مفصّلا الخطوات الّتي سيعتمدها منذ المقدّمة الّتي ضبط فيها حدود بحثه في عدد من البيانات الصّادرة عن عدد من الشّعراء العرب المنتمين إلى حركة الحداثة في الشّعر العربي المعاصر، وهي: “بيان الحداثة” لأدونيس، و”بيان الكتابة” لمحمّد بنيس، و”موت الكورس” لأمين صالح وقاسم حدّاد (1984) وأضاف أحمد الجوة إلى بيان الحداثة لأدونيس مقدّمة مجموعة “لن” لأنسي الحاج، بحثا عن المختلف والمؤتلف، وكذلك بعض أفكار نزار قباني في الشّعر وفي وجوه التّعامل مع التراث، وفي إنتاج شعر حداثي.
ولم يستثن أحمد الجوة من إضافاته كتابات بعض الكتّاب والنقّاد التونسيين”شعرا وقصّا وتأليفا مسرحيّا” من التّحليل والدّراسة في بحثه معلّلا ذلك بتغييب “ما ساهم به النّقد في تونس من جهد في التّنظير للطّليعة والحداثة والتّجريب” (ص2 ) وقد اختار ما يؤكّد طلائعيّة أصحابه وهي “الكلمات البيانية” الّتي كتبها الطّاهر الهمامي بين سنتي 1969و1971 وقد خصّصها لتجربته الشعرية الموسومة بـ “في غير العمودي والحر”، وفيه استقلّ عن “تنظير” الحداثة اللبنانية في أفكاره ومواقفه.
كما أدرج أحمد الجوة كتاب “الأدب التّجريبي” لعزالدين المدني (1972) لتدقيق النّظر في البيانات الثلاثة وفي الأدب التّجريبي وتحديد رهاناته الإبداعية في القصّة بوجه خاص مؤكّد بذلك سبق هذا الكاتب إلى النّّظر في التجريب وفي الأدب التّجريبي.
ولعلّ إدراج الجوة لبعض مؤلفات النقّاد التّونسيين جاء لغاية إكمال المشروع الحداثي الّذي أبرزه منيف موسى في”نظريّة الشعر عند الشعراء النقّاد في الأدب العربي الحديث” (من خليل مطران إلى بدرشاكر السّيّاب) بعد أن أسقط من حساباته كتابات الكتّاب النقّاد في تونس وبلاد المغرب العربي، يقول عنه مصرّحا إنّ منيف موسى لم يلتفت “إلى ما جدّ في بلاد المغرب العربي من كتابات يروم أصحابها التّنظير للشّعر في مقالات أو محاضرات وذلك على نحو ما فعل أبو القاسم الشّابي ص12 كما قد يُعدّ هذا الإدراج تعبيرا عن موقف غضب أواحتجاج عمّا صدر عن محمد الأسعد الّذي أشبع الشّابي بعد صدور “الخيال الشعري عند العرب (1929) اتّهامات بالعنصرية والتّضليل والتأثر بدعاة الاستعمار العربي مثل رينان وماسينيون، وجرّده من الرّوح العلمية. ومن ثمّ أقرّ أحمد الجوة بأهمية ما قدّمه أعلام الطليعة الأدبية في تونس في أواخر الستينات وبداية السبعينات.
وبعد ضبط قائمة البيانات وتبيين أهميتها يفصّل المراحل الّتي سيتلتزم بها في المدخل للمسألة، أين سيقف أوّلا عند دلالات البيانات وأصل استعمالاتها في المجالات العسكرية والثورات والإطاحة بالأنظمة وعرض أمثلة في ذلك. ثمّ مفهوم البيانات في المجال الأدبي تحديدا حين تكون متولّدة عن تجربة إبداعية. ثم يخبرنا بخطّته المنهجية في تناول هذه البيانات فيلزم نفسه بتمحيص بيانات لمؤلّفات نزار قباني والنقاط الثلاثة الّتي سيحرص على تحليلها ولا ينكر أنّه سيتحرّك في مدار أوسع حول ما قدّمه أدونيس (مدارات ورهانات الحداثة، وهم الحداثة، حقيقة الحداثة) وأنسي الحاج في مختلف تنظيراته.
أحمد الجوة يعقد ميثاقا مع القارئ ملزما نفسه بمسار منهجيّ متدرّج تراتبي لا يحيد عنه فلا ينفكّ يعلّل ويدقّق ويتدرّج من الإجمال إلى التّفصيل معلّلا اختياراته ومفسّرا بإطناب وتوسّع. التزم أحمد الجوة منهجا واضح المعالم، ينطلق من التّمهيد لكلّ مسالة من مسائل البيانات ثمّ يفصّل القول فيها متوسّلا بالشّفافية العلميّة لا ينقص ولا يختزل ليخلص إلى تلخيص ما حلّله في أفكار مختصرة وواضحة في نهاية كل بيان من البيانات. وقد يتفاعل مع ما يحلّل فيبدي رأيه كأن يدرج موقف محمد الأسعد من الشابي في محاضرته “في الخيال الشعري عند العرب” أو يشير الى موقف نزار قباني من قصيدة النّثر الّذي يتناقض مع موقفه من الإغماض في شعر الحداثة عند الشعراء المنتمين إلى مجلّة “شعر”. أو يرجع موقف أدونيس من حقيقة الحداثة إلى إقامته بباريس وما أبان له هناك من وجوه الاختلاف وحقيقة الهوّة الفاصلة بين الحداثة الغربيّة والحداثة المستجلبة إلى تربة غير تربتها الأصلية (العودة إلى ص38)
لا ينفكّ أحمد الجوة يصرّح بأنّه يلتزم بخارطة تنظيرية ( انظر ص4) رتّب أثناءها مجمل التنظيرات حسب تسلسلها الزّمني وتطوّرها في المسار التّنظيري مبيّنا الاتّجاهات الفكرية، ليخلص في نهاية كلّ مرحلة من مراحل التّحليل إلى نتائج إما أوردها أصحابها وإما نتائج خاصّة توصّل إليها صاحب كتاب البيانات والرّهانات نفسه، تعبّر عن اتّخاذ موقف موضوعي مبني على حجج سابقة، مشيرا إليها بعبارات من قبيل: “سنجد إذن مشابهات بين بيان الحداثة وموت الكورس/ هكذا يلتقي نزار مع عدد من أصحاب البيانات…/موت الكورس: عنوان البيان مؤشر على رفض الصّوت الجماعي والنّص الأوّل الّذي يقدّم نموذجا للكتابة…” وبرهن أحمد الجوة في كثير من المواضع على التزامه الأمانة العلمية بتأكيد حرصه على التّحفظ وحذر الباحث المتمعن في التّعبير عن مختلف المواقف فنراه كثير ما يستعمل عبارة “قد يكون” ويتأكد هذا الحذر العلمي شيئا فشيئا بتلك الإشارات الّتي يرسلها في بعض الهوامش كأن يقول “ولسنا ندرك المقصود بالقصيدة الحرّة والقصيدة الدّائرية فهل هي القصيدة المدوّرة الّتي كتبها الشّاعر العراقي حسب الشيخ جعفر؟ ” (هامش ص21 )
ويجب التنويه هنا بإضافه الجوة لتنظيرات أدونيس المتوزّعة في عدد آخر من تآليفه إلى البيانات المذكورة، مؤكّدا انشغال أدونيس بقضايا الإبداع ومراهنته على الحداثة الشعرية والفكرية، وما جمعه منيف موسى من كتابات نزار قباني، وذلك هو اجتهاد شخصي يسعى من خلاله أحمد الجوة إلى استكمال مشوار من سبقه في الدّعوة إلى التّجديد وخلق قارئ غير مألوف وإنشاء نص متمرّد يأبى الدّخول إلى بيت الطاعة. يقول أحمد الجوة في المقدمة: “آثرنا أن نضيف إليها ما اعتبرناه من جنسها، يشترك معها في رهانات أصحابها وأكبرها أن يكون الشعر حداثيا وطلائعيّا”.
ويخلص أحمد الجوة في نهاية بحثه إلى التّذكير بأهمّ المحطّات الّتي تناولها بالدّرس، فأكّد التزامه بتناول البيانات حسب “تواريخ إصدارها في النّصف الثاني من القرن المنقضي متتّبعا ما تطوّر من الرّؤى الجمالية لدى أصحابها وفي تجاربهم الإنشائية المخصوصة بالشعر أساسا”(ص173)
ولا تخلو خاتمة الكتاب من تعليقات وتصريحات حول المشروع التنظيري لأصحاب البيانات، فيرى مثلا أنّ أمين صالح وقاسم حدّاد “لم يكن نظرهما في التّجريب متوسّعا” (ص180) ثمّ استعرض أهمّ أفكار أصحاب البيانات الّتي تناولها بالتّحليل متجنّبا التطويل المملّ والإطناب الرّكيك واللّغة المقعّرة، وهو ما جعلنا نسمح لأنفسنا أن نعدّ هذه الخاتمة بمثابة قراءة نقدية فرعية مجملة تتناول بالتّلخيص القراءة الأصلية المفصّلة. ونعتقد أيضا أنّ الجوة قد راهن على أن يكون كتاب “البيانات الأدبيّة والرّهانات الإنشائية” بدوره كتابا لكلّ أصناف القرّاء: فيتناوله الأكاديمي الباحث المتخصّص الّذي لا ترضيه غير التفاصيل الدقيقة الموثّقة بهوامش وتواريخ والتعرّجات الوعرة فيشبع جوعه العلمي، ويتناوله أيضا القارئ المبتدئ الّذي يبحث عن الإيجاز في الأفكار والوضوح في المنهج فيبتدئ بالخاتمة لتفتح شهيّته وتنير سبيله ليعود في مرحلة موالية من مراحل البحث متفحصا ثنايا الكتاب ويفهم مغالقه متيقّنا من وضوح المسار.
* أحمد الجوة، البيانات الأدبية والرهانات الانشائية، قرطاج للنشر، صفاقس، تونس 2021.
أضف تعليق