كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الحكاية المريرة..

حسين علي يونس



كان الزمن يفتّت نفسه كرغيف من الخبز متجذراً في عدميته إلى أقصى ما يمكن.
لم يكن الفتى الوحيد الذي عاش في كنف أمّه الأعجمية، الوحيد
الذي جاء إلى العالم دون أن يتذكر شيئا عن ماضي أبيه الذي استوطن هذه الارض
التي غرست في داخله حكمه سدنة المعابد، الذين عاشوا بين ظهرانينا في البصرة القديمة
هذا الولد الذي كبر شانه واتسع وذاع صيته.
والذي أقوم الآن بجمع شعره، أنا إسحاق الوراق، اليهوديّ الساكن على ضفاف التقاء دجلة بالفرات
قرب (حانة النسر)، ومن الطابق الثامن، أكتب هذه الكلمات في ذكرى صديقي صاحب
المواهب العظيمة أبي نوّاس الساخر الذي يفتت قلبي رحيله والذي أكاد أسمع ضربات
يده على الدكة التي طالما كتب عليها قصائده وشرب عليها ما يعتقه صانع الخمور
مصدق المجوسي الذي ما فتئ ينشر درره علينا كلما کور نوروز بریقه باتجاه نسائم
الشرق قادماً من الأقاصي حاملاً إلينا أمجاد فارس التليدة، تلك التي ورثها في جيناته
المعلم الكبير صاحب الصنعة التي قلّما يجود بها الزمن ناظم الدرر معلم المعلمين
السيميائي الأول في الشرق، أبو نوّاس.
منذ سنين مضت كنت أسكن داخل مربع صغير ينزّ في الشتاء مياهاً تهبط علي كالقدر.
أما في الصيف فدرجة الحرارة فيه مرتفعة إلى درجة الغليان. أحيانا يأتي إلي
أبو نوّاس يقلب المخطوطات لينتقي منها ما يعتقد أنه يناسبه. تستهويه أشعار النسوة
وحكمهن. ينقب في كتب الغنوصية التي توسع مدرجات خياله وكتب الحكمة والفلسفة
وتكهنات اليهود تلك التي أتعب كثيراً في نقلها وتسويد نسخ منها إلى الاعيان.
يباغتني بحضوره الشبحي.
غالباً ما كان ينزل في فندق (الرمش).
يدفع ثمن منامه ويأتي ليقاسمني هذا المربع لأن صاحب الفندق يجعله ينام الى جوار
واحد من الحثالة مستثمرا حالة سكره التي لا تنتهي أبدا.
صاحب الفندق بالطبع لا يدرك معاناة أبي نوّاس حين يجعله شريك رجل لا يفرّق بين
خرقة المسح وبين قصيدة مكتوبة على رقعة ملطخة بدم القلوب
مثلما كان يقول
حين يكون أبو نوّاس غاطا في نومه موتّراً شخيره الى آخر ما يمكن.
– هؤلاء الحثالة سرقوا قصيدتي !
كان يصيح موقظاً النزل عن بكرة أبيه.
لقد بذلت فيها مجهوداً عظيماً !
يقول ابو نوّاس:
– الحثالة غير مهمين ولا يثيرونني. لكنني أتألم من سلوكهم أحيانا. لا اعتراض لدي على كونهم هنا. موجودون ويواصلون مسيرتهم التغوطية الكبرى.
انا نفسي من الحثالة ولكنني اقدر مزاياهم حين لا استثمرها بشكل مغلوط.
– اين ذهبت القصيدة؟ يصيح أبو نوّاس.
أمّا سارج الخيول فقد كان يقف مهمهماً ومتحيّراً. لم يكن يستطيع أن يمضي قدماً،
فطالما مارس البذاءة ولكنه لم يجرؤ على أن يجاهر بها بهذه الطريقة، فسلوكه لم
يكن يتعدى التسميات. أما هذا فقد نشر غسيله، وجعله يتذوق خراءه.
لم يكن يعلم أنّ ما عثر عليه هو قصيدة. ثم ما هي القصيدة؟ هل هي عصيدة؟
أردت أن أغسل مؤخرتي ولم أجد لديهم مياه. كان الخان خالياً من المياه، ولم يكن
بإمكاني أن أستل سروال أحدهم من أجل أن أتمسح به فعثرت على هذه الخرقة
بعد أن ضاقت بي السبل.
– أريد أن أطهر نفسي من خلال نبذي كل ما له صلة بها. أنا أتحدث أخيراً بكل
قوة متسلحا ببغضي وحده متجاوزاً الحدود الرومانسية التي كبلت حياتي لسنين
طويلة، يقول أبو نوّاس. أعتقد أنني أحتاج إلى شهور وسنين لتجاوز هذ المحنة.
توجد أشياء كثيرة في الكون تثقل عليّ، غير تلك التي تمسني في الصميم أشياء
أرغب بامتلاكها وأخرى يسرني أن اتماهى فيها أنا  الذي تعود أن يمد يده ليلتقط فكرة
عن المجاز بصرف النظر عن كوني كنت منشغلاً على الدوام بكتابة قصائد
عن جنان وعن مؤخرتها الذهبية .
حين كان الندماء يتجمعون تحت القاعة من أجل إماطة اللثام عن وجه الحياة الحقيقي
الذي سيظهر بعد ألفي عام من الآن، عبر دنّ من الخمر العائد لذلك المجوسي الذي عانى بضراوة . وعبر أحد أحفاد أبي نوّاس، الذي كان يسكر في حانة، ما الذي يمكن تذكره ومسكه في هذا العالم الصلب الذي يتفتت ويتفتت.
كنت ألمحه وهو يتنزه في أزقة البصرة الضيقة متجها صوب منزل المرآة التي كان واقعا في غرامها كان ثمة شيء يجره الى عتبة منزل المهلب ذي الاجراس
تغويه الحجارة الغرينية الحاضنة لتلافيف معدنها.
– حجارة نسجت من الحب،
كان يقول.
من كان يصدق أن هذا الرجل ذا النسيج المختلف كان يفكر بهذه الطريقة التي تكتنفها
أطياف لا نهائية من الشفافية وهو الذي عرف بحسه المادي في تصريف قضاياه من أجل أن يعبر الدنيا؟
هكذا ترسخت رؤيته لنا نحن الذين كنا نلتف حوله مقدرين حجم مواهبه وصدقه وطيبة
قلبه وحبه لتلك المرأة التي كانت تسخر منه غالبا لأنها كانت واقعية جدا ولا تعمل دماغها
في مجال الخيال مثل عاشقها الذي كان يحمل رؤى ومشاريع وإن كان مضطراً في أحايين
كثيرة إلى مخالفة ما يؤمن به في خضم فوضى حياته وثقل حاجاته الدنيوية التي تدفعه
لممارسة هذا الضرب من السلوك.
– كانت كل الدلائل تشير الى أنها ستحبني.
يقول أبو نوّاس.
لقد كان الرجل يشعر بالغربة المريرة التي ظلت تسحقه في عقر داره ولم يشأ مغادرتها
بعد ان انصرم عهد شبابه. أبدأ لم تستطع جنان أن تظهر تجاهه أدنى قدر من الحنو والعطف.
ربما كانت تشفق عليه أحيانا ولكنها ما كانت لتفعل ذلك دون أن يجاور لسانها جسرا من
البذاءة التي كانت تسبب له قدراً عظيماً من الحزن تعتقد أنها صاحبة فضل عليه لأنها
سمحت له أن يرافقها في طرق المدينة تلك التي كانت تمتد مثل أفعى سرمدية.
لا أقول شيئاً غريباً حين أقول أن هذه المرأة سحقت هذا الرجل لأنها سمحت لتزمتها
أن يسوطه عبر حياة استمرت عقداً، ولذا فلقد ضحت به بخفة غريبة تقترب من قسوة الجلاد.
وجدَته شفافاً فهجرته وهكذا كان العاشق الاسوأ على الاطلاق. عندما تتحول الكلمة الى
حشرة يصبح من الصعوبة بمكان السيطرة عليها وتظل تطن. لم يكن أمامه غير أن يبرأ
من لسعات حبه التي جعلته يخوض غمار تجاربه الخاوية الخالية من المعنى، حياته التي
كانت تسير على وتيرة واحدة تتعثر كنجمة في السماء الأبدية
كان يحدق فيها مراراً وهو يتجول مخموراً ساخراً ومدحوراً كقرن سلخ حياته:
– عاج الشقي على رسم يسائله، وعجبت أسأل عن خمارة البلد.
المشهد كله غير واضح. أبو نوّاس يغط في شخيره.
– دعنا نرحل يا أبا نوّاس! أمامنا رحلة شاقة ومتاعب يجب تخطيها.
إنهض يا رجل!
أطبطب على عمامته فيما يهمهم محركاً يديه
• دعنا ننام! يقول أبو نوّاس،
بينما النهار موشك على قرض نفسه.
نشد الرحال إلى بغداد أخيراً. وفي طريقنا الى بغداد نصادف كومة من اللصوص
الذين يجردوننا من ملابسنا ويتركوننا متّحدين مع الطبيعة.
لا أدري ما الذي جعلهم يتركون لنا عمامة الشاعر.
• لنتغوط عليها، يقول أبو نوّاس.
وفيما يدحرج هذه الكلمة ننهض صوب مشارق الارض.
ها نحن نقترب من هدفنا بغداد الشامخة والتليدة.
كان ابو نوّاس –الذي بعث حياً بعد قرون– شاعراً من الشعراء الجوّالين
الذين يمكن أن نلتقي بهم وهم خالي الوفاض منذ الأزل. ولأنهم لم يكونوا
يملكون اقل ما يمكن من الدراهم، فلقد كانت تنتابهم الأريحية التي قلما نجدها لدى مغوار.
كان كيس دراهمه يتدلى أبدا من أجل الأصدقاء، أولئك الذين قد لا يعرفهم فعلاً،
فهو سرعان ما يبدو أليفا وسخياً عندما يسمع رنة القدح وتتراقص أمام عينه أم الكروم، الخمرة السرمدية.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.