نجاح عز الدين
أن تربّي ابنك أو ابنتك فهذا ليس أمرا هيّنا. ولئن وكّلت تربية النّشء للنّساء فهذا فضل كبير لم يحظ به الرجال.
قديما وعلى عهدي كنت أرى والدي يخرج إلى العمل صباحا ولا يعود إلّا مساء. ولم يكن الرّجل حينها يعتقد أنّه مطالب بأكثر من ذلك. فتقضي أمّي يومها، تدير شؤوننا المادّية، والنّفسية، والدّراسية، وتسهر على تربيتنا بلا كلل ولا ملل. بل و تشعر مع ذلك بالتّقصير.
لم نكتشف أنها لا تجيد الكتابة والقراءة إلّا بعد زمن طويل. هي من أخبرتنا بذلك بعد أن اشتدّ عودنا ولم نعد في حاجة لنبرهن لها على مقدرتنا الدّراسية.
كانت المرأة تربي أطفالها بحدسها الفطري . فجيل السبعينات من النساء في بلدي، كان لهن إشعاع خاصّ، وللأمّهات ربّات البيوت الأمّيات دور عظيم في بلوغهن ذلك الشأو.
ومن يدّعي غير ذلك فليرجع إلى التّاريخ وسيتيقّن أنّ المرأة، ومنذ قديم الزّمان، لم تتوقّف أبدا عن أن تكون كائنا مجتهدا، وطموحا جدّا، وحتّى وإن أثقل المجتمع كاهلها، تبقى قادرة على الفعل والعطاء.
كانت أمّي على بساطتها وقلّة اختلاطها بالآخرين، تتقن فن التّحاور وتتمتّع بملكة الإنصات. وكان الهدوء شيمتها. غرست فينا حبّ العمل واحترام الذّات.
هي امرأة مختلفة لا تؤمن بالتعويل إلّا على الذات. ولم أرها يوما متذمرة، أو عاجزة. لطالما حثّتنا على الحلم ودفعتنا إلى تحقيق ما نطمح إليه. لم تكن أمّيتها حاجزا أمام انفتاح بصيرتها. قلبها كان يسع الجميع. كانت مختلفة عن بنات جيلها الخانعات، الخاضعات، الرافلات في الإذلال. منذ بدأت أعي هذه الحياة، لم أسمعها يوما تحدّثنا عن الزواج هدفا. هي لاتؤمن أنّ تجهيز المرأة يتمّ بالحلي والثياب، بل تصرّ على تسليحها بالعلم والعمل. ولم تلقّنا ما لقّنوها إيّاه في عشيرتها وعائلتها، ولا كانت ترى في الإناث همّا، ولا في تزويجهنّ حلّا. أتذكّر جيدا يوم خاصمت أمّي إحدى جاراتنا، لأنّها بادرتها بموضوع تزويجنا قائلة لها “يا مربي لبنات ياحامل الهمّ إلى الممات”. استشاطت غضبا. وهي تكرّر “بناتي لسن للزّواج، ولا همّ لي غير تعليمهنّ” وطردتها من منزلنا. وقاطعتها ردحا من الزمن. بل كانت تمقت كلّ من يجرؤ على الخوض في هذا الموضوع ولو على سبيل المزح أو الإحالة أوالتلميح، كان هدفها الأساسي، أن نتعلّم ونشتغل، وللأنثى مثل حظ الذكر. لا تفرّيق ولا تمييز. كانت ترى مستقبل أبنائها في الإقبال على العلم والنهل من منابعه المتنوعة. أما الزواج فتلك مسألة ثانية.
لم تكن أمي غير واحدة من نساء تونس اللّاتي قدّرن تعليم الأجيال وأدركن أنّه السّلاح الوحيد لإخراج الشعوب من المهانة والضنك. أما أما ماعدا ذلك فسبيله هيّن .
أضف تعليق