* حيزية فضة
جاءت قصيدة النثر لتعطي نسقا آخر للغة الشعرية متجاوزة بذلك كل مألوف ومتعارف عليه، حيث اللالغة، واللاوزن، واللاقيود.
وتُعد قصيدة النثر بعنوان (قراءة في كفّ الخطيئة) للشاعر السوري نبيل شوفان، المدرجة في كتابه الشعري الصادر حديثا بعنوان “الديوان الأخير”*، أول مشروع أدرسه في هذا السياق النقدي. وبعد القراءة بعمق في “الديوان الأخير” أدركت أنني بحاجة إلى مهارات إجرائية كثيرة لتحليل النص الشعري ضمن اتجاه قصيدة النثر، الأمر الذي دعاني إلى البحث عن كيفية تحليل وقراءة هذا النوع من القصائد ، وما صادفته هو وجود آليات جديدة لقراءة وتحليل شعرية القصيدة العربية، من خلال التحرر من القيود الاجرائية المحصورة في نطاق الخطاب النقدي العربي التقليدي الذي كان يتماشى مع شعرية القصيدة العربية التقليدية.
وبعد تشجيع مؤسسة “كناية” الثقافية المستقلة وإطلاق سلسلة الكتب الشعرية الجديدة تحت عنوان “القصيدة العربية الجديدة ما بعد النثر والتفعيلة”، والتي تهدف إلى تشجيع الشعراء على التعبير عن أنفسهم بحرية وإبداع، ودفع حدود الشعر المتعارف عليه الآن نحو آفاق جديدة، الأمر الذي شجعني على قراءة ديوان الشاعر المبدع نبيل شوفان، فجاءت دراستي هذه متحررة -نوعاً ما- من القيود الإجرائية للنص المدروس. وسوف أحاول فيما يلي أن أكشف عن مكمن شعرية نص جميلٍ من نصوص قصيدة النثر الذي أبدعه الشاعر نبيل شوفان وهي قصيدة (قراءة في كف الخطيئة).
** قراءة في كفّ الخطيئة (النص كاملا كما ورد في الديوان الأخير)..** (1)
تقول العرافة تدُسُّ تعويذتها بيدي: لا تتخل عن حقك بالحزن كوردة، بالوحدة كقمر/ بالحضور وبالغياب، بالحرية توأم الحب والحياة
لا تمت دون فضول العصافير الشجاعة، ولا تكن أرضيا تماما كما الأرضيّين يقدسون التمام/ لا يصدقون النبوءات/ لا يصلون المعنى، يتنهدون نحاسهم المترهل، لا يطلق اللحن كرعشة وترٍ يمتطي لغة حبال صوفيةٍ
لا يأخذهم تأثير الهشاشة بجنحين كجفنين يقنعان التفاح بالسقوط وامرأةً نون نسوتها نهد مقلوب وإعرابٌ عن ربيع مرفوعةً بكفين ضارعتين على ضفتي غيمة مسكونةً باللغز: أن تفك لغزها.
1. عنوان القصيدة:
أراد الشاعر الحصول على أكبر قدر من المعاني نستطيع أن نستخلصه من عنوان القصيدة: ” قراءة في كفّ الخطيئة” وهكذا يمكن أن يرى القارئ أن: العنوان عبارة عن تكوين لعدة معان مكثفة محتملة للقصيدة في ذهنه، ثم يمكن له بعد ذلك اصطفاء أحد هذه المعاني ليكوّن معنى القصيدة.
إن الشاعر يمنحنا فرصة عظيمة لخلق معانينا، إذ يُنشط عنوان القصيدة توقعاتنا فيما يتعلق بموضوع القصيدة، وطبيعة العالم الذي تقدمه، هذه التوقعات تتشكل نتيجة عملية ملء غموض المعنى وغرابته الذي يحدثه وجود استعارة مكنية، وعبر قراءتنا للقصيدة سوف نعدل توقعاتنا ونكيفها حتى نصل إلى -ما نراه- دلالة لعنوان القصيدة فيما بعد.
2. عالم القصيدة:
كل الدراسات التي تعودنا عليها تُفكك القصيدة إلى تشبيهات واستعارات وكنايات مستقلة بهدف مقارنة “عالم القصيدة” مع عالمنا وتصوراتنا التي نعيش بها، وما دون ذلك يُردّ إلى القوانين التي وضعناها لهذا العالم واعتبرناها في دائرة المجاز، وبذلك يتلاشى من بين أيدينا العالم الذي تسعى القصيدة لإنشائه، وتضيع منا فرصة مشاهدة عالم القصيدة في مواجهة العالم الواقعي، وهذه خاصية من خصائص قصيدة النثر التي تُعطيها بعدًا جماليًا اعتمدها الشاعر المبدع “نبيل شوفان”، لينقلنا من هذا العالم إلى عوالم أخرى كلما حاولنا البحث عنها عُدنا لنتساءل: أي العوالم هي التي يريدنا الشاعر مقارنتها بواقعنا؟
تقوم قصيدة “قراءة في كف الخطيئة على خلق عالم خاص بها في مواجهة العالم الحقيقي الذي نعيشه بكثرة الغموض الذي يعتريها من عنوانها إلى أن نفك لغزها في الأخير. إنَّ عالم القصيدة له منطقه وقوانينه المغايرة لعالمنا الذي نعيش فيه. ففي عالم القصيدة، “الخطيئة لها كف” ، و”الوردة حزينة” علينا أن نشبهها، و”القمر وحيد” وعلينا أن نشبهه أيضاً.. وعلى ذلك فالأفعال في القصيدة أغلبها مسبوقة ب(لا) الناهية الجازمة (لا تتخل، لا تمت، لا تكن، لا تطلق)، فالحوار في القصيدة عبارة عن نهي بصيغة النصح والتنبيه، ويتعمَّد الشاعر ذكر صاحب الكف التي تقرأه العرافة في بداية القصيدة ثم يختفي وتبقى العرافة تُسدي النصائح له دون أن يظهر، فتارةً أضع نفسي مكان صاحب الكف وتارةً أخرى أنسحب لأرى أن هناك من تحاوره العرافة ولكنه غائب في عالمه الخاص، الأمر الذي دفعني للغوص أكثر والبحث عنه داخل عوالم القصيدة، فمن هو صاحب الكفّ؟ لأنه وما توصلت إليه أخيراً أنَّ (قراءة في كف الخطيئة) إستعارة حقيقية تماما في إطار العالم الذي تقدمه القصيدة.
3. الصورة الشعرية:
التحرر التام من القافية والوزن:
نلاحظ عدم وجود قافية أو وزن منتظم في كل القصيدة، مما يعطي سلاسة وانسيابية في التعبير فالشاعر هنا سلط الضّوء على المضمون لا الشكل، مزيَّنة بإيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، مرتكزةٌ على الألفاظ وتتابعها، وعلى الصورِ وتكاملها مثل: (لا تتخل عن حقك بالحزن كوردة، بالوحدة كقمر/ بالحضور وبالغياب، بالحرية توأم الحب والحياة)، يقول “أنسي الحاج”، أحد أهم شعراء قصيدة النثر: “لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثرية أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز، والتوهج، والمجانية”(2)، وتلك الشروط الثلاث توفرت في قصيدة:” قراءة في كف الخطيئة” فهي قصيدة موجزة ومتوهجة ومجانية، أبدعها شاعرنا مثلما أبدعت العرافة في قراءتها لكفّ الحياة، فغصنا في معانيها لفك شيفراتها وألغازها فكان علينا أن نعيشها بكل بساطتها المعقدة.
4. التركيز على اللغة والإيقاع الداخلي:
نجد الإيقاع الداخلي كقيمة أسلوبية وصورة فنية جمالية، يضفي على نص القصيدة حالة جمالية وظفه الشاعر لتأكيد فكرة بعينها، فلقد عمد الشاعر تكرار “اسلوب النهي لغرض التنبيه والتحذير” ما خلق إيقاعًا داخليًا مميزًا وعزَّز الشعور بالحيرة والغموض.
5. الاعتماد على الصورة الشعرية:
توجد صور شعرية واضحة، فالقصيدة لا تخلو من المجازات التقليدية مثل التشبيه والاستعارة التي تؤسس للخيال الشعري. إذ أنها مغرقة في الخيال من بداية عنوان القصيدة إلى نهايتها. استخدم الشاعر لغة شعرية مكثفة مثل التشبيهات (الحزن كوردة، بالوحدة كقمر، كما الارضيين، كجفنين، كرعشة) كل هذه التشبيهات أعطت للقصيدة عمقاً معنويا، بالإضافة الى عنوان القصيدة الذي كان استعارة مكنية شبه فيها الخطيئة بالإنسان ولقد استخدم الشاعر الاستعارة المكنية لنقل الإحساس بعمق ولأجل الوصول للأفكار المجردة، ما يؤدي إلى تعزيز فعالية القصيدة النثرية المكتوبة بشكل كبير، مما وفر لنا تجربة أكثر جاذبية وذات مغزى.
6. البنية المفتوحة:
ساعد تكرار أسلوب النهي وتكراره على خلق بنية مفتوحة تسمح للقارئ بالتأمل والتوسع في المعنى، وهو ما يبحث عنه القارئ داخل القصيدة (البحث عن المعنى) ومحاولة إزاحة بعض الغموض ليتجلى المعنى الحقيقي لقصيدة “قراءة في كفّ الخطيئة “.
وختاما، فإنّ قصيدة (قراءة في كف الخطيئة) هي تجربة شعرية فريدة اعتمد فيها الشاعر “نبيل شوفان” على اللغة والإيقاع الداخلي والصور الشعرية لخلق تجربة جمالية غنية، إذ تميزت بحرية التعبير وغموض المعاني، مما جعلها تجربة مفتوحة للتأمل والتفسير، وانا عن نفسي سعيدة لدراسة قصيدة النثر الرائعة هذه. وهي أول تجربة لي، وهنا أتذكر ما قاله الأستاذ (حكمت الحاج) في بيانه الشعري المشار اليه: “في عالم يختنق بالصمت، وتكون الكلمات غالباً مكبوتة، يصبح الشعر مصباح الأمل، وصوت الصمت الصاخب. إنه من خلال قوة الشعر يمكننا أن نتحرر من قيود التشابه، ونعبر عن أعماق أرواحنا. الكلمات لا تريد ان تموت، ولكن من خلالكم ومن خلال أشعاركم، ستجد الكلمات الحياة.”(3) وهو بالضبط ما وجدناه في قصائد الشاعر المبدع نبيل شوفان من تعبير عن أعماق أرواحنا في عالم يختنق بالصمت.
الهوامش:/
(1) نبيل شوفان، الديوان الأخير، قصائد نثر، منشورات كناية 2024 ستوكهولم.
(2) أنسي الحاج، لن، دار مجلة شعر، بيروت- لبنان، ط2، 1963م، 38.
(3) حكمت الحاج، البيان الشعري *القصيدة العربية الجديدة ما بعد النثر والتفعيلة*، الحوار المتمدن،
22/2/2024،https://m.ahewar.org/s.asp?aid=821207&r=0
16:30م، ٢٨/٧/٢٠٢٤.
أضف تعليق