كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

رواية “دم الثور: الباب المفقود من كليلة ودمنة” بين رواية الرحلة وأدب الرحلة..



عواطف محجوب



يُعرّف أدب الرحلة على أنّه صنف إبداعي ينقل أحوال الأقوام والأمصار من نواحي التاريخ والجغرافيا، الحضارة والسياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة. فمن خلال مدونات أدب الرحلة يمكن التعرّف على الشعوب أفكارهم وأخلاقهم وطرق عيشهم وتأسيسهم لمجتمعاتهم وبلدانهم. ولزمن قريب يعد هذا النوع الأدبي هو المصدر الأول للحصول عن معلومات  دقيقة عن الجغرافيا البعيدة والتي لا يبلغها سوى رحالة متمرّس. نذكر هنا على سبيل المثال هيرودوت (484 ق.م- 426 ق.م) ابن بطوطة (1304-1377) المسعودي (896- 957) وغيرهم من الرحالة الذين وضعوا كتبا تؤرخ لرحلاتهم وتوثق ما رأوه وما مرّوا به.
ولقد عُرّفت الرحلة على أنها انتقال من مكان لآخر لغاية معينة يحددها الرحالة مسبقا قد تكون مادية وقد تكون معنوية، وبمعنى آخر الرحلة هي سفر يمكن المسافر من تحقيق فوائد شخصية إضافة إلى مشاهدة الوجهة المقصودة من جوانب كثيرة بقصد المعرفة والإكتشاف.
ارتكزت رواية “دم الثور الباب المفقود من كليلة ودمنة”1 للكاتب نزار شقرون على حدث رئيسي وهو الرحلة التي قام بها باحث في التراث، إلى العراق، فكانت هي المحفز لسير الأحداث نحو التعقيد والتوتر، ولولاها لما اجتمعت شخصيات من بلدان مختلفة ولا توافقت أهواءها ولا تقاطعت أهدافها.
تبدو الرحلة واقعية نظرا لتوفّر أركانها كاملة: الرحالة المرتحل وهو البطل، باحث تونسي في التراث له منصب علمي جعله يحظى بدعوات للمشاركة في مؤتمرات علمية، تصحبه ثلاث شخصيات أخرى كل منها لها بصمة معينة في سيرورة الرحلة. المكان الوجهة بلد العراق وعاصمته بغداد مكان جغرافي حقيقي من بلدان الشرق الأوسط. الزمان أو التوقيت فترة الحصار الأمريكي على العراق في سنوات التسعينات. هدف الرحلة والدوافع، الهدف الأساسي هو المشاركة في بعثة علمية والإسهام في استكشاف تراث العراق، بالإضافة إلى دافع سياحي ثقافي للتعرف على بلد جديد لم تسبق زيارته والإطلاع على ثقافته، ودافع سياسي وهو المشاركة في مناسبات تنظمها مؤسسات الدولة لفتح جسور ديبلوماسية وتوطيد العلاقات وتبادل الآراء والخبرات، كذلك هناك دافع ذاتي وهو هروب البطل من حقيقة فشله كزوج وربّ أسرة وبحثه عن مغامرات عاطفية عابرة، لينزاح كل ذلك نحو البحث عن مخطوط  في لحظة مكاشفة نظرا لوجود علامة مشتركة بين البطل وشخصية مصاحبة.
فهل تكون هذه الرحلة مبررا لتصنيف رواية دم الثور ضمن أدب الرحلة؟
ومن أجل البتّ في تصنيف الرواية قمت بمقارنة بين رحلة التيجاني2 وهي رحلة من أدب الرحلة، وبين الرحلة في رواية دم الثور، ووقفت على النقاط التالية:
1/ إن الرحلة في أدب الرحلة هي رحلة واقعية، أي أنها رحلة فعلية وواقعية ينتقل فيها الرحالة إلى وجهات وأماكن حقيقية يحرص على ذكر أسمائها ويبذل فيها جهد فيزيائي ومادي. فلقد انطلق التيجاني في رحلته بتاريخ معلوم ومحدد أواخر جمادي الأول من عام 706 هجري الموافق لشهر ديسمبر 1306م من تونس العاصمة إلى طرابلس مرافقا أحد الأمراء الحفصيين مارا بالمناطق المتاخمة للعاصمة رادس ومرناق… وبمدن وقرى الساحل هرقلة سوسة المنستير… معرجا على صفاقس وأهم مدن الجنوب قابس جربة مطماطة الجريد وغمراسن وصولا إلى طرابلس. أما الرحلة في رواية دم الثور فتاريخها غير دقيق فقط حددته سنوات الحصار، يوهمنا كاتبها نزار شقرون بواقعيتها، والحقيقة فيها أنها رحلة أمّنها خياله كروائي، وما ذكره للعراق وعاصمته بغداد إلا من أجل زيادة التأكيد على الواقعية المتَخَيلة، خاصة أنه لم ينتقل بين مدن العراق بل اكتفى بأماكن معينة من العاصمة بغداد مرتبطة بدوافع رحلته أو ما فرضته تطورات الأحداث في الرواية. وإذا ما بحثنا عن بلد يعيش ظروفا شبيهة بتلك التي عاشها العراق، فمن السهل الانتقال إليه وتغيير الأسماء دون حصول خلل في بناء الرواية ولا الرحلة داخلها.
2/ تظهر خاصية الذاتية في أدب الرحلة من خلال ذاتية تجربة الرحلة، حيث يقوم الرحالة بتدوين رحلته بنفسه ويثبت السبق كرحالة وككاتب مدون وسارد، أي أنه الراوي العليم بلا منازع ويعتمد على ضمير المتكلم أساسا بالتوازي مع تركيزه على الآخر فردا وجمعا. يقول عبد الله التيجاني في مقدمة كتابه رحلة التيجاني وهو يعلن عن ذاته كمرجعية للرحلة: “هذا تقييد يشتمل على وصف ما شاهدتُه في هذه السفرة”. حيث أن عملية التدوين لديه تعتمد على ما شاهدته عينه وما سمعته أذنه وما حفظته ذاكراته  وما عرفه من معلومات وأخبار، في حين أن الذاتية في رحلة رواية دم الثور هي عملية بحث عن الذّات، البطل الراوي فيها منفصل عن السارد وعن الكاتب الروائي، وما اعتماده على ضمير المتكلم  إنما هو كتابة للذات ومراقبة لها وارتحال من أجل إيجادها والتصالح معها، ويظهر ذلك من خلال التأملات والتداعي الحرّ والهواجس والاسترجاعات في ردهات متفرقة من الرواية، يقول الروائي نزار شقرون على لسان البطل المتكلم: “لا أخفي أنني أؤمن بالتوجيه الغيبي!… كل ترحالي توجيه، أسفاري بحثا عن القدامى، نسياني للحاضر كأنني في غيبوبة تامة… لا أعرف هل كنت أطارد قدري أم قدري يطاردني، ولا أدري إلى أين أتجه. ص139”
3/ توفر الرحلة في أدب الرحلة مادة وفيرة، وتعتبر مرجعا وثائقيا ينقل بدقة كل ما يصادف الرحالة في هذا الإطار يقول عبد الله التيجاني في مقدمة رحلته: “هذا تقييد يشتمل على وصفه ما شاهدته في هذه السفرة المباركة من البلاد مضمن ذكر أحوالها وصفاتها وبيان طرقها ومسافاتها والإشارة إلى مفتتحيها وبنائها وأحوال من اشتملت عليه من أصناف العوالم وما يتميز به كل بلد من الآثار والمعالم  نتشوف إليه، ويتشوق إلى الإطلاع عليه”. حتى أن المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب وصف هذه الرحلة قائلا: “إنها مرآة صقيلة تتمثل في صورة البلاد” أي أن  كل رحلة هي انعكاس للبلاد بما تنقله عن تركيبة السكان وطبيعة المجتمع ثقافته ونشاطه الاقتصادي، تاريخ البلد وتفاصيل جغرافيته ونباته وابداعات مشاهيره وحكم رجالاته. أما الرحلة في رواية دم الثور فتناولت أحوال العراق أيام الحصار بطريقة مبسطة، واكتفت بنقل مختصر لمعلومات عامة معروفة  تناقلتها تقارير اعلامية سابقة قام أصحابها برحلة فعلية، نذكر في هذا السياق الموجز الخبري التالي: “فقد لحق الدمار بستة متاحف ومعالم عراقية وأسفر القصف الجوي عن خسائر فادحة لا تقدّر بثمن، كما دمرت مكتبة المتحف العراقي واحترقت المخطوطات التي لم تكن تهتم بحضارة العراق فحسب بل وبكل الحضارات الانسانية، ودمرت مواقع مهمة مثل مبنى القشلة الأثري، ونال جزء من المدرسة المستنصرية، التدمير في محافظة ذي قار، في البصرة، في كل جزء من العراق. ص74” وهذا ما يؤكد أكثر أن الرحلة في رواية دم الثور هي نشاط تخييلي يستند إلى مؤشرات واقعية معلومة من الكلّ، حتى أن الزيارات إلى المعالم الأثرية يسردها البطل كحدث عادي ولا ينقل لنا مما شاهده إلا القليل يقول في صفحة 112: “قضيت صباحاتي برفقة بعض أعضاء البعثة نهيم من معلم أثري إلى آخر وكل واحد منا يسجل في دفتره ملاحظاته ويدقق التواريخ ويرصد العناصر المعمارية لكل معلم… كانت أغلب المعالم التي زرناها دينية اسلامية … جوامع تغلب عليها القباب والمآذن، بعضها مزين بالكاشي الملون، وبعضها مشيد بالآجر والجص، ولها حلية زخرفية، لكن أغلبها نالت منه الرطوبة ونقص الصيانة.” وبذلك لا يمكن لهذه الرحلة أن تكون مرجعا تسجيليا وثائقيا لأن ذكر المعالم جاء عاما لا تفصيل فيه لتاريخها ولا لخصوصيتها.
4/ تغلب النزعة المادية على الرحلة في أدب الرحلة حيث تركز أساسا على الطبيعة ومظاهر البنيان والانجاز والحروب وكل ما يتصل بالتاريخ والحضارة، فهي إذا رحلة مكانية ترصد كل ما اتصل بالمكان، على سبيل المثال نذكر ما أورده عبد الله التيجاني في وصفه لهرقلة صفحة 24 حيث يقول: “… القرية المعروفة باهريقلية وهي قرية كبيرة  تقع على سفح جبل مشرف على البحر وأهلها يزعمون أنهم من العرب، وبهذا الموضع الذي نزلنا به كانت الوقيعة بين أيوب بن خيزان الزويلي النكارى أحد قواد أبي يزيد وبين بشرى الصقلبي…” في حين أن الرحلة في رواية  دم الثور هي رحلة معنوية ذات طابع نفسي ترصد الانفعالات وردود الأفعال، وتبحث عن معنى أو قيمة مفقودة بطريقة أعمق وأشمل أكثر من وصف مدينة وما يرتبط بها من تاريخ وجغرافيا وثقافة وحضارة وأن كل ما يحدث عابر مقارنة بما يعتمل في الدواخل، يقول عن ذلك صفحة 122: “لم يدر بخلد طه أن البصرة ستفاجئه بما لم يكن ينتظر.الإحساس بضياع الانسان  وعبث الوجود  ومفارقات الحرب، خلقت في وجدانه كآبة لا حد لها.”وهنا يلوح جليا أن نقل الانفعالات ورصد العواطف لحظة إتصالها بالمكان أعمق بكثير من الأحداث المحفزة لها.
5/السرد: يأتي السرد في رحلة أدب الرحلة خطيا مسترسلا، ويخضع لتراتبية الانتقال المكاني بدرجة أولى، أي أن الموقع الجغرافي هو الذي يضمن الإستمرارية إلى حدود النهاية. في رحلة التيجاني بدأ السرد من نقطة انطلاق الرحلة من تونس العاصمة متتبعا مسلكا خرائطيا امتدّ حسب الترتيب عبر رادس فحمام الأنف ، مرناق ثم منزل باشو، صلتان فهرقلة ثم سوسة، المنستير وبعدها الوردانين ، الجم فقرقنة ثم صفاقس، جبنيانة لبيدة المحرس فقابس ثم جربة بعدها الحامة، الجريد فغمراسن، زوارة وزنزور وأخيرا طرابلس. ولقد استمر مسترسلا إلى حدود نقطة نهاية الرحلة في طرابلس ومع انتهاء الرحلة وعودته إلى تونس  خصص حديثا مطولا للمهدية. أما السرد في رحلة رواية “دم الثور” فهو سرد متقطع أو متناوب فيه تفرعات كثيرة إضافة إلى الاسترجاعات والمونولوج وكلها لا تتكلم عن الرحلة في حد ذاتها بل هي أحداث ومواقف  ماضية استدعتها لحظة حرجة أو لحظة إدراك أو لحظة فراغ حسب الحالة التي توجد في خضمها الشخصية البطلة.
من خلال هذه المقارنة بين الرحلة في أدب الرحلة والرحلة في رواية دم الثور نستخلص أن الرحلة الأولى لها قيمة علمية وأدبية باعتبارها مرجعا وثائقيا يسرد معلومات ويثبتها، أما الرحلة الثانية فلها قيمة أدبية إبداعية كل ما فيها مبتكر ومستنبط وتطوّع بعض المعلومات الحقيقية من أجل لعبة التخييل التي توهم المتلقي بواقعية ما ينتج عنها باعتبار أن الكاتب هو ابن الواقع المعاش ولا يمكن تجاهله كليا. وبالتالي نقول أن رواية دم الثور لا تُصنف أثرا من أدب الرحلة بل هي رواية رحلة بامتياز، وما إستعانة الروائي نزار شقرون ببعض ملامح أدب الرحلة إنما هو رغبته بتأكيد الطابع الواقعي إلى جانب انضمامه إلى ركب التجريب الذي يتيح انفتاح الأجناس الأدبية على بعضها البعض.
تكمن قيمة الإنجاز في رواية دم الثور أن كاتبها حين اعتمد على فكرة البحث عن مخطوط لم يطرحها بطريقة مألوفة تقليدية، بل أنه استعاد كتاب ينتمي إليه ذلك المخطوط، واختياره لكتاب كليلة ودمنة لم يكن اعتباطيا بل خطة مدروسة تكشف صنعته كروائي متمرس. قدم الكاتب نزار شقرون قراءة في كتاب كليلة ودمنة بطريقة المنطق والنتيجة، حيث استعرض تاريخه وبسّط فكرته ثم أوّله بطريقة معاصرة ووضع له فرضيات جديدة، وبذلك ضمّن رحلة الكتاب داخل رحلته إلى العراق، وتحولت الرحلة إلى بحث إبداعي في سبب موت ابن المقفع الذي لم يكن راضيا عن المنظومة السياسية في زمنه. حتى أن الروائي نزار شقرون يرى كتاب كليلة ودمنة منقوصا طالما ترجمه ابن المقفع، فالمُعارض السياسي لا يخاف الصدح برأيه، وما غياب الجزء الذي يتحدث عن قيمة العدل ما هو إلا صنيعة صاحب السلطان لأنه يخاف على منصبه من ثورة العامة إذا ما تحققت. وإيمانا من الكاتب بأهمية تلك القيمة، كتب  الباب المفقود “ثأر بندبة” على طريقة ابن المقفع. ويعد ذلك انجازا في نفس الوقت هي إشارة إلى أن كل كتب التراث شهدت زيادات وضمنت أجزاء على مرّ العصور.
هوامش:/
1/ دم الثور (الباب المفقود من كليلة ودمنة) رواية للكاتب التونسي نزار شقرون صدرت سنة 2019 عن دار الفارابي ببيروت ودار الوتد بقطر.
2/ رحلة التيجاني كتاب ألفه أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد التيجاني في القرن الثامن هجري، يوثق لرحلة الكاتب من تونس إلى طرابلس أثناء مرافقته لأحد الأمراء الحفصيين خلال توجهه لأداء فريضة الحج عام 1306.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.