حسين علي يونس
حسب تعريف انتوني بيرجس فإن “الناقد ، هو ذلك الذي لا يملك موهبة كتابة الشعر أو الرواية”. ونحن نعتقد بوجهة نظر بيرجس ونوسعها قليلاً: إنه ذلك الذي يلجأ إلى وجهة نظره الشخصية التي يسطرها على الورق، عن طريق قراءته للشعر والرواية، مع إمكانية توسعه على جسد الفنون. وإذا أراد أن يرتقي بنفسه فإنه سيتجه إلى التفكير في اللغة والمعنى، بعيداً عن شعلة الأجناس العزيزة على محتكريها، من أجل أن يكون مفكراً أو فيلسوفاً، وسيكون عليه بذل مجهود أكبر، من أجل أن يحظى بهاتين التسميتين (مفكر) أو (فيلسوف) وسيضع لنفسه منهجاً ونظرية، وسيبدأ عندئذ ، بتهشيم وجهات نظر غيره، وإلا فما قيمة أن تكون في توافق مع الآراء السائدة والمناهج السائدة؟
أن تسيء قراءة الأسلاف، هذا كان مساراً ومنهجاً لكل الذين عملوا في مجال الفكر، أولئك الذين كانوا من العيار الثقيل أو من هم دونهم في الوزن ابتداءً من فيخته، وهيجل، وماركس، ونيتشه، نزولاً إلى ادرنو، والتوسير، وهبرماس، وميشال أونفري، وبيتر سلوتردايك… إضافة إلى صاحب هذه الجملة الرائعة بول ديمان .
الناقد الحديث تكفيه نظرية في المعرفة ودراسة الألسنيات، هذا إذا كان على شيء من الصلح، مع بعض من نظريات ماركس في المادية التاريخية ونظريات فرويد في العصاب حاله حال دريدا، وفوكو، وشتراوس، وبارت، وتيري ايغلتون، وليريس، وبلانشو ، ولآكان، وكرستيفا.. أما إذا كان لا يحبذ هذين المفكرين (ماركس وفرويد ) فإن مهمة الناقد، ستكون عويصة حقاً وبالتالي فلابد من أن يعود إلى هيجل صعوداً، وسيكون عليه عندئذ أن يضع نظرية في التاريخ من عندياته، وأخرى في الروح، وثالثة في الطبيعة، وهذه مهمة مستحيلة، أصبحت من مخلفات الماضي التليد للفلسفة، وفي ضوء التفرعات الكبيرة في العلوم، والثورة الهائلة في التقنية .
فما الذي تبقى للناقد عندنا إذاً؟ أن مهمة النقاد لدينا، لعويصة حقاً، خاصة إذا كانوا يعيشون بين ظهرانينا ، فحسب هذه المقدمة، فإن النقد يجب أن يمس البنى الثلاث، وهن مما لا يسمح بمسهن أبدا،ً التابوات الثلاثة (الجنس، الدين، السياسة).
نتحدث هنا حصرا عن نقد وناقد ونقاد يعيشون بيننا ويمارسون نشاطهم النقدي وفق هذه الضوابط القاتلة، وضمن هذا الثالوث، الذي يفرغ المادة والخطاب من جوهريهما ليصوغ لنا بنية معرفية خالية من المعنى ، مثبتة لـ (اللامعنى الذي يسمح به، الذي ينتج لنا في المحصلة النهائية ، ناقداً فراغياً يحاور اللاموجود واللاممكن..). فعلى وفق هذه الاشتراطات كما هو واضح من المستحيل أن نتحدث عن ناقد من الطراز الثقيل.
يوجد لدينا نقاد من الدرجة الرابعة يعملون في مجال التحليل والوصف البلاغي وعملهم مرتبط بما كان وليس بما هو حاضر وسيكون. ينشطون في مجال الترجمة، وفي مجال الانشائيات، ولا يقدمون افكارا، وليتهم يظلون منهمكين في المجال الأول، مجال الترجمة فذلك أجدى وأنفع.
كما يمتاز النقد عندنا بكونه ذا صفة أيديولوجية أولا،ً ودوغمائيا ثانياً، فممتهنو الكتابة النقدية ، ولله الحمد من قبل ومن بعد يأخذون بالطابع الإنشائي لذلك تجدهم منشغلين أبداً في مجال البلاغة إلى درجة الإسفاف. إذا ما أطروا أحداً فإنهم يطرون أصحاب الخطابات المتهافتة، وهم إجمالاً مع السطحي دائماً والسائد متبنين لغة المجاز قدر الإمكان مغربيين حين يجب ان يكونوا في الشرق، ومشرقيين حين يتطلب الوضع ان يكونوا في الغرب، لغتهم غير واضحة، وعندما يقولون واحداً فإنهم لسبب ما يقولون اثنين وهكذا دواليك.
لا أخفي سراً عندما أقول إنني حين أكون مبتئساً ويائساً وبحاجة ماسة إلى الضحك، فإنني ألجأ إلى نقادنا هؤلاء كثر الله من أمثالهم ، فهم مهرجون إلى درجة الكمال، ومضحكون بضراوة، ويتخبطون داخل متاهات خطاباتهم التي لا رأس لها ولا ذنب ويأتون بالأعاجيب من الاستهلالات والجمل الطنانة الخالية من المعنى، والمناقضة لما قبلها وما بعدها، أحدهم يستهويه “العقم الخلاق” وآخر يتحدث عن النص ، كما يتحدث عن حرامي يخاتل تابعيه. قرأت الكثير من كتب النقد المترجمة و الموضوعة ووجدت الكثير من الابهام والتعارض بين طيات ورق تلك الكتب التي سفحت فيها جرار من الحبر و لم استفد الا النزر اليسير من تلك الكتب التي كتبت او ترجمت بشكل رديء لهذا تتبعت نصيحة رولان بارت في تعداد انواع القراءة التي تبدأ من العنوان المقدمة الفصل الاول اذا وجدت الكتاب جيدا مضيت قدما بتلويث اصابعي بحبره ، اذا وجدته غثا دفعته لفم اقرب حاوية ووضعت لحياته نهاية.
أضف تعليق