كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

ندوة فكرية بمدينة أكودة التونسية حول كتاب الوصل بين الضفاف للدكتور توفيق بن عامر..



أنور بن حسين



     في إطار عمل تشاركي ونوعي نظمت جمعية راجح إبراهيم للبحوث والدراسات ودار الثقافة بأكودة وجمعية المواطنة والعمل التطوعي ندوة فكرية يوم السبت 22 جوان 2024 بقاعة المؤتمرات ببلدية أكودة للاحتفاء بكتاب “الوصل بين الضفاف” للدكتور توفيق بن عامر بمشاركة الدكتور المنصف بن عبد الجليل العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة والدكتور عبد الجليل سالم والأستاذ المبرز جلال بن سعد ونشط فقرات الندوة الأستاذ عادل العكرمي وبحضور السيد بدر الدين القلي معتمد أكودة. وواكب فعليات الندوة حضور متنوع جمع بين رجال التربية واعلاميين ونشطاء بالمجتمع المدني.
     والوصل بين الضفاف هو كتاب صدر في بداية سنة 2024 عن دار أمينة للنشر ويحتوي على احدى عشر مقالا توزعت على أربعة محاور وهي في الأدب والنقد وهذا المحور ضم مقالين “لماذا نقارن وكيف؟” و  “بين طه حسين وتوفيق الحكيم”، أما المحور الثاني فكان حول المرجعيات والغايات في الفكر النقدي، وتضمن المحور أربع مقالات في الفكر والمعتقد وهي كالآتي التأويل بين القدامة والحداثة / الفكر المقاصدي وأفاق المستقبل / الفقه والفن / بين الديني والسياسي / أما المحور الأخير فكان في الحضارة والتاريخ وشمل هذه العناوين: العلم بين المشافهة والتدوين / من العبودية إلى الحرية / التصوف في تونس من الحضور إلى الفلكلور / بين المسبق والمسقط في أيام محمد الأخيرة. وهذه المقالات جمعت بين رؤى مختلفة بل إنها ربطت بين كل ما هو أصيل وما هو حداثي وبين ما هو فكري وما هو أدبي وفني وبذلك فإن الكتاب يلخص تجربة الدكتور توفيق بن عامر ورؤيته الشمولية للمعرفة.
     كانت المداخلة الأولى للدكتور منصف بن عبد الجليل الذي استهل تقديمه بطريقة احتفائية معتبرا أن الكتاب إضافة للمكتبة التونسية وللمعرفة وأكد على الفوائد التي يمكن ان يقدمها الكتاب وقدم لمحة عن مؤلفات بن عامر ليبين موضع الكتاب من مؤلفاته باعتباره أكاديميا مختصا في مجال الفكر الإسلامي الكلاسيكي. وذكر د.بن عبد الجليل أن الكاتب في مرحلة من حياته انكب على دراسة التصوف الذي يعتبر متنا صعبا حيث كان الدكتور بن عامر أستاذ التصوف بالجامعة التونسية بالإضافة إلى انه أطر عددا كبيرا من الاطروحات التي تنصب في هذا المجال وهذا التخصص حمله على تأسيس الجمعية الصوفية وهو من القلائل الذين خرج بهذا الطرح من أسوار الجامعة التونسية ليبث روحا في الشأن الثقافي ليصبح التصوف تجربة روحية يمكن تناولها من زوايا مختلفة والتي يمكن أن تترجم في الاخلاقيات العامة والاجتماعية. وهكذا فإن كتاب الوصل بين الضفاف يندرج ضمن ما يتدرج إليه الكاتب بعدما استقرأ الكثير من الجوانب في التاريخ الإسلامي وأصوله.
      قدم المداخلة الثانية الدكتور عبد الجليل سالم ويقول أنه عندما قرأ الكتاب المحتفى به المتكون من أربعة محاور والواقعة في احدى عشر مقالة هي في الحقيقة تعكس شخصية المثقف والجامعي توفيق بن عامر وتلخص لنا جماع فكره وتكوينه وتكشف لنا اهتمامه بالحضارة العربية الإسلامية في قرونها الخمسة. ويضيف د. عبد الجليل سالم أن الثقافة المكتوبة لا تعكس لنا حقيقة العقل الإسلامي العربي كما اصطلح عليه محمد عابد الجابري وبذلك فإن النظرة الشمولية للمعرفة يمكن أن تفسح المجال لمزيد التعمق في البحث عن الحقائق التي تتجدد مع كل عصر. ويعتبر أن الدراسات التي قام بها صاحب الكتاب ترقى إلى الدراسات التي قراناها لأكبر منظري الثقافة الإسلامية في العالم العربي وبين أن ميزة بن عامر في رصانته وتوازنه وصرامته العلمية وتمثله لأطروحات متناقضة ومتقابلة وقدرته على معالجة هذه الأمور الفكرية بكثير من التقنية والصرامة العلمية والحرفية الأكاديمية وقدرته على طرح هذه الإشكاليات بكثير من الموضوعية والحياد. فهو يريد أن يقول لنا إذا شئت أن تنظر إلى الفكر العربي نظرة موضوعية عليك أن تنظر إليه في كليته وشموليته لا أن تنظر إليه مجزأ بمعنى أن ثقافتنا العربية الإسلامية كما شكلها الأدب والشعر واللغة شكلها كذلك الفقه وعلم البيان وشكلها كذلك التصوف والفلسفة.
     أما الأستاذ جلال بن سعد فقدم المداخلة الأخيرة التي تراوحت بين ومضات من حياة د.بن عامر ونشأته وبيئته وتأثير ذلك على مسيرته الفكرية والعلمية حيث قدم الأستاذ بن سعد لمحة عن حياة والده وناس بن عامر رحمه الله وذكر أنه رجل زيتوني وحداثي وأعلن جلال بن سعد عن نيته لتأليف كتاب عن شخصية وناس بن عامر المناضل والمثقف وعن اشعاعها المحلي بمدينة القلعة الكبرى وجهة الساحل التونسي والذي سيصدر في شهر مارس من السنة المقبلة. وتناول الأستاذ بن سعد الكتاب من خلال ما يمكن أن يحصل من فوائد بعد القراءة وعنون مداخلته “ما بعد القراءة” واعتبر أن ما قدمه د.بن عامر في كتابه الذي يراوح فيه كاتبه بين الحجاج والتفسير يدفع القارئ على تجاوز القضايا المطروحة وإلى النظر في المنهج وطريقة تفكير الكاتب لأنه كتاب اطروحات ولأن صاحبه فيلسوف حضارة.
     وفي نهاية الندوة تقدم الدكتور توفيق بن عامر بالإجابة عن جملة من الاسئلة طرحها المتدخلون من الحضور. فهناك من تساءل عن التأويل ما بين القدامة والحداثة وأعتبر د.بن عامر أن الحقيقة لا توجد في النص فقط، الحقيقة انصاف بين النص وقارئه وينهما ينشأ الفهم، فكلما غيرنا القارئ يتغير المعنى وهذا ما تعنيه النسبية فلا أحد يمتلك الحقيقة كاملة لأنها متغيرة عبر الزمن والأصلح هو الوجود لا الماهية فقضية الشيء ليست في ماهيته ولكن في وجوده لأن الزمن يغيره بما أنه يوجد في لحظات مختلفة.
أما في رده عن تدخل في خصوص رؤيتنا للإرهاب وكيف يعتبر الغرب من يدافعون عن أراضيهم بالإرهابيين وذلك بالإشارة الى ما يعانيه قطاع غزة من ظلم وجور في الوقت الراهن. يرى د.بن عامر أنه من الضروري أن ننظر للموضوع بأكثر عمق وأن نطرح السؤال التالي: كيف يتشكل الحق؟ وأي مشروعية للحقيقة؟ فهناك جهة تسمي هذا الحق في الدفاع عن النفس إرهابا من خلال قناعة راسخة بأنها أرض الله الموعودة وهم يشرعون لاستعادة هذه الأرض المفقودة والطرف الآخر يرى أنها وطنه ويجب ان يدافع عنها بكل السبل الممكنة وهذا هو الاشكال الجوهري كل منا يرى الحقيقة من زاويته ويشرع لها ولذلك فإن المسألة معقدة ولكنّ هذا في كل الأحوال لا يعطي شرعية للقيام بمجازر في حق الإنسانية أو محاولة إبادة الآخر لأنه يختلف معه.
وفي ما يخص المقاصد الإسلامية يرى د.بن عامر أنها تمثل طورا من اطوار الاجتهاد وهي بحاجة للتطوير لأن ما وصلت إليه غير كاف ومن الضروري أن تتمثل عديد الجوانب الأخرى الفلسفية والحياتية كذلك. فأين رؤية الإسلام للإنسان؟ وأين رؤية الإسلام للطبيعة والوجود؟ الطبيعة في الإسلام مسخرة للإنسان ويجب حمايتها والمحافظة عليها بينما في بعض الثقافات الأخرى الطبيعة تمثل عدوا للإنسان ويجب السيطرة عليها وتطويعها بالقوة. ولذلك وجب تطوير المقاصد والاجتهاد فيها لتنفتح على قضايا العصر وحاجات الإنسان الراهنة.
وعلق صاحب كتاب الوصل بين الضفاف عن مسألة الرق بتونس حيث رأى أن هناك فرقا بين الحقيقة العلمية وكيف حدثت وأسباب حدوثها وبين من يستعملها لغايات أخرى فيقوم بتحريفها أو الانزياح بها لتحقيق أغراض معينة. فإلغاء أحمد باي للرق سنة 1846 لم يكن من محض إرادته أو لرغبة في تحرير الإنسان من العبودية بل كان مرغما على ذلك حيث تلقى تهديدا من القناصل الفرنسيين وفي المرسوم إشارة إلى أنه كان مهددا وفي نفس الوقت كان يخشى غضب شيوخ جامع الزيتونة الذين كانوا ضد إلغاء الرق إلا من كانوا على قرابة من الباي أخذا في خاطره وهذا المثال يجعلنا نحدد الفرق بين الحقيقة التاريخية والمواقف الأيديولوجية.
وأجاب الضيف المحتفى به عن مسألة الحداثة والنهضة الإسلامية حيث أكد أن الحضارة العربية الإسلامية مرت بنهضتين النهضة الأولى كانت في الإسلام الكلاسيكي في القرنين الثالث والرابع للهجرة وسقطت هذه النهضة سقوطا مدويا لأنها سقطت اقتصاديا والنهضة الأوروبية لم تسقط لأن هناك طبقة كانت تحملها وهي طبقة البورجوازية والتي كان نشاطها الاقتصادي في مجالات مختلفة بينما في الحضارة الإسلامية البورجوازية ارتبطت بالتجار فقط وفي ذلك الوقت تغيرت الطرق التجارية التقليدية بحكم الصدام مع الصلبيين وبمجرد تغير الطرق التجارية التقليدية تراجعت خزينة دولة المسلمين وانتشرت الأوبئة والمجاعات وبالإضافة إلى ذلك هناك عوامل أخرى عديدة منها الاستبداد والظلم والصراع على كرسي الحكم. أما النهضة الثانية فكانت في القرن التاسع عشر والتي تميزت بظهور مصلحين مثل جمال الدين الافغاني وخير الدين باشا ومحمد عبده ولكن هذه النهضة لم تجد سبيلا لتحقيق نتائج على أرض الواقع وجاءت ظروف غيرت مسار هذه النهضة منها الاستعمار. ونادى هؤلاء المصلحون بالاقتباس من الغرب والأخذ منهم وإذا بهذا الغرب يصبح مستعمرا يواجههم بالسلاح واضمحلت هذه الحركات الإصلاحية وحل بدلها أصوات أخرى متزمتة ومنغلقة. ويقول د.توفيق بن عامر في نهاية خطابه أن العرب المسلمين ليس لديهم نهضة ويجب أن يفكروا في نهضة حقيقية.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.