بقلم: أسماء المصفار
يهتمُّ هذا البحث الذي نحنُ بصدد الخوض فيه، بمسألة توظيف الرّمز في أدبيّات جبران خليل جبران، باعتبار أنّ اعتماد الرّمز في الكتابة الأدبيّة أضحى أداة يسعى الأديب من خلالها إلى التّعبير عن مواقف يتبنّاها، ورُؤى يطمح إلى إثباتها في مسالك الأدب، باعتبار أنّ الأدب يُعدُّ وسيلة يطمح الأديب من خلالها إلى تحميل قضايا ومسائل تكمن في رغبته الشّديدة في التّعبير عن موقف مُعيّن، فيُصبح الأدب بذلك أداة تأثيريّة، تثويريّة يُحمّل الأديب في ثناياه أدوات تعبيريّة تُساهم في تضاعُف الوظيفة الإبداعيّة والإبلاغيّة لديه. ومن أهمّ الوسائل التعبيرية التي اعتمدها الأُدباء في أعمالهم نذكُر توظيف الرّمز وما اتّصل به من علامات قابلة للدراسة والتّأويل لأنّ في مدلولاتها الخفيّة معاني عميقة وجب النّظر فيها على أنّها أساليبا فنيّة تتعلّق دواعي استخدامها بالأهداف الذاتيّة لدى الأديب. وقد لقينا حضورا كبيرا لظاهرة توظيف الرّمز والتّرميز في أدبيّات جبران خليل جبران شعرا ونثرا، ليكون لاستخدام هذه التّقنية بواعث نفسيّة وإيديولوجيّة يطمح الأديب إلى اعتمادها، تنفيسا عمّا يدور في أعماقه من أفكار تكشف رُؤاه ومواقفه تجاه مسائل مُعيَّنة. وسنسعى في هذا الموضع إلى تجلّي حضور الرّمز في أدبيّات جبران خليل جبران استنادا إلى بعض أعماله مع إبراز الأهداف الكامنة في نفس الأديب ودور البواعث النّفسيّة في تحفيزه على سلك مثل هذا المنحى. لكن قبل الخوض في ذلك وجب الوقوف على إبراز خصائص الكتابة عند جبران خليل جبران ومن ثمّ تحديد مفهوم الرّمز.
اتّصلت الكتابة الأدبية لدى جبران خليل جبران بسمات التّجديد والحداثة، إن على مُستوى الشّكل وإن على مُستوى المضمون، وقد تمثّلت مظاهر التجديد في أدبيّاته في تصدُّر موضوع الطّبيعة المكانة الأكبر في أعماله، واعتبارها ذاتا فاعلة وموضوعا مرغوبا فيه من قبل الأديب في آن واحد، وقد خلق جبران دلالات جديدة للطّبيعة من خلال تعديد سماتها، ذلك ما جعلها مُحمَّلة بالعلامات الغارقة في الرّمزية، وذلك نظرا إلى ما تُمثّله من قيَم مُتعدّدة في نظر الأديب. ليتحوّل أسلوب التّرميز المُتعلّق بالطّبيعة (لدى جبران) إلى أسلوب جماليّ في الكتابة يحمل رموزا متعدّدة ذات معاني عميقة. ذلك ما يؤكّد تحرُّر جبران من المعايير الجمالية المألوفة في الأدبيّات الأخرى، وقد اقترنت بداية ظهور الرّمزية في الأدب (نثرا وشعرا) في أعمال جبران خليل جبران. ويرى بعض النّقّاد العرب أنّ ميخائيل نُعيمة وإيليا أبو ماضي كانا من المُبكّرين في توظيف الرّمزية في الشّعر العربي، وغيرهما ممّن قال بوجوب التّحوُّل الذي مسّ الحركة الشّعريّة العربيّة وأعاد بناءها وفق رُؤى خاصّة. إلّا أنّ جبران خليل جبران يُعدُّ مُؤسّس المدرسة الرّمزية في الشّعر العربي الحديث وذلك لاستخدامه التّعابير المُستحدَثة في الشّعر (والنّثر)، مثل الذات المُجنّحة وحقل القلب والاعتماد على الحركة الحوارية على شكل قصص زمنية، مُستوحاة من الحضارات القديمة مثل الحضارة اليونانيّة1.
– مفهوم الرّمز
حمل مُصطلح “الرّمز” في معناه اللُّغويّ في معاجم اللُّغة العربية معانيَ كثيرة جمعها ابن منظور في هذا التّعريف:” الرّمز: تصويت خفيّ باللّسان كالهمس، ويكون تحريك الشّفتين بكلام غير مفهوم باللّفظ من غير إبانة بصوت إنّما هو إشارة بالشّفتين، وقيل: الرّمز إشارة وإيماء بالعينين والحاجبين والشّفتين والفم”2. وفي كلام الجاحظ ما يدُلُّ على أنّ الإشارة أو الرّمز طريق من طُرُق الدلالة على المعنى، فعندما تصحب الكلام تكون عونا له في الإفصاح والبيان، ذلك أنّ الإشارة باليد والرّأس من تمام حُسن البيان باللّسان”3.
نقول في هذا الموضع إنّ مفهوم الرّمز في المعنى اللُّغويّ قد تعلّق بمفهوم الحركة والتّحرُّك. وذلك نظرا إلى تعلُّقه بالإشارة التي تُعبّر عن الحركة والتي تُسهم في بيان هدف صاحبها، وعلى هذا النّحو يتشكّل المعنى وتُبنى الدلالة من خلال النّظر في طبيعة الرّمز الذي تُتبيَّن دلالاته وطبيعته من خلال الإشارات التي يدُلُّ عليها. أمّا اصطلاحا فالرّمز:” يستعمله المُتكلّم فيما يريد طيّه عن كافة النّاس والإفضاء به إلى بعضهم، فيجعل للكلمة أو الحرف اسما من أسماء الطّير أو الوحش أو سائر الأجناس أو حرفا من حروف المعجم، ويطّلع على ذلك الموضع مَن يريد إفهامه، فيكون ذلك قولا مفهوما بينهما مرموزا عن غيرهما” ومن الواضح أنّه هنا يُفهَم الرّمز على أنّه اصطلاح بين المتكلّم وبعض النّاس. “وفي القرآن من الرموز أشياء عظيمة القدر جليلة الخطر”4.
وحينما نبحث في كتب الأدب والنّقد المُعاصرة للأُدباء والكُتّاب العرب نجدُها تتعانق مع المفهوم الغربيّ للرّمزية لأنّهُم تأثّروا في ضبط مفاهيم لها بالمصادر وبالمراجع الغربيّة، فقد عرّف الدكتور محمد غنيمي هلال الرّمز بقوله:” والرّمز هُنا معناه الإيحاء، أي التّعبير غير المُباشر عن النّواحي النّفسيّة المُستترة التي لا تقوى على أدائها اللّغة في دلالتها الوضعيّة، والرّمز هو الصّلة بين الذات والأشياء، بحيث تتولّد المشاعر عن طريق الإثارة النّفسيّة، لا عن طريق التّسميّة والتّصريح”5. يتحدّد في هذا الموضع الفرق بين الإشارة والرّمز، وذلك اعتبارا على أنّ الإشارة تدُلُّ على مُشار إليه، في حين أنّ الرّمز يُومئُ إلى شيء مّا ولكنّه غير مُحدَّد”6. وقد اتّصل مفهوم الرّمز كذلك بالرّمزية التي تُعتَبَر:” إحدى الاتّجاهات النّفسيّة في الإفصاح والتّبيين، فهي وسيلة من وسائل التعبير عن خلجات النّفس تتجاوز الرّمز بشيء إلى شيء آخر، إلى إظهار الغامض والمُبهَم والتّائه في مُغلّفات الرّوح، وتسجيل أصداء العقل”7. ويُعرّف الدكتور عبد الكريم اليافي الرّمزية بقوله أنّها:” أسلوب من أساليب التّعبير لا يقابل المعنى ولا الحقيقة وجها لوجه”8. ويلتقي هذا المفهوم العامّ لمُصطلح الرّمزية مع التّصوُّرات الغربيّة لمفهوم الرّمز والرّمزية، وقد اتّصل تحديدُنا لهذا المفهوم (الرّمز) في هذا الإطار، بتعلُّقه بالأساليب الفنّيّة الإبداعيّة لدى جبران خليل جبران الذي جعل من استخدامه للرّمز لازمة من لوازم الكتابة المُعتمَدة في أعماله، لتحقيق ما يصبو إليه من أهداف تعمل الوظيفة التّميُّزية على إبقائها حال التحليل بالاعتماد على التأويل والتفسير لجعل تلك المعاني التّرميزية تقبل أكثر من معنى وبذلك تتوسّع الحقول الدلاليّة للنّص الأدبيّ (الشّعريّ أو النّثريّ) الواحد، وجاز لنا في هذا السّياق توظيف وجهة نظر أدونيس، الذي نظر إلى الرّمز في قُدرته الإيحائيّة بقوله:” الرّمز هو ما يُتيح لنا أن نتأمّل شيئا آخر وراء النّص، فالرّمز قبل كلّ شيء معنى خفيّ وإيحائيّ”9. فهو:” كلّ ما يحُلُّ محلّ شيء آخر في الدلالة عليه، لا بطريق المُطابقة التّامّة وإنّما بالإيحاء أو بوجود علاقة عرضيّة أو مُتعارَف عليها”10. وذلك باعتبار أنّه يكشف عن ما هو كامن، ومن ثمّ فهو يُعتبر شيئا ملموسا يرمز إلى فكرة مُعيّنة تؤدّي معنى مُعيّن يفيد دلالة مُعيّنة. وقد ارتبط الرّمز الأدبي (الشّعريّ والنّثريّ) بتجربة الأديب وبأبعادها، وبالمرجعيّات التي تنبثق منها أو تؤثّر فيها، وهو:” انعكاس من التجربة الشّعريّة التي يعانيها الشّاعر في واقعه الرّاهن والشّاعر ينتقل في تجربته من بلاغة الوضوح إلى الغموض، فإذن الرّمز الشّعريّ يبدأ من الواقع ليتجاوزه دون أن يُلغيه (باعتباره) يبدأ من الواقع المادي المحسوس ليتحوّل هذا الواقع إلى واقع نفسيّ شُعوريّ تجديديّ يندُّ عن التّجديد الصّارم”11. وقد سلك جبران خليل جبران هذا المنحى باعتماده على الرّمز في مواضع كثيرة من أعماله، حتى عُدّت أعماله إشادة بالتّرميز، ووجوب تحليله وفهمه. ويستلزم الرّمز مُستويين:” مُستوى الأشياء الحسّيّة أو الصُّور الحسّيّة التي تُؤخذ قالبا ومُستوى الحالات المعنوية المرموز إليها. إنّ الرّمز الشّعريّ يستطيع أن يولّد لدى المتلقّي سلسلة من المشاعر يُحسُّ فيها قيمة فنيّة تكمن في الرّمز”12. وقد تعدّد الشُّعراء العرب الذين يعتمدون على الأسلوب الرّمزي في كتاباتهم، نظرا إلى ما تلعبه الرموز من دور في إثراء المادة المكتوبة، وانعتاق القُرّاء من حيّز الفكرة الواحدة، والرؤية الواحدة.
– شعراء الرّمزيّة العربية
يُعتبَر الشّعراء الرّمزيّون من أهمّ روّاد حركة الحداثة والتّجديد في الشّعر العربي الحديث، وقد احتذوا بالرّمزية لأنّها طالما كانت تعني لديهم اقتران الشّعر بشؤون الشّاعر وهمومه التي تتّصل بذاتيّته وبذاتيّة الآخرين، ليُصبح الشّاعر بذلك وسيلة تكتب القصيدة به نفسها، ليغدوَ الشّعر في مسألة اقترانه بالرّمزيّة، تعبيرا عن العلاقات والتّطابقات التي تخلقها اللّغة أو تراءت لذاتها، حتى عُرفت الرّمزيّة بأنّها تلك المدرسة التي تدّعي أنّها تصف ما لا يمكن التّعبير عنه عن طريق السّحر والإغراء، وإثارة الإعجاب13. وسنُسلّط الضّوء في هذا المبحث على ذكر بعض روّاد الشّعر الحديث بتتبُّع مواضع الرّمزيّة في أشعارهم، وتبيُّن وظائف البواعث النّفسيّة والإيديولوجيّة التي تعلّقت باتّباعهم لهذا المنحى دون غيره.
ونذكر من بين أهمّ الشُّعراء المُحدَثين العرب الذين عُدُّوا من بين أهمّ شُعراء الرّمزية: جبران خليل جبران الذي يُعدُّ أوّل مَن التقت في أدبه (شعرا ونثرا) تيّارات الإبداعيّة والرّمزية التقاء فنّيّا، فالنّاظر في أدبه يلفي ثورة الإبداعيّين، وإيحاء الرّمزيّين، وحسّ الموسيقيّين، ذلك ما جعل شعره يتّسم بالغنائيّة، حيث تطغى فيه ذات الشّاعر والوجدانيّات. فقد لجأ جبران خليل جبران إلى مجموعة من الوسائل الفنّيّة لتشكيل صُور تكتسب قيَما إيحائيّة وتعبيرية، تجعلها أقدر على الإيحاء بتلك المعاني النّفسيّة التي يحاول الشّاعر التّعبير عنها في أدبه. وقد تعدّدت مواضع الرّمزية في قصائد جبران خليل جبران بتعدُّد المواضيع التي طرحها، ليكون توظيف التّرميز من قبل جبران أداة لتصوير الطّبيعة وفهم دلالات العالم الطّبيعي. فقد اعتُبر جبران من أهمّ الشُّعراء الذين أولوا اهتماماتهم بالطّبيعة ومُكوّناتها، وقد كان اغترابه عن قريته باعثا نفسيّا في جعل الطّبيعة مُعينا سخيّا يهب منه ثقافته الفطرية وتأثّراته، فالذكريات التي يحملها جبران عن مراتع الصّبا، هي في الواقع حُمّى الحنين المُتجلّية في نصوصه الشّعرية والنّثرية تنطلق من أعماق النّفس مُعبّرة عن شدّة حُبّه لوطنه “لبنان”، وقد جاء في تأكيده لذلك، القول التّالي:” الأشياء التي يُحبُّها الطّفل تبقى مطبوعة بين أعشار قلبه حتى الشّيخوخة وأجمل ما في الحياة هو أنّ أرواحنا تبقى مرفوعة فوق الأماكن التي تمتّعنا بها بشيء من اللّذّة”14.
يعتمد الشّاعر في هذا الموضع على التّرميز المُوظَّف في سياق حديثه عن الوطن وشدّة تعلُّقه به. فقد اعتاد جبران على توظيفه للطّبيعة في أدبيّاته، التي يغلب عليها الترميز، الذي يعبّر عن أحاسيسه الداخليّة، ليكون رمز حضور الطّبيعة في ما سبق على تأكيده لقيمة حُبّه للوطن وتقديسه له. وقد رمزت الطّبيعة في هذا المنحى، إلى الأُمّ التي تعطي دون منّ أو أذى، ولا تأمل إزاء عطائها أيَّ مُقابل، وإنّما يتعلّق أملها بإسعاد أبنائها فقط، فكُلّ شيء في الطّبيعة في نظر جبران:” يرمز ويتكلّم عن الأمومة، فالشّمس هي أُمُّ هذه الأرض… والأرض هي أُمُّ الأشجار والأزهار تلدُها وتُرضعُها ثمّ تفطمُها، والأشجار والأزهار تصير بدورها أمّهات حنونات للأثمار”15. ربط جبران جمال الطّبيعة وهدوءها وسكينتها وصفاءها، بسمات الأُمّ وبمزايا الأُمومة، لذلك ارتبط تقديسه وحُبّه للطّبيعة بحُبّه للأُمّ وتقديسه إيّاها، لتتعلّق في هذا الموضع رمزيّة قداسة الطّبيعة برمزية قداسة الأُمّ، كما أنّ تقديسه للطّبيعة هو ما جعله يعتبرها كائنا حيّا وعاقلا وحكيما، لتغدُوَ الطّبيعة لديه غارقة في رمزيّة الكائن الحيّ الحقيقيّ الذي يتّسم بحضور مُميّز وفعّال، يستمدّ الإنسان من وجوده الرغبة في العيش وتحقيق الوجود وإثبات الذات، يقول جبران مُخاطبا الطّبيعة:” أيُّها الكون العاقل… أنتَ تسمعني… وإنّكَ تراني… ألق في روحي بذرة من بذور حكمتكَ لتنبُتَ… وتُعطي ثمرا من أثماركَ”16. لم تقتصر رمزيّة الطّبيعة لدى جبران برمزيّة الأُمّ والجمال فقط، وإنّما تعدّتها إلى رمز الحياة الطّبيعيّة الأصيلة المُتحرّرة من قيود المجتمع وتعقيداته، ذلك ما عمد جبران إلى إبرازه في قصيدته “المواكب17” التي عبّر فيها عن مواضيع عدّة منها الخير والشّرّ، الدين والظُّلم والعدل، والحُرّيّة، والحُب والموت والحياة والجسد. وقد اتّخذ جبران في هذه القصيدة من أجواء الطّبيعة ملاذا يهرب إليه للظّفر بما يبعث في النّفس الراحة والطُّمأنينة، فعمد إلى وصف الغاب الذي تزول فيه الفوارق الطّبقيّة وتنسجم فيه المتناقضات، ليتّخذ جبران صوت النّاي المصنوع من القصب مُحفّزا له على استحضار الأوقات السّعيدة الخالية من هموم الدنيا ومشاغلها، فبات صوت النّاي لدى جبران يرمز إلى صوت ضمير الإنسان الذي يحُثّه على تقديس النّفس وإطلاق الجناحين من قيود الكدر والحُزن والتّعب، لذلك فقد اعتبر جبران الغاب ذا طابع مثاليّ تتحقّق فيه السّعادة الكاملة، وقد جاء في تأكيد جبران لضرورة العودة إلى الطّبيعة الطّاهرة لضمان العيش في سلام نفسيّ، قوله التّالي:
أعطني النّاي وغنّ
فالغنا سرُّ الخلود
وأنين النّاي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
هل تخذت الغاب مثلي
منزلا دون القصور
فتتبّعت السّواقي
وتسلّقت الصّخور؟
هل جلستَ العصر مثلي
بين جفنات العنب
والعناقيد تدلّت
كثريّات الذّهب؟
هل فرشتَ العُشبَ ليلا
وتلحّفتَ الفضا
زاهدا فيما سيأتي
ناسيا ما قد مضى؟”18
يُلحُّ جبران في هذه المقاطع، على وجوب العودة إلى الطّبيعة التي تُعدُّ في نظره ينبوع الحب والطُّهر والحُرّيّة، ونلحظ في إلحاحه دعوة مُؤثّرة للعودة إلى الغاب للانعتاق من الأفكار السّلبيّة التي سيطرت على عالم الإنسان والإنسانيّة، باعتبار قيام هذه الأخيرة (الإنسانيّة) على الثّنائيّات التي قسّمت الإنسانيّة وشطرت الوجود إلى خير وشرّ ونور وظلام وإيمان وكُفر وسيادة وعبودية وظُلم وعدل. وقد دعا جبران، الإنسان في هذا الموضع إلى الانطلاق نحو الحقيقة الأزليّة التي تُبنى وفق إنكار قيام الإنسانيّة والوجود على الثّنائيّات، وذلك من خلال رفض كلّ ما يقوم على السّلبيّة، والاستنجاد بكلّ ما ينبني على الإيجابيّة، وفي ذلك يؤكّد جبران وجوب قيام العالم على الوحدة دون الانطواء على القيم والمعاني المُتناقضة، وقد عوّل جبران على الغاب الذي يضُمّ أجواء الفرحة الرّعويّة المُمثَّلة بنغمات النّاي وبمُكوّنات الطّبيعة السّاحرة، لذلك فقد عُدّ الغاب في نظر جبران علامة ترمز إلى تحقيق الوحدة، وذلك على اعتبار أنّه فضاء يُخلّص الإنسان من الثّنائيّات ويُمهّد له الانطلاق إلى اللّامحدود عبر مُعانقة المُطلَق وتحسُّس مُقوّمات الوحدة الكونيّة.
وقد ورد في تأكيد جبران لتلك المعاني عند حديثه عن النّاي قوله التّالي:
أعطني النّاي وغنّ
فالغنا يمحو المحن
أنين النّاي يبقى
بعد أن يفنى الزمن
ليس في الغابات حُزن
لا ولا فيها الهموم
فإذا هبّ نسيم
لم تجئ معه السُّموم
ليس في الغابات عذل
لا ولا فيها الرقيب
يرمز الغاب في هذا الموضع عند جبران خاصّة، وعند الرومانسيّين عامّة، إلى الثّورة على ما أضحى في المدينة من قيم تقوم على السّلبيّة والمُتمثّلة في الصّراع والتّشويش والفوضى والعُنف والمُعاداة، وعلى هذا الأساس تشكّلت وتحدّدت علاقة جبران بالغاب التي (العلاقة) قامت على وجوت التعالق والتعانق، باعتبار أنّ رمزيّة الغاب لديه تقوم على وجوب تحطيم الثّنائيّات، ودحض كلّ ما يقوم على السّلبيّة، ومنبعا لتحقيق الخلود وصورة للمُطلَق واللّا محدود، ذلك ما جعل جبران يتغزّل في نهاية “المواكب” بالسّواقي والصّخور والاستحمام بالعطر والتّنشُّف بالنّور والتّغزُّل بالدّوالي والعُشب. إثر ذلك يظهر هدف جبران في الدّفاع عن حقوق الإنسان وواجباته وإنشاء تشريع يدعو فيه إلى القول بأحقّيّة القلب على العقل، لذلك قام بتمجيد العلاقات العفوية بين الخالق والمخلوق بواسطة الطّبيعة، لأنّ كلّ ما يُخلَق من اللّه من خير تُفسده أيادي البشر. ولعلّه في ذلك قد تأثّر بالنّظرة التّاوية19 في العودة إلى الطّبيعة البدائيّة ونبذ الشّرائع والتّقاليد، لأنّ التّاوي، يدعو إلى سلك طريق الحقّ. وقد اتّفق جبران في هذا الموضع مع الفيلسوف الصّينيّ:”لاوتسه”، الذي يُشيد على فهم النّواميس القائلة بتنظيم حياة الفرد والمجتمع وبتجنُّب الأضرار التي نجمت عن مُعاكسة الطّبيعة من طرف الإنسان المُتمدّن، وقد اتّفقا في دعوة الإنسان إلى نسيان التّمييز والفروقات وحثّه على المُساواة والمُطابقة بين الذات والآخر من أجل تجاوُز العالم الكائن إلى عالم آخر تتروحن فيه النّفس البشرية وتتطهّر من كلّ الشُّرور. وقد اتّصلت التّاوية في نظر “فونغ يولان20” بهروب الفرد عبر إقباله على الطّبيعة من جبال وغابات على طريقة النّساك خلاصا من شُرور الدنيا. وهُنا تتحدّد نقاط الالتقاء بين جبران والفلاسفة الرّوحانيّين في ما يتعلّق بنظرتهم إلى الطّبيعة ورمزيّتها.
وتكمن مزايا توظيف جبران خليل جبران للطّبيعة باعتبارها علامة تُعبّر عن رموز كثيرة ومُختلفة، في إثراء دلالات الطّبيعة بإكسابها علامات جديدة مُحمَّلة بالقيَم والمعاني التي لا يُدركها الإنسان العادي الذي لا يعي حقيقة الوجود ولا يُقدّس النّفس الإنسانيّة التي يقول جبران بضرورة تطهُّرها من كلّ ما يُضيّق أُفُقها وما يُقيّد حُرّيّتها، لذلك فقد ساهمت رؤية جبران للطّبيعة والقول بضرورة نشأة الإنسان بين أحضانها والاحتماء بصفائها، في إعادة النّظر في مفهوم الطّبيعة بإخراجها من دلالاتها الضّيّقة التي انحصرت في بُعدها الجماليّ، إلى مفاهيم أعمق تتمثّل في ما هو روحانيّ وجوديّ ونفسيّ، وبذلك نخلُصُ إلى القول إنّ جبران خليل جبران هو أوّل مَن فتح الأبواب لنُشُوء الحركة الرومانسيّة في الأدب، والتي ساهمت في ظهور عدة نزعات فلسفية ترتبط ببعض الجوانب الشّعورية لدى الإنسان في علاقته بالطّبيعة وبنفسه وبالعالم.
خاتمة
هكذا إذن تجلّت لنا خصائص رمزية الطّبيعة عند جبران خليل جبران، باعتبارها أسلوبا فنّيّا يُعبّر به عمّا حمّلته أدبيّاته من مضامين، ذلك ما يفرض وجود علاقة بين العمل الأدبيّ والبواعث النّفسيّة للأديب، وقد سلّطنا الضّوء في تتبُّعنا لهذه النّقاط، على بعض أعمال الأديب اللّبناني جبران خليل جبران الذي يُعتَبَر من أهمّ الكُتّاب المُحدَثين الذين خُلّدت أعمالهم وبقيت بصماتهم مُعلَّمة في المجال الأدبي عامّة، وفي المجال الشّعريّ خاصّة.
الهوامش:/
1 وسفي سوهيلة، الرّمز ودلالاته في القصيدة العربية المعاصرة قراءة في الشّكل خليل حاوي أنموذجا، ص.ص. 62. 72.
2 جمال الدين بن منظور، لسان العرب، مادة (ر، م، ز).
3 عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السّلام محمد هارون، ج1، ط3، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1968م، ص.ص. 76. 79.
4 قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نقد النّثر، تح طه وعبد الحميد العبادي، (د.ط)، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1933، ص.ص. 52. 53.
5 محمد غنيمي هلال، الأدب المُقارَن، ط5، دار الثقافة، بيروت، (د.ت)، ص 398.
6 محمد فتوح أحمد، الرّمز والرّمزية في الشّعر العربي المعاصر، ط3، القاهرة، دار المعارف، 1984، ص 40.
7 زكي طليمات، في المذهب الرّمزيّ، مجلّة الرّسالة، القاهرة، ع 250، أبريل 1938م، السّنة السّادسة، ص 647.
8 عبد الكريم اليافي، دراسات فنّية في الأدب العربي، (د.ط)، مطبعة جامعة دمشق، 1963، ص.ص. 225. 226.
9 علي أحمد سعيد، أدونيس، زمن الشّعر، ط3، دار العودة، بيروت، 1983م، ص 160.
10 أحمد بوزيد، الرّمز والأسطورة والبناء الاجتماعي، مجلّة عالم الفكر، الكويت، مج16، ع3، ديسمبر، 1985، ص 585.
11 عزّت ملا إبراهيمي، محمد سالمي، صديقة تاج الدين، الرّمز وتطوُّره الدلاليّ في الشّعر الفلسطينيّ المقاوم، محلّة القسم العربي، جامعة بنجاب، لاهور، باكستان، ع 24، 2017، ص 192.
12 المرجع نفسه، ص 129.
13 رمان سلدن بيريس، الاتّجاهات الأدبية الحديثة، ترجمة: جورج طرابيشي، عويدات، بيروت، ط2، 1998، ص 147.
14 المجموعة الكاملة لمؤلّفات جبران خليل جبرا، منشورات المكتبة العلمية الجديدة، بيروت، لبنان، ج2، دار صادر، 1961، ص.ص. 31.55.
15 جبران خليل جبران، 2003، ص 102.
16 جبران خليل جبران، 2000، ص 45.
17 تُعتَبَر قصيدة “المواكب” أوّل ما نُشر في مُؤلَّفات جبران خليل جبران، وتحوي القصيدة ديوانا شعريّا كاملا، وتصل أبياتُها إلى 203، وقد اتّسمت بالتجديد على مستوى الشّكل والمضمون، في أساليبها ومواضيعها.
18 جبران خليل جبران، 1994، ص.ص. 49. 38.
19 يعود معنى مُصطلح “تاو” في اللّغة الصينية إلى مفهوم الصّراط، وقد استُعمل المُصطلح في الفلسفة ليخرج من مدلوله الملموس إلى مدلوله المُطلَق (…) و”جريت التّاوية أن تُصبح دين الصّين الوطني ضدّ البوذية المجلوبة من الهند، ولمّا نجح التّاوي تشاوقوي تشين أن يستضيء الإمبراطوريّين “تشينغ” و “وو” استطاع أن يحمل الأخير على تحميل البوذية بمرسوم مُحدَّد فيه ما فعلته ديانة الهند من تعطيل للإنتاج وتشويش في عقائد النّاس واستغلال الثّروات لبناء الأديرة والمعابد الفخمة التي عاش فيها الرُّهبان مُرفَّهين على حساب غيرهم. وقد أوصل الفيلسوف “كوو شيانغ”، التّاوية إلى ذروة تطوُّرها في القرن الثّالث الميلادي، فانقسمت التّاوية بين الفلسفة والدين، فكانت التّاوية الفاسفيّة (تاوجيا) والتّاوية الدينيّة (تاو جياو) وقد قامت التّاوية الدينيّة على أُصول الفيلسوف الصّينيّ “لاوتسه” الذي عُدّ أوّل الفلاسفة الصّينيّين، بعد تحويرها لتُصبح طُقوسا مشوبة بالعقائد والأساطير. وقد تحوّلت التّاوية باعتبارها فلسفة إلى ديانة لتكون ديانة الخلاص الفردية لأهل الصّين، فتُحرّرُهم من فروض الكونفوشيّة الباهضة وترفع عنهم الأغلال التي كانت عليهم.
20 لاوتسه/ تشوانغ تسه، كتاب التاو، ترجمة ودراسة: هادي العلوي، دار الكنوز الأدبية، الطّبعة الأولى، 1995، بيروت، لبنان، ص .ص.15.14.
أضف تعليق