فتحي الرحماني
1/ عن الكاتبة والكتاب:
– رفقة المناكري:
هي أديبة تونسية أصيلة مدينة جرجيس، ودكتورة في علوم الصيدلة، وعضو مؤسّس لجمعية الرابطة القلميّة التونسيّة. تكتب بالإضافة إلى الرواية قصصا ومسرحيّات للأطفال.
– رواية “رسائل الدّانوب”:
رواية تقع في 247 صفحة من الحجم المتوسّط صادرة عن دار زينب للنشر بتونس سنة 2023، قدّم لها الدكتور رضا لبيض، وتدور أحداثها في مدن نمساوية وألمانية وحول نهر الدّانوب في زمن يمتدّ من أوج الحرب العالمية الثانية سنة 1941 إلى سنة 1980.
2/ ملخّص الرواية:
جون أغيلارا محارب قديم فقد الذّاكرة بعد إصابته بشظيّة في رأسه أثناء الحرب العالمية الثانية في معركة في النّمسا. انتدبته السلطات النمساوية بعد الحرب وبعد تعافيه من الإصابة ضابط مباحث في مدينة سالزبورغ.
تبدأ الرواية سنة 1980 وجُونْ يستعدّ لمغادرة المهنة ويخطّط لتقاعد مريح، وفي الأثناء تحدث جريمة قتل ذهب ضحيّتها شابّ من “مزدوجي الجنسيّة” نمساوي- تونسي، وأثناء التحقيق يعثر المفتّش جون أغيلارا في شقّة القتيل على صندوق رسائل قديمة بعضها مفتوح مقروء وبعضها مختوم مغلق، وهي رسائل تعود إلى زمن الحرب قبل نحو 40 سنة، فيقوده الفضول إلى تصفحها وقراءتها فيجد أنّها موجّهة بتواريخ مختلفة زمن الحرب العالمية الثانية من فتاة اسمها ” إيفانا بيتروشكا” إلى حبيبها المجنّد “شارل سليموفيتش” الذي غادر العنوان ولم يعد يُجيب عن رسائلها ولا تعرف مصيره، ليكتشف المحقّق جُونْ أغيلارا في النهاية أنّه هو نفسه حبيبها “شارل” هذا، وأنّ “إيفانا” كانت حبيبته قبل أن يفقد ذاكرته في الحرب، فينطلق في رحلة بحث عنها وعن ماضيه وعن ذكرياته وهويّته…
3/ ما علاقة كاتبة تونسية- عربية بنهر الدانوب؟
الإجابة ستكون من خارج الرواية ومن داخلها.
– إنّ دواعي هذا السؤال تعود إلى قوّة السّرد ودقّة التفاصيل في الرواية التي تُوهم بأنّ الكاتبة قد عاشت في النمسا وألمانيا والمجر حيث يمرّ هذا النهر الشهير الذي لا يمثّل جزءا من جغرافية أوروبا فقط ولكنه حاضر في معمارها وفنونها وآدابها، السرد يوهمنا بأنّ الكاتبة كانت شاهدة على “ليالي الحرب – لا الأُنس- في فيينا” وفي غيرها من مدن النمسا وبلداتها. والحال أنّ الكاتبة تكتب من خلال ثقافتها، من خلال إنسانيتها، فالكتابة إنسانية بالضرورة حتّى في أكثر صيغها محليّة تظلّ الكتابة مساءلة للوجود وإثارة للكونيّ فينا وانفتاحا على مدارات الرّعب والألم والأمل خاصّة وأنّ الرواية تطرح أسئلة الحبّ والكراهيّة والحرب والهويّة، وهي مواضيع لازمت الإنسان وتلازمه في تاريخه ومسيرته ومهما كانت جغرافيته أو ثقافته، وعليه يمكن لأيّ كاتب أن يكتب عن الدّانوب أو مَجردة أو النّيل أو دجلة أو الأمازون أو نهر الفولغا..
– أمّا الجواب من داخل الرّواية فنظفر به في تتبّع السّارد لمعاناة جيلين من الآباء والأبناء من المهاجرين العرب من شمال إفريقيا (الجزائر وتونس) وهم يواجهون رفضا وعنصريّة في مجتمع نمساويّ قاتلوا في صفوفه في حرب عالميّة كانوا وقودها دون أن تكون لهم مصلحة فيها. ورغم هذه الأثمان الباهظة لم يجدوا مكانا لهم في هذا المجتمع، فأعادهم الحنين إلى أوطانهم الأصلية ( عودة رشيد بوميلود إلى تونس بعد الحرب) أو ذهبوا ضحيّة جرائم عنصريّة( ستيفان أو سفيان الذي وُجد قتيلا في شقّته)، وفي أقصى الحالات شيّدوا لهم نُصبا تذكاريّة تحمل في الغالب اسم “الجنديّ المجهول” في أكثر من عاصمة أوروبية تخليدا لذكراهم واعترافا بدورهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فيتحوّل الدانوب الذي هو نهر الفنّ والحبّ والحياة في الأصل إلى حاجز جغرافيّ ونفسيّ واجتماعيّ يمنع “المحاربين القدامى” أو “المهاجرين” من الاندماج في مجتمعات أوروبا ما بعد الحرب.
4/ البوليفونية في الرواية:
صرنا نعرف منذ “باختين” أنّ الرواية البوليفونية ليست الرواية ذات الصوت الواحد التي تعتمد على سارد مُهيمن عارف بكلّ شيء، وليست تلك المحكومة برؤية واحدة أو أسلوب واحد، وإنّما هي رواية متعدّدة في مساراتها وأصواتها ومستويات السّرد فيها ، تتميّز باستقلاليّة شخصياتها وغَيريّتها، وتختلف فيها الرّؤى ووجهات النظر، وفيها يتخلّص الكاتب من أحاديّة المنظور والوُثُوقيّة، فيتعدّد الرواة ومعهم تتعدّد وجهات النظر من الحدث الواحد والموقف الواحد…
باختصار في البوليفونية نكون أمام تعدّد في مواجهة وحدة، ونكون إزاء تنوّع في مقابل تماثل، بل إنّ هذا التعدّد قد يصل حدّ التشظّي والامّحاء والتلاشي في رواية “رسائل الدّانوب”.
– فالسّارد يتخلّى عن هيمنته وعلمه في مواضع فينظر إلى الأحداث من خارجها أو يُجهد نفسه في ملاحقتها حتّى أنّ السارد -الشخصية ونعني ” جون أغيلارا” يجهل حقيقة أنّه “شارل سليموفيتش” الذي ظلّ سنوات يستقبل رسائل “إيفانا”، ويجب أن ينتظر الانتهاء من قراءة رسائلها كاملة حتّى يكتشف هذه الحقيقة الصّادمة.
– يل إنّه ينقل إلينا هذه الرسائل فنقرؤها معه ونصاحبه في رؤيته وفي فهمه ووعيه ولا يتقدّم علينا في ذلك، بل إنّنا قد نفطن إلى الحقيقة قبل أن يكتشفها هو في آخر المطاف، فتكون معرفتنا كقرّاء في هذه الحالة مساوية لمعرفة السارد أو تفوقها وتتقدّم عليها
– في السرد صوتان رئيسيّان واضحان: صوت “جون” وهو يعيش تفاصيل حياته ويرويها في الحاضر ويخطّط لتقاعده أو يحقّق في جريمة القتل مع فريقه، وصوت “إيفانا” الذي نسمعه من خلال رسائلها إلى “شارل”، وكلّ سرد يقودنا إلى مسار في الرواية فنجد أنفسنا نلاحق جُون في يومياته ومعاناته وتحقيقاته، وبالتوازي مع ذلك نحاول تفكيك طلاسم ماضيه من خلال ما تضمنته رسائل إيفانا من إشارات، إنّنا أمام حكايتين: حكاية جون أغيلارا قبل اكتشاف حقيقته وحكايته وهو يقتفي أثر ماضيه ويجمّع شتات ذاكرته ويرمّم هويّته.
وأحيانا يتقاطع الصوتان ويتداخلان ويتفاعلان عندما لا يكتفي “جُون” بنقل رسائل “إيفانا” بل يعلّق عليها فيوافقها في بعض آرائها، أو يعترض على أخرى أو يتعاطف معها أو يتحامل على عشيقها، فتتعدّد الأصوات ومعها تتعدّد المواقف والرّؤى ووجهات النظر..
– في الزمن الكثير من التشظّي إذ يتصادم الماضي والحاضر، ماضي الحرب والهويّة الضائعة والحقائق الصّادمة التي تأبى الموت والنسيان يتضخّم ليبتلع حاضر الشخصيات ويُلقي بظلاله على حياتها، فكلّ الشخصيات لا تخرج من ذلك الماضي سليمة معافاة بل بجروح غائرة لا تندمل، الماضي يلاحق الشخصيات في حاضرها ويُصادر مستقبلها، هو زمن الحرب الذي يتمدّد ويكون سببا في مقتل “ستيفان أو سفيان” في جريمة عنصريّة لأنّ والده العربيّ كان محاربا في النمسا، ويكون سببا في محنة جُون وإيفانا وهما يكتشفان أنّهما العاشقان اللّذان فرّقت الحرب بينهما ولا يمكن ترميم علاقتهما ويستحيل استئنافها؛ إذ يقول “جُون” معلّقا على إحدى رسائل إيفانا ” ما ذهب لا يعود، وإن عاد فقد الكثير من روحه. إنّ عجلة الزّمن تدور فتطحن كثيرا من البشر والأحلام. إنّها لا تتوقّف ليستردّ الإنسان أنفاسه. الزمن يا إيفانا كآلة الحصاد العجيبة تقضم السّنابل بلا شفقة، فيستحيل المرء حبّة قمح أو كيس تبن لكنّه لا يعود سنبلة أبدا. الشّغف أيضا يذبل ويذوي. لا شيء يبقى على شاكلته الأولى” (ص93)
– الشخصيات غير متجانسة في مواضع من الرواية في مواقفها من الماضي، إذ يختلف رفاق السلاح (جون وألكسندر) حول الحرب والذكريات، وبعض الشخصيات تتباعد في حاضرها رغم ما يجمعهما من ماض مشترك (جون – إيفانا)، بل نجد شخصيات من عوالم مختلفة(عرب- غرب) ومن أجيال متنافرة، فرغم مركزيّة شخصية “جُون-شارل” فإنّه لم يمنع بقية الشخصيات من أن تكون مستقلّة عنه ولم تتحوّل إلى ظلال له.
– سمفونية التنوّع لا تقتصر على السرد والرؤى والشخصيات والأزمنة ولكنّها تطال الأمكنة أيضا، إذ يسافر بنا السرد استرجاعا واستباقا إلى بلدان مختلفة شرقا وغربا ( روسيا، ألمانيا، النمسا، مصر ن تونس، الجزائر، اليابان..) ويجول في مدن النمسا وبلداتها على طول نهر الدّانوب وضفافه، وإذا كان حدث الحرب العالميّة هو الخيط الناظم لكل هذه الأمكنة والحكايات، فإنّ التنوّع يكمن في التفاصيل، فكلّ مكان، وكلّ شخصيّة قصّة بذاتها، وهو ما يجعل البوليفونية في السرد أشبه بسمفونية موسيقية حقيقية تتعدّد فيها النغمات ولكن في انسجام وتآلف وتناسق، إنّها التعدّد في إطار الوحدة، والجمع بصيغة المفرد..
5/ من البوليفونية إلى أزمة الهويّة في الرواية:
لا يبدو اختيار التعدّد والتنوّع في مستويات سردية مختلفة اعتباطيا، بل منسجما مع ما تطرحه الرواية من أزمة هويّة وانتماء تتجلّى في الأمكنة وفي الأزمنة وفي الشخصيات والمواقف والأحداث .
– من مظاهر الأزمة هوية المكان الذي يبدو أمكنة غير متجانسة ، وكل الشخصيات تبدو قلقة في مواضعها، فهي إمّا أن ترحل أو تختفي أو تطوف أو يهزّها الحنين، وكأنّها تعيش أزمة انتماء، فرشيد بوميلود المحارب الشمال- إفريقي مع الجيش الألماني يقرّر العودة إلى تونس بعد سنوات من الاستقرار في النمسا ليدفن في تراب وطنه، وابنه يعيش جرحا في الهويّة فهو ينتمي إلى بلدين ويحمل اسمين “ستيفان الاسم النمساوي وسُفيان اسمه العربي” وينتهي قتيلا في جريمة عنصريّة يقترفها متشدّد معاد للمهاجرين، وإيفانا حبيبة شارل الماضي وجون الحاضر لا تستقرّ في مكان وتهرب من مدينتها، وأخوها يختفي عن الأنظار، وأبناء جون يغادرون إلى ألمانيا..
– بهذا المعنى تقدّم الرواية شخصياتها وكأنّها تعيش أزمة وجودية إذ يضيق بها المكان ولا يتّسع لأحلامها ولا يوفّر لها الأمان وكأنّها مطاردة تهرب من مصير أو قدر محتوم يترصّدها..
– كذلك تقدّم الرواية زمنها في صور من التشظّي يصل حدّ التصادم عندما تجعل بطلها ممزّقا بين زمنين يرتبط كلّ منهما بهويّة: ماضي الحقيقة الذي ينبعث من جديد بعد أربعين عاما وحاضر الزيف والخديعة الذي جعل شارل يعيش في “جلباب” جون الذي لا يعرفه ولا وجود له أصلا إلاّ في الوثائق الإدارية.
– وهكذا تبلغ المأساة أوجها عندما يعيش “جون- شارل” بهويّتين وباسمين وبحكايتين: هو شارل المحارب القديم ومعشوق إيفانا الهارب المختفي الذي لا يردّ على رسائلها في الماضي قبل أن يفقد ذاكرته، وهو جون أغيلارا مفتّش الشرطة في الحاضر وزوج غابرييلا الممرضة التي أنقذته. لقد عاش جون- شارل بهويتين وبشخصيتين، بل لقد عاش حياتين ليكتشف الحقيقة بعد أن يكون قد فات أوانها، لذلك ” كانت صورته تبهت وتخبو حتّى غدت كالخيال البعيد” في نهاية الرواية وكأنّه صار منذ تلك اللحظة “غيره”، وكأنّ هذا الماضي لا يمكنه أن يتمدّد ليبتلع الحاضر والمستقبل، وكأنّ علاقتنا به ماتزال غائمة وربّما متوتّرة.
إنّ أزمة الهويّة تتكثّف في وقائع الجريمة العنصريّة البشعة وفي محنة جون-شارل في ملاحقة ماضيه وذكرياته ومحاولة إعادة بناء قصّته وذاته واستعادة هويّته القديمة التي لم يتبقّ منها غير شامة تكاد تبتلع إبهامه وبعض النمش في وجهه وشعر مجعّد ورسائل إيفانا التي لم تصل في موعدها. إنّها أزمة تنعكس في هذا التشظّي والتلاشي والتيه والتوتّر الذي يتجاوز حدود السرد والمسرود إلى جنس الكتابة نفسه.
– قلق التجنيس في الرواية:
تبدو الرواية بدورها غير مستقرّة على وجهة معيّنة إذ تلوح في بدايتها أقرب إلى نمط الروايات البوليسية بشخصيّة المحقّق جون أغيلارا ومساعده في مكتب فرقة الشرطة هانس وجرائم القتل الغامضة ووقائع البحث والتقصّي وبأجواء التشويق والإثارة التي تذكّرنا بروايات ” أغاتا كريستي”، وفي المقابل تنزاح الرواية إلى وجهة أخرى هي وجهة ذهنيّة حين يتمّ تهميش قضيّة القتل وينحرف السرد إلى ملاحقة ماضي جون- شارل لتنطرح من خلاله بعمق قضايا من قبيل أزمة الهويّة وعلاقتنا بالحقيقة وبالزمان والمكان وهي قضايا فكريّة تذكّرنا بالأدب الوجودي الذي ازدهر بُعيد الحرب العالمية الثانية خاصّة والتي كانت إطارا لأحداث الرواية في مجتمع ساد فيه القلق والخوف والضياع والموت وانهارت فيه كلّ الروابط والقيم التقليدية بسبب ما خلّفته الحرب من أزمات وأسئلة وجودية محرجة، وهو ما لخّصه ألكسندر في قوله إلى رفيقه في السلاح جون – شارل “نحن الجانب المُخيف للحقيقة يا صديقي. تعيش فينا الحرب أكثر من المعقول” ( ص223) ولذلك على الإنسان في هذه المجتمعات أن يُعيد اكتشاف ذاته كما فعل “جُون” وأن يسعى إلى نحت كيانه بعيدا عن الأعباء الموروثة والسُّبُل المسطورة.
بهذا الاعتبار يمكن تصنيف الرواية ضمن الأدب الوجودي الذي يسائل هويتنا ويدفعنا إلى إعادة النظر في كلّ شيء من حولنا: علاقاتنا، أسرتنا، ماضينا ،حاضرنا، مهنتنا، أسمائنا الصغيرة لنكتشف كم هي عميقة نُدُوبنا وكم هي جريحة أسماؤنا على حدّ عبارة المغربي د. عبد الكبير الخطيبي في كتابه “الاسم العربي الجريح”.
عموما وأنت تقرأ قصّة جون أغيلارا أو شارل سليموفيتش أو رسائل إيفانا فكأنّك تقرأ قصّتك وتعيد اكتشاف ذاتك وتواجه حقيقتك ولكن ربّما بعد فوات الأوان، ولا أعتقد أنّك ستخرج من الرواية مُعافى ، لن تخرج منها سالما، ولكنّك حتما ستستمتع بأجوائها وهي ترتحل بك على ضفاف نهر الدّانوب وستجد نفسك تدندن ألحانا تُحاكي سمفونيات بيتهوفن وموزارت…
أضف تعليق