حسين على يونس
من الميزات الأساسية للجيل الستيني في العراق وخارجه قربه من الأحداث المفصلية الكبرى التي وسمت جغرافية الأرض في عالم بدا حينذاك على حافة بركان. كان العراق جزءاً من العالم، وكان خارجاً من تجربة ملكية برلمانية مريرة لا حول لها ولا قوة. وثمة تجربة أخرى أتيح لها أن تظهر في نهاية الخمسينيات لم يتح لها أن تعمر طويلاً. هي ثورة 14 تموز التي عمل في ظلها الحزب الشيوعي العراقي الذي تكون في مطلع الثلاثينيات، والذي استطاع بعد سنة أو أكثر أن يجمع مليون متظاهر في شارع الرشيد في وقت كان تعداد العراق السكاني لا يتجاوز ستة ملايين.
فكيف حدث ذلك؟
يخبرنا فوزي كريم في كتابه الموسوم (ثياب الإمبراطور) عن ضعف الحركة الشيوعية التي لم تكن ملمة بماركس واليسار العراقي المهلهل الذي كان يحرك تلك الجموع في اللحظات التي كانت تبدو أنها مفصلية بتأريخ العالم وفي تأريخ ما بين النهرين أيضاً، في البدء لا بد من القول: إن فوزي كريم كان عبارة عن خلطة غريبة لا هوية واضحة لها، فهو وجودي ملكي قومي تقليدي، وبالتأكيد كان الرجل نبتة غريبة وسط أبناء جيله الذي كان ينقسم طوليا إلى شيوعيين وماركسيين تروتسكيين، كان من بينهم من هو وجودي نتيجة لتأثره بسارتر وكامو الحلقة الأضعف من واضعي هذه الفلسفة في مجال صناعة الأفكار على الرغم من أنها الأكثر حضوراً، فلم يكن هايدغر قد تُرجم بعد، وكذلك الحال بالنسبة لشوبنهاور وكيركيجارد وأيضاً كارل ياسبرز ، وكان الشق الثاني يتكون من قوميين وناصريين إضافة إلى لابسي ثياب الإمبراطور فيما بعد البعثية الذين تسلموا الحكم وبطشوا بالناس. بالحقيقة ان اِلتصاق فوزي كريم بالوجودية عن طريق الأدب جعله يختار الحلقة الأشد هشاشة بينهما، لهذا كان نفعياً قريباً من اليسار الماركسي بحكم كونه وجودياً بوساطة الأدب وليس عن طريق الفكر وقريباً من القوميين بحكم أنه كان ملكياً تقليدياً . يقول فوزي كريم في كتابه إن اليسار العراقي والحزب الشيوعي العراقي كانا بلا قيمة، ولم يكونا فعالين لأنهما لم يفهما طبيعة حركة التأريخ وما شابه ، وينكر بالتالي ، تأثير الحزب الشيوعي العراقي الكبير والواضح ، وفعاليته وتغلغله بين الجماهير ، وبصرف النظر عن ما يقوله فوزي كريم فإن كلامه يظل بحاجة إلى التمحيص إذا ما استعملنا القياس المنطقي لطبيعة الأحداث الدرامية التراجيدية في مجملها التي حصلت، وتحمل جزءاً كبيراً من عواقبها، بأجساد أعضائه التي تحولت إلى عجينة لفم السلطة القاسي . إذا كان اليسار بشقيه غير فعال حسب مدونته فإن ذلك يعني إن اليسار استعمل خلطة سحرية، وكان خبيراً في أساليب (التعزيم) التي نجهلها عموماً يعرفها صاحب الكتاب بالتأكيد .. فلقد كان (وثوقياً) كلي العلم عارفاً بأسرار ما خفي عن أبناء جيله. الذي كان بينهم الفعال وغير الفعال صاحب – الموهبة الكبيرة وصاحب الموهبة المتواضعة … الشيوعي والماركسي القومي والليبرالي. اضافة إلى أصحاب النزعات المحافظة. لقد كان هؤلاء جزءاً من كل .. ولا أحد ينكر اليوم إن الكل هو جزء من كل أيضاً لكنه مجموع متراص ظاهريا مع إننا نعرف إن ذلك الجزء هو العلامة الدالة الأكثر أهمية بالتأكيد .في الشعرية البنيوية يورد جوناثان كلر على لسان فيليب
سولير في الفصل السابع من كتابه (الشعرية البنيوية) الموسوم ب “العرف والتطبيع” ما يأتي: “لم تعد القضية الآن قضية الكتاب والعمل وإنما بالأحرى قضية الكتابة والقراءة . لقد برزت مفاهيم الكاتبة والقراءة المقدسة إلى المقدمة لكي تحول الانتباه عن المؤلف بوصفه مصدراً والعمل بوصفه موضوعاً والتركيز بدلاً من ذلك على شبكتين. متلازمتين من الأعراف هما الكتابة والقراءة كنشاط . أن التركيز على علاقة المؤلف بعمله والذي`يمكن أن يقودنا إلى النظر للأدب بوصفه نسخة من فعل الكلام الاِتّصالي الذي يتسم بدوام أكبر من المعتاد واهمال لخصوصيات الكتابة إلا أن المنطلق لدراسة الأدب كما أشار تيبوديه منذ وقت طويل، ينبغي أن يكون اعترافاً بأنه ليس مجرد لغة وإنما، ولاسيما في أي مما تقدم هنا هو مجموعة من النصوص المكتوبة المطبوعة في کتاب”. ومما تقدم يتضح ان خصوصيات موسيقى الكون التي يتحدث عنها فوزي كريم لم تعد تملك أي ثقل معنوي ناهيك عن كونها تعبيراً مجازياً وتجريداً لشيء صلب. لم تعد الكتابة مصابة بهاجس التأطير ولم يعد التجنيس عامل قوة للنص مثلما كان في يوم ما. لقد تشظى العالم وفقد خاصيته التنظيمية التي تشده بعضاً ببعض، واذا أردنا الحقيقة فإن الكون برمته ماض إلى التفكك النهائي، ولم يعد التماسك من خواصه الخالدة. ما إن تنتهي من قراءة كتاب الشاعر فوزي كريم “تهافت الستينيين” حتى تشعر بالإحباط يزحف إليك، وتشعر بلا جدوى الحياة والكتابة معاً لأن كل شيء يمضي قدماً إلى الخلف، وعذراً لاستعمال كلمتين متناقضتين قدماً وإلى الخلف والجمع بينهما في جملة واحدة هي بالتأكيد لم تكن لتسر سارتر كثيراً لو كان عراقياً وحياً والذي سبق أن انتقد جملة “المادية الجدلية “عندما كان وجودياً محضاً قبل أن يلوذ بعبارة ماركس، ويكتب العقل والثورة بوصف الأولى مثالية والثانية مادية، وأن ذلك ينتج مدلولاً متهافتاً
ليس مادياً ولا هو مثالياً. فكيف جمع فوزي كريم بين الستينيين، والتهافت ذلك ما سنعرفه هنا: يقول فوزي كريم عن قصيدة النثر وفي صفحة 120 حصراً إنها “هيئة غائمة لا يمكن أن تتحقق منها في هذا المشهد المضطرب؟ (قصيدة النثر”في هامش القصيدة الموزونة لا يتماسك لها تاريخ فيتحدد وجغرافيتها، ليست ضيقة فحسب بل هي تحت وطأة ظروف لا تشكل قصيدة النثر فيها إلا ردة فعل” . لأنها (ببساطة) تسربت كظاهرة واضحة المعالم من فرنسا التي أنبتتها كفعل مضاد لصرامة الأشكال التي وصلت إليها ، من أميركا الجديدة التي تركتها في الظل على الرغم من آمال بعض كتابها المتحمسين ، والتعريف بمعالمها التي كانت ومازالت أكثر اِلتباساً من تعريف الشعر مع أن المطلوب من هذه المعالم هو معالم الشكل والبنية). بعد مئة وخمسين عاماً
من كتابة قصيدة النثر، يتحدث فوزي هنا عن هيئة غامضة ومشهد مضطرب وعن بعد تأريخي وجغرافي ضيق وهي في المحصلة النهائية ليست إلا ردة فعل، وكأن خروجها من فرنسا
مثلبة ما بعدها مثلبة على الرغم من أنه يكتب شعراً موزوناً، وبقافية أسماها أسلافه الشعر الحر) مع أنه كان شعراً تقليدياً، ليس له من التحديث غير التسمية التي كانت تنطبق لسوء حظهم على قصيدة النثر قبل غيرها، مثلما تصوروه مع أنه كان قائماً على مغالطة شكلية. لقد كان ما توصلوا إليه حدثاً مهماً على الرغم من تلك الكَبْوات كلها، وهذا بالطبع كان من الهرطقة كما يذكر واضع الكتاب بالنسبة للشعراء العموديين الذين ينتمي إليهم فوزي كريم ذوقياً.
كان بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، ومحمود البريكان، ونازك الملائكة سادة ذلك الزمان الذي كان يهيمن فيه الأسلاف العظام عبر امتداد أتباعهم ورثة الشكل التقليدي الزهاوي، الرصافي، الجواهري، الحبوبي ،النجفي، الشبيبي، الكاظمي، وغيرهم. لقد كانت تلك هرطقة وتجاوزا على تراث أسلاف مست لغتهم في الصميم . مع إن تلك الطفرة لم تكن تعدو أن تكون نسخاً للشعر العمودي لا غير، فما معنى أن تنتقل من بحر إلى بحر. إن ذلك لا يعدو أن يكون كتابة أكثر من قصيدة ببحور مختلفة، ودمج تلك القصائد في قصيدة واحدة. إن ذلك يجعلنا نتساءل بحيرة ما الذي يعيب شكلاً ليظهر؟
ألم تكن القصيدة الموزونة بالشكل الذي تبناه فوزي كريم ردة فعل على هيمنة الشكل العمودي؟ إن فوزي يأتي بالأعاجيب حقاً حين يتحدث عن الهرموني وموسيقى الإيقاع الخارجي، وتلك الأعجوبة الأخرى “الاستعارة المستخلصة من تيار الأحلام الدفين” والتي بدورها تحتاج إلى ترابط منطقي يعينها علي التواصل مع خارجها… ويقول أيضاً بعد عدة جمل لا معنى لها ” لا أعتقد ان هذه الخصائص هي موطن الإشكال حول كل معالجات قصيدة النثر، بل هناك إشكال آخر لا يثير انتباه أحد يتعين في الاجابة عن التساؤل الجوهري التالي:
– هل العمل الابداعي والشعري في المقدمة هو وليد صراع ومقاومة مع الضوابط والقوانين أم هو وليد حرية غير مشروطة، ويتساءل بجملة ركيكة . ( “ما هو الهرموني الذي يتطلبه الرقص من الجسد غير هذه الاستجابة والمقاومة لقوانين الحركة رقصا؟. وبالطبع فنحن لا نعرف ما فائدة الهرموني الذي يتطلبها الرقص من الجسد (لأن الانسان عادة ما يرقص بروحه) ومن ثم ما قيمة “الاستجابة والمقاومة لقوانين الحركة واللا محور من حرية الجسد في الحركة رقصاً…. ” في كتابة قصيدة نثر تكتب بجملتين أو أكثر بلغة واضحة أو غامضة، إن كل هذا التداعي البلاغي لا يعدو أن يكون محاولة يائسة للتقليل من شأن قصيدة النثر التي كسرت أنماطاً قديمة يتبناها كاتب “تهافت الستينيين” أما في ترابط الثلاثي العضوي فيقول فوزي كريم “لم أتردد يوما في كتابه قصيدة نثر حين اجد الحاجة إليها تلح عليّ. ولكنني لم أقبل عليها إلا بفعل حاجة ليست بالضرورة الواعية، إنها ضرب من الكتابة الشعرية يلبي حاجة جانبية وطارئة، حالة للخوض في بحر غامض لا يحتا ح الخوض فيه إلى محفزات غرائز دفينة مثل الإيقاع والموسيقى. هذا البحر الغامض عادة ما يكون ذهنياً ومحاذياً .. أما عالم الأحلام واللاوعي فلا يمكن أن أتخيل إمكانية تدفقه بغير تدفق الإيقاع والموسيقى” . وهكذا يتحفنا فوزي بتحفة التحف عن دهشته في المقطع الآتي. “إني أعجب كيف يمكن أن يواصل شعراء مثل محمد الماغوط وأنسي الحاج وتوفيق الصايغ كتابة قصيدة النثر طوال حياتهم مع انعدام كلي للمحفز الأساسي لقوى الغرائز الدفينة مكمن المشاعر.” ويتساءل في أن الثلاثة يحسنون كتابة البيت الشعري الموزون وهم للأسف لم يتحدثوا يوماً عن هذا الجانب في خبرة الكتابة، كيف يمكن لشاعر أن ينهي عمره الشعري في مسار لا أثر فيه للإيقاع والأوزان وللموسيقى ويتناسى ان رامبو ومالارميه وويتمان ووالس .. وعشرات غيرهم كتبوا بالأنماط القديمة، وأن عظمتهم الشعرية اعتمدت على قصيدة النثر حصراً. يتحدث عن جهل توفيق الصايغ والماغوط وأنسي الحاج بالعروض ويجعل من ذلك مثلبة كبرى على الرغم من أنه لم يكن إمام الوزانين فثمة من هو أعمق و أدرى منه بتلك الملكة، منهم شعراء مثل فاضل العزاوي، وسامي مهدي، وحسب الشيخ جعفر، وثمة معلمون في المتوسطة والابتدائية لا دخل لهم بالشعر لا من قريب ولا من بعيد يعرفون ذلك أيضاً.
يتجاهل فوزي كريم أن ثمة من يكتب قصائد عمودية وقصائد موزونة مثل أدونيس، وسركون بولص، وفاضل العزاوي وغيرهم الكثير… قد هجروا الشكل القديم لصالح الشكل الحديث المرتبط بديمومة الحياة وبمآلتها لا بماضيها ولا بتلك التعبيرات المجازية التي يلعب على وترها كثيراً، لأنها تُقوم الموضوع، وتجعله يخوض على ضفاف النهاية. وهنا أتذكر رؤية لشاعر آخر لا خلاف على شاعريته كتب شعراً موزوناً ومقفى إن لم يكن هو سيد الستينيين قاطبة وهو حسب الشيخ جعفر عندما سألته عن أكثر الشعراء أهمية من جيله. قال من دون تردد انه سركون بولص على الرغم من أن سركون يكتب قصيدة نثر إذا ما استثنينا كتاباته القديمة للشعر الموزون وهي قصائد كثيرة لا تشكل أية أهمية للرجل بصفته شاعراً مجدداً ولم ينشرها سركون في كتاب على حد علمنا إلا متأخراً وفي نهاية حياته ، ومما تقدم يتضح أن حسب الشيخ جعفر لا يتعالى على قصيدة النثر ومع ذلك أود أن انقل هذه الجملة لهذا الشاعر الكبير عندما سألته عن سبب عدم كتابته لقصيدة النثر أخبرني أن ما يمنعه من ذلك أنه لا يستطيع أن يتجاوز ما كتبه في مجاميعه السابقة أو في الأقل لنقل إن ما منعه من كتابة قصيدة نثر ليس تعاليه، ولكنها لا تتماشى مع طبيعة تجربته التي ترسخت بعد جميع تلك السنين . كان يرى أنه أفضل في كتابته للشعر الموزون المقفى من كتابته لقصيدة النثر . كان حسب الشيخ جعفر أكثر تواضعاً، إذ دل موقفه على الموضوعية والتفهم. أين منه موقف فوزي؟ إن مهاجمة قصيدة النثر بالنسبة إلى فوزي كريم جاءت من قصور في كتابة أنموذج ملائم وجيد، وهذا ما جعله بالحقيقة يتمسك برأس ماله متجسداً في البحور وعلم العَروض التي أنتجها الخليل بن أحمد الفراهيدي قبل عدة قرون على الرغم من أنها كانت شائعة وطليعية أكثر، ذلك لأنها لم تكن تلتزم بأيدولوجية العروض التي ترسخت لاحقاً. ولنا في نماذج أبي العتاهية خير دليل، وبالتالي لا نعرف ما الذي كان سيكون عليه حال فوزي لو لم يكن الفراهيدي قد أوجد أمثولة العروض، ورتبها بنحو ناقص بحسب الرواية المتعارف عليها والشائعة، إن موقف شاعر كلاسيكي وعروضي من الطراز الرفيع مثل الجواهري كان تقدمياً بما لا يدع مجالاً للشك حين عدّ السياب ذلك المارق الكبير على الشكل الكلاسيكي أهم شاعر في جيله وربما خليفته أيضاً بحسب الرواية الشائعة. لم تكن رؤية الجواهري محافظة وضيقة مثلما هو الحال لدى فوزي كريم. كلنا نعرف أن الشعر قد بدأ منذ بدء القِدم، وأن محاولة تأطيره في ما بعد جاءت مواكبة لوجهات النظر السائدة في ذلك الزمن، وليس لضرورات إيقاعية أو هرمونية مثلما يدعي صاحب الكتاب. لأن علم العروض جاءنا ناقصاً، وما تم إنقاذه مما وصل إلينا هو إلا شزر يسير مما تم إنقاذه من الحرق. ثم ما رأيه بتلك الخروقات الأسلوبية والشكلية في نصوص الباطنية التي كانت تنسج إجمالاً من اللاوعي، وليس من الموسيقى والإيقاع وهي نصوص الحلاج النفري وابن عربي والجنيد.
ألم يكن التراث العربي برمته نثراً؟ ألم يقرأ فوزي كريم وجهة نظر الجرجاني، والجاحظ، والصاحب بن عباد، وابن يحيى، وغيرهم من فحول النقاد المتقدمين في ذلك الزمن والتي تقول إن قوة الشعر تكمن في الصورة، وأن أضعف حلقة فيه هي الإيقاع.
في ذاكرة كل شخص يوجد هامش، وذلك الهامش يظل حياً بالطبع، كذا الحال بالنسبة إلى فوزي كريم فهو ينتمي لتجربته الترانسد نتالية المتعالية التي هي بالتأكيد تمتلك علوًا قائماً على بنية ضيقة وفقيرة بنحو محزن، فهو لم يكن مخلصاً للهامش الذي انتمى إليه وإلا لكانت وجهات نظره اتسعت خارج مساحة التأطير ، عندما تكون جزءاً من النسق فلا بد أن تعيش حياتك داخله.
ربما هو معذور في هذا، فالرجل ينتمي لتجربته التقليدية الخاصة. فوزي يؤكد في كتابه المذكور أن “قصيدة النثر مستوردة” ونحن نتفق معه بهذا لكننا نختلف معه في انها بلا قيمة لأنها من منبت اجنبي وغريب وأننا تبعاً لذلك يجب أن نطعن بأصالتها وقيمتها، وهذا بالطبع يجرنا إلى أن نعمم، ألم تكن الموسيقى الكلاسيكية مستوردة أيضاً؟ ألم تكن السينما أوروبية ؟ ألم تكن الكهرباء مستوردة أيضاً؟ ألم يكن السروال مستوردا والويسكي الذي يشربه مستورد؟ ألم تكن أفلام شابلن وايزنيتشاتين، و أكيرا كيراساوا، وبيرغمان. وجوزيف لوزي وهيتشكوك مستوردة؟ ألم تكن قصات الشعر ودورة الأزياء مستوردة؟ ألم تكن المكنسة الكهربائية مستوردة أيضاً؟ ألم تحل السيارة مكان الجمل والباخرة وسكك الحديد والطائرة والثورة المعلوماتية؟ ثم ما رأيه بالثورات والمتغيرات الكبرى في الزمن الحاضر هل هي مستوردة؟ وإذ كانت مستوردة أهي حقيقة أم أن الناس لم تهضمها بنحو حقيقي؟
عندما يتحدث فوزي كريم عن الجيل الستيني وعن تطلعاته وأحلامه، فهو يعتقد أن تلك الأحلام والرؤى التي انبثقت من تلك المرحلة الصلبة والثقيلة والدامية كانت فارغة في مجملها، إذ إن تأثيراتها لم تكن كبيرة و كانت عبارة عن كاريكتور ليس إلا إذا ما قيست بالثورة الروسية التي تحققت نتيجة لحرق كل مراحل عصر النهضة، تلك المراحل التي كانت أوروبا قد قطعتها بعد أربعة قرون، وجاءت روسيا لتحرق تلك القرون الأربعة بقرن واحد لا غير ونتيجة لذلك فلقد تغير وجه روسيا.. التي أنتجت مثقفاً عضوياً حقيقياً فعالاً.
بخلاف ذلك المثقف العراقي الذي انبثق بعد نصف قرن والذي امتاز بالخواء وبالسطحية حين تبنى قصيدة النثر ليس غير.
على الرغم من توافر الظروف السائدة، وتنامي الرساميل العربية، والنمو الحاصل في بنية التجارة، والنقل، وتبادل المعلوماتية ،وازدهار المطبوع، وتوسع الأسواق، التي كانت تفتقر روسيا إليها، وهي تحقق تلك الطفرة. ذلك كله لم يأخذه فوزي كريم بالحسبان، تلك الأشياء التي كانت مصدراً سريعاً للتنمية.
يعيب فوزي كريم أيضاً على العراقيين أنهم بلغوا تلك الأفكار التي وصلتهم ببضعة سنين في حين احتاج الروس إلى بضعة عقود لحرق تلك المرحلة، كذلك يفعل الأمر ذاته مع مثقفي اليسار الأميركي الذي أغرته بضعة أفكار لماركوز عن الإنسان والبعد الواحد .يهاجم النزعة الإنسانية من وجهة نظر فوكوية لم تعد ترى الإنسان أكثر من دولارات وأنظمة. ولا أعرف لماذا ينظر إلى الموضوع عبر بعد واحد.. إذا كان الأوروبيون كما أسلف قد احتاجوا إلى ثلاثة قرون فإن الروس قد احتاجوا إلى حفنة قليلة من العقود، فلِمَ يعز علينا نحن أن نختصر تلك العقود إلى حفنة من السنوات مع وجود هذا التطور الكبير في وسائل النقل والثورة المعلوماتية الكبيرة؟ بعد أن تحول العالم كله إلى قرية صغيرة، وليس كوكباً عملاقاً تسكنه الأشباح وحضارته لا تتبادل التأثير، وهنا الطامة الكبرى.
من أجل كرامة الإنسان ورفعته كتب کارل ماركس كتابه الرؤيوي البيان الشيوعي) ذلك الكتيب الذي كان له مفعول السحر في تغيير شيء من شكل العالم و أنسنته على الرغم من كل المآسي التي تركت طيفها في ذاكرة الشعوب التي عاشت التجربة.. لقد كان ماركس ذاكرة حية يقظة الضمير إزاء عماء العالم ولا مبالاته. ولقد كان الحزب الشيوعي و اليسار العراقي صاحب أكبر تجربة شرق أوسطية في بداية الستينيات و بلغت تلك التجربة الذروة. فهل تبنى فوزي كريم غير هذه الرؤية ليطعن فيها.. بعد أن جنح لحياة الدعة في لندن؟
البيان الذي كتبه الرجل النبيل والذي أثر إلى هذه الدرجة في مريدين سابقين ذات يوم وقلب موازين تفكيرهم.. ربما أصبح البيان قديماً وفقد قيمته الأيديولوجية الحاضرة ما يشير إليه جاك دريدا في كتابه بالغ الأهمية (أطياف ماركس). وها أنت ترى بعيني رأسك نهاية التاريخ الذي طبل له فوكو ياما، ونهاية النظم الرأسمالية المتوحشة نحو نظم أكثر أنسنة.
ها هي الإنسانية في طريقها إلى متغيرات مفصلية، وهو بالتأكيد يتذكر جملة ميرغل (لقد كنا نعيش في حفلة ولقد جاء الوقت لندفع فاتورة الحساب)، فها هو العالم يتحرك بنحو عدمي، وهو يعيش لحظات اغتراب تأريخية حافلة بالصراع والمتغيرات، ليس لها مثيل منذ بدء الخليقة، فها هو يهجر تاريخه، ويغير عالمه كل عشر سنوات. تلد وتموت مئات الرؤى والأحلام والعادات والتقاليد، أين فوزي كريم من تلك المتغيرات العدمية كلها؟!
المصدر- فوزي كريم، تهافت الستينيين؛ أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي 2006 عن دار المدى .
أضف تعليق