نبيل شوفان
يمكننا القول إن الوقت غير موجود فهو مجرد مفهوم بشري، ورغم نتائجه التي تجعلنا نفهم تطور بيئتنا المحيطة، ولكن هل هذه هي الحقيقة، إذا كانت كذلك فهي مختزلة جدا، وإذا لم تكن كذلك -وهي غالبا ليست كذلك فقط-، فإن مأساة الإنسان هي أن الوقت من ناحية ضروري لفهم ما حولنا، لكن تحركنا بحرية عبره لا يزال بعيد المنال، فهو يخترقنا وفق معادلة واحدة تقول: الماضي ليس أكثر من اسمه عندما نريد استرجاعه، الحاضر كذلك إذا أردنا الاحتفاظ به؛ والمستقبل ليس بعد.
يؤكد الفرنسي هنري برجسون، أنه لا يمكن التفكير في الوقت إلا من خلال حيز مكاني يجعله مرئيًا ليبدأ باتخاذ أشكاله، قصيرا يمر ببطء، أو طويلا يمر بسرعة، كل ذلك يعتمد على تصوراتنا الذاتية، فلا يمكننا تجسيد الزمن بشكل موضوعي خارج أنفسنا، إذ أننا نشكل مكانا لتجسيد الزمان، ونفهمه كلٌّ من موقعه الذي يتركز فيه الزمن في الجسد والعقل، فلا يمكن أن يتساوى موضع عشر سنوات في السجن في جسد وعقل حيث نفقد قدرتنا على فهم الوقت داخل حياة روتينية وتصور كئيب للوجود يمنعنا من رؤية جمال العالم، لا يمكن أن يتساوى مع عشر سنوات من السفر، مع عشر سنوات في الفضاء مثلا حيث تتلاشى قيمة الزمن المادية إلى حد بعيد كما يمثل ذلك أمام أعيننا الفلم الشهير انترستيلر.
وإذ يؤكد ايمانويل كانط لاواقعية الزمن لعدم امتلاكه ذات، وبالتالي فهو إدراك نفسي أكثر منه مادي، يعرفه أينشتاين بأنه يتحد مع المكان ليشكل بعدا هو البعد الرابع الذي بالكاد يمكننا فهمه، ينصحنا ألبرت أينشتاين بإدراكهما مرتبطين، تؤكد نظريته استحالة فهم واحد منهما دون الآخر، وهذا ما يحيل الزمن إلى كائن تستطيع مراقبته في شخصيات رواية سرير بقلاوة الحزين، تحركاته، سكونه، حركته، تعفنه، قيامته، بلادته، توحشه.
لا تغادر رواية “سرير بقلاوة الحزين” للسوري نبيل الملحم قصة الزمن الذي يخترق كل شخصية من شخصيات روايته، حيث يتجلى الزمن كائنا يتدخل في كل شخصيات الرواية بدء من الدكتور نزار سليمان وكيف دخل سجن تدمر، فيتصرف الكاتب في الرواية كأنها مشاهد تصويرية يكاد القارئ يكتشف فيها الزمن ككائن بأقنعة مختلفة.
نشاهد في سرير بقلاوة الحزين أحداثا تبدأ بنفس اللحظة، لكن الزمن الذي يعبر الشخصيات بشكل مختلف كل مرة، يجعله مستعصيا على القياس بوحدات الزمن المعروفة، كالساعات والأيام والشهور والسنين، فيلجأ كل سجين إلى قياس الزمن بطريقته، من زاوية مكانه، ففي منفردة الضابط أدهم حيث تم وضع الرجل مقرفصا مربّطا إلى الخلف يهم بنحت إبرة حديدية ليخيط بها قميصه الذي أهدته إياه حبيبته، يسرد لنا الكاتب أكثر من حدث جرى مع زملاءه خارج المنفردة، تحدث أحداث كثيرة وكبيرة، قبل أن يعود بنا الكاتب إلى أدهم في لحظته التالية فقط، حيث ما تزال تبدو صناعة إبرة بيدين عاريتين وأسنان فكرة مستحيلة في الزمن الواقعي الذي نعرفه، وحتى حين ينجز الإبرة ويبدأ بقطب قميصه، يقابل في الخارج الدكتور نزار آمر السجن العقيد صالح، ويدور بينهما حوار طويل جدا، بينما يعود الكاتب إلى قطبة أدهم وهو بالكاد أنجز قطبة قميصه الأولى.
لمن الجلي أن الزمن الذي يخترق مكان أدهم، مختلف تماما عن ذلك الذي يخترق ما هو خارج زنزانته، إنه يبدو أبطأ بكثير، وبهذا التنقل يأخذنا الكاتب إلى ما هو أبعد من مفاهيمنا التقليدية للزمن، فهو ليس فقط بعدا فيزيائيا رابعا إلى جانب المكان، بل إن الزمن هذه المرة متورط باللعب بالأقدار، وبالتبدل من كائن إلى كائن، ثم تبديلنا وتبديل صورنا وأفكارنا وشخصياتنا.
بعد رابع للشخصيات
أدهم الذي نتحدث عنه هو ضابط السجين تنتظره خارج السجن حبيبته كلير، وقد منعهما دين كل منهما من الزواج ببعضهما، أدهم المقيم في غالبية زمن الرواية في سجن تدمر، بداعي أنه أرسل رسالة إلى كلير حين كان يخدم في سلاح الطيران، قال فيها إنه ينوي الاستيلاء على الحكم وتحويل المساجد والكنائس إلى دور رقص لتعليم الطيران بالأذرع، مؤكدا أنه سيوزع الأجنحة على جميع المواطنين، يصف حبيبته كلير في الرسالة بالملكة، هو حماس استمده من شعوره بالطيران، كلما ارتدى القميص الذي أهدته إياه حبيبته كلير، إلا أنه حماس انتهى به مع “الزمن” في السجن، فالرسائل تمر على الأفرع ولا تصل كلير، وفي منفردة بسجن تدمر، مربط اليدين إلى الخلف، لديه كامل الوقت والزمن لينحت “سلكا معدنية” خارجا من الجدار بالجدار، حتى يصبح إبرة، ومن الطيران في السماء إلى القرفصاء في السجن يتبدل الزمن من قطار سعادة جامح السرعة إلى قاتل بطيء الضربات.
يخرج أدهم بعد سنين السجن، معاقا زمنيا، فهو لم يحتمل وجود صديق مفعم بالشباب مقرب من حبيبته كلير كانت تعرفت عليه في مكان عملها في الصحيفة، لبث أدهم زمنا طويلا في مكان ثابت، كان كفيلا لتخور عضلاته التي كانت مشدودة نافرة العروق كورق الملفوف، ولتتعب ذاكرته دون أي تغيّرات في روتين حياته، أخصيت قدرته على إدراك ما أصبح عليه الزمن من سرعة خارج الزنزانة، فبات يتعامل مع قيمة الحرية المتبدلة دائما بعقلية كانت ثابتة لزمن طويل بطيء، وراح يتعامل مع الزمن الحاضر بإدراكات كان اكتسبها عند دخوله إلى السجن، فتوقف زمن أدهم عند فهمه استحالة أي علاقة بين حبيبته كلير العصامية وبين زميلها بالعمل، بينما في الحقيقة كان الزمن الذي اخترق كلير سريعا جدا وكفيلا بتطور شخصيتها النفسية يصور ذلك نبيل ملحم بشكل رائع.
الزمن قاتل متسلسل
عَبَر الزمن أدهم فأعاقه، بينما قلب الزمن السريع الطاولة على كلير وروتينها الصحفي المتكرر، لتعود وتكتشف نظرة طفولية للحياة، (كما حصل في رواية مارسيل بروست)، وأما بالنسبة إلى صديقها الجديد الصحفي المراهق فإن الزمن صار يقفز به قفزا من المراهقة إلى النضوج بسبب حبه لكلير.
يمكن للزمن إذن التقدم بسرعة والقفز إلى الأمام، ويمكن له أن يكون بطيئا، أو أن يقترب من التوقف مثبتا صاحبه في نقطة معينة كما حصل مع العقيد صلاح بعُقدِ طفولته التي لم يستطع التخلص منها، وكذا الحال عند صف الضابط الشايل، المتحامل على صورته بالمرآة.
النهاية في البداية
بقي أن الكاتب بدأ روايته من نهايتها حين كان الدكتور نزار ممدا على سرير التشريح في مشفى الجامعة وكلية الطب نفسها التي درس ثم درّس فيها طلابه، ممددا كمادة تعليمية قادمة من سجن في الصحراء، ثم راح نبيل الملحم يقلب زمن الطبيب بعمليات الاسترجاع، والاستباق، و”الاستشراف”، خالقا أمامنا ومضات زمنية عن مستقبل الشخصيات باتخاذ أشكالهم، نعيش في الرواية مع شخصيات عبارة عن كائنات زمنية، وخارج الحدود الزمنية للرواية كلها هذه المرة، ثمّة ما يقلق القارئ في نهاية الرواية التي بدأت للتو، قلق على مستقبل الطالب الواقف في غرفة تشريح الجامعة وهو يتقيأ بعد أن تعرف إلى وجه ابن قريته وأستاذه الطبيب نزار مادة تعليمية في التشريح، يريد الكاتب القول إن الزمكان في روايته مصاب بالتكرار!
أضف تعليق