فتحي الرحماني
• تصدير: / "ولكنّه ضحك كالبكاء.." / المتنبّي
أذكر انه في ندوة افتراضية من ندوات “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات”، أنّ الأستاذ حكمت الحاج علّق على أسلوب ميس داغر وخاصّة في مجموعتها القصصية التي تحمل عنوان “ما جرى في الدومنيكان” أنّه أسلوب يثير الضحك وأنّك حين تقرأ بعض نصوص ميس فقد يستغرقك ضحك هستيري .
لكن هذا الضحك الذي تثيره فينا قصص ميس داغر هل هو مجرّد فكاهة؟ دعابة؟ ضحك بريء يعني؟
لا يبدو الأمر كذلك، فالكاتبة في أغلب أقاصيص مجموعتها تسعى إلى إضحاكنا فنضحك معها فعلا ولكنّنا نضحك “مِن” ونضحك “على”، فضحكنا في هذه الحالة لن يكون بريئا ولا محايدا ، بل هو أقرب إلى السخرية والتهكّم لأنّ السارد نفسه هو سارد متهكّم يمرّر خطابا ساخرا من خلاله يكشف التناقضات ويضعنا أمام المفارقات ويجعلنا في مواجهة المواقف العبثيّة وسخافات الشخصيات ويشوّه المشاهد ويحرّفها ويضخّم العيوب ويبرزها ويُقبّح الملامح كما تقتضي تقنيات السخرية وآليات توليد الإضحاك في نصّ إبداعيّ.
ولا عجب فميس داغر هي سليلة ثقافة فلسطينية لها رصيد كبير في مجال الخطابات الساخرة، فيكفي أن نستحضر رسام الكاريكاتور ناجي العلي بشخصية حنظلة التي أبدعها وسخر من خلالها من الواقع سخرية مريرة سوداء والكاتب إميل حبيبي في رائعته “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل”، فالسخرية من هذه الناحية لم تعد مجرّد أسلوب فنّي بل هي طريقة حضور في هذا العالم وموقف منه.
1/ ما جرى في الدومينيكان: مفارقة العنوان
يشير هذا العنوان إلى مجموعة قصصية من نحو 42 نصّا قصيرا صادرة سنة 2022 في طبعة أولى عن دار “العائدون للنشر” – الأردن وتقع في نحو 140 صفحة من الحجم المتوسّط للكاتبة الفلسطينية مَيس داغر، ويشير هذا العنوان بصيغته هذه إلى حدث أو أحداث (ما جرى..) ومكان مرجعيّ ( الدومينيكان) غير أنّه يضعنا أمام أولى المفارقات إذ يدفع القارئ إلى السؤال: ما علاقة كاتبة فلسطينية بالدومينيكان؟ وما الذي جرى فعلا هناك؟ ولماذا الدومينيكان؟..
بالعودة إلى المكان في مرجعيته نجد أنّه يحيل إلى جمهورية صغيرة في إحدى جزر الكاريبي، يسكنها شعب “التاينو” قبل أن يصل إليها كريستوفر كولومبس سنة 1492 في رحلته الاستكشافية ليحوّلها إلى مستوطنة أوروبية دائمة منها انطلق نحو بقية المناطق في الأمريكيّتين. وقد عرفت الجمهورية في تاريخها الحديث الكثير من الاضطرابات السياسية والحروب الخارجية والأهلية، تعرّض سكانها الأصليون (شعب التاينو) إلى حملات تهجير وإبادة، وهي اليوم وجهة سياحية عالمية.
أمّا في علاقة العنوان بالمتن فنجد أنّه يمثّل أقصوصة من أقاصيص المجموعة في صفحتها 94 ، وعلى عادة الكتاب قديما وحديثا قد يُسَمَّى كلّ الكتاب بأحد أجزائه فأطلقت الكاتبة عنوان الأقصوصة على المجموعة كاملة . وفيها نرصد شخصية “أبو ربحي” حلاّق المدينة الشهير كيف “يُساوره قلق عميق تجاه ما يجري في جمهورية الدومينيكان” ومشكلته ليس فيما يجري ولكن في عدم اكتراث الناس بما يجري ، بل إنّ السلطة والمعارضة في الدومينيكان نفسها لا يبدو عليهما الاكتراث بما يحدث ، ويظلّ ” أبو ربحي” على قلقه حتّى يحدث الانفراج بظهور مسؤول حكومي مُعربا عن قلقه مُبديا أسفه تجاه ما يحدث في دول أمريكا اللاتينية ، وهو تصريح فهم منه ” أبو ربحي” أنّ المسؤول يلمّح إلى ” ما يجري في الدومينيكان” .
والطريف أنّ الأقصوصة لا تخبرنا بما جرى في الدومينيكان، ولا تكشف عن أسباب انشغال ” أبو ربحي ” بهذا الأمر ، وهي بذلك تضعنا أمام نموذج “العامّي” وكيف ينظر إلى الأشياء أو هي تلمّح من خلال هذه الشخصية إلى نموذج المثقّف الذي “يُدافع عن كلّ قضايا الكون ويهرب من وجه قضيّته”، وفي الحالتين تقودنا السخرية إلى استخلاص “عبثيّة الموقف” و”سخافته” وتغرقنا في “اللامعنى” وفي نوع من ” العدميّة”.
تتعمّق مفارقة العنوان متى أدركنا التناقض بين المكان الجامع ” الدومينيكان” في العنوان والأمكنة في متن الأقاصيص التي تحيل على مدن وبلدات ومخيمات ومناطق في فلسطين، فإذا بالدومينيكان تتقاطع مع فلسطين وتتشابه معها وتتماهى وتحل محلّها ، فالمكان ههنا هو من باب التلميح والتورية، ولعلّ الكاتبة وجدت أنّ في الدومينيكان ما يشبه فلسطين خاصّة في الاستعمار الاستيطاني وفي حملات تهجير سكانها الأصليين وتعرضهم للإبادة كما حدث ويحدث للشعب الفلسطيني ، ثمّ ألم ير المستعمرون الأوروبيون الأوائل في ” الأراضي الجديدة” التي اكتشفها كريسوفر كولومبس “أرض ميعاد” ؟ ألم يسمّوا سكانها الأصليين “كنعانيّين جدد”؟
إنّ اختيار هذا العنوان يذكرنا بتلك الجملة الشهيرة التي تتصدر أعمالا سنيمائية في الغالب وتقول” إنّ أيّ تشابه أو تطابق بين الشخصيات أو الوقائع في الفيلم مع الواقع هو محض صدفة” ، وعادة ما يدرك الجمهور أنّ هذه جملة للتعمية والتمويه بل هي لتأكيد التطابق وتوجيهنا نحو البحث في التشابه.
2/ سخرية المشهد:
تبني أقصوصة “الماكينة” ص21 مشهدا ساخرا ، إذ تقدّم لنا طوابير من الناس لا يعرفون لماذا ينتظرون؟ ولا ماذا ينتظرون؟ ولكنّهم يجدون متعة في في الدخول إلى ماكينة ، ويحسّون بسعادة بزيّهم الموحّد وأختامهم ويتشمّتون في الآخرين الذين مازالوا ينتظرون أو حرموا من الدخول، فتبدو هذه الماكينة شبيهة بمصفوفة – الماتريكس في الفيلم الشهير التي تبتلع الناس وتعيد إنتاجهم واستخدامهم وإفناءهم واستعبادهم وتجريدهم من إنسانيتهم ومع ذلك يعميهم وهمهم بأنّهم سعداء، إنّها المكنة – السجن – والمشهد العبثي الذي ينطبق عليه قول محمود درويش :
“أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن، ابتسامةَ النصر عن الكاميرا. لكنّه لم يفلح
في كبح السعادة السائلة من عينيه. ربما لأنّ النصّ المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل.”
3/ المفارقات وصنع السخرية:
– المفارقة بين بساطة المهنة ( خبّاز أو عجّان أو عتّال) وشرط إتقان اللغة الأنقليزية وأن يكون خرّيج مدارس مرموقة في أقصوصة “العار” ص 4 في نقد لعبثية الواقع وإدانة لمنظومة التعليم “الذي يجلب العار”
– المفارقة بين حياة الفقر والتعاسة في الواقع وسعادة وهمية في العالم الافتراضي في أقصوصة “أسعد الناس” ص27
– في أقصوصة “وداع السيّد أورفان ” ص11 تنشأ المفارقة من التناقض بين أسباب حزن الجماهير المتوقّعة ( الحزن على موت السيّد أورفان) وبين حقيقة هذا الحزن الذي لم يكن بسبب الفراق أو فاجعة الموت وإنّما بسبب وجود رغيف خبز مكتمل عند السيّد ولم ينتبه إلى ذلك أحد في زمن الجوع والمسغبة وغياب كسرة خبز ناهيك عن رغيف كامل، فالجماهير اختزلت السيد في رغيف خبز.
كلّ هذه المفارقات تدفعنا إلى الضحك ولكن بمرارة لأنّ عبثية الوقائع تجعل ضحكنا ممزوجا بانفعالين هما الغضب والاشمئزاز .
4/ سخرية المواقف:
سخرت الكاتبة من ثقافة سائدة يميل فيها الجمهور إلى التسطيح والتبسيط وتتحكم فيه الأهواء وتسيطر عليه التفاهة والسذاجة من خلال تنويع المواقف المبنية على الشذوذ والغرابة والعبث:
– السخرية من نظرية المؤامرة المستشرية في أوساط مجتمعاتنا العربية في أقصوصة ” القملة التي لم ترتكب الفاحشة” ص 1( اندفاع الجمهور نحو مناقشة قضية تافهة: ارتكاب قملة للفاحشة من عدمه، وتعمّد الكاتب توجيههم وتغذية الخلاف والصراع بينهم) وأقصوصة “المؤامرة” ص25 ( يستهلك سكان قرية حياتهم في فكّ شيفرة مؤامرة مزعومة)
– السخرية من المسؤول الحكومي الرفيع الذي لا يفرّق بين الملح والسكّر في أقصوصة ” البعثة الهولندية” ص 4 ولا يعي جهله ( إفراغ أكياس الملح في القهوة ظنا منه أنها سكر لأنه لا يميّز أسماءها الأنقليزية) بل يمضي قدما في تبرير موقفه وهو الوصيّ على علاقات مع بعثة أجنبيّة.
– السخرية من “سلوكنا الداعشي العنيف ” أو من ثنائية “الدعوشة والقابلية للدعوشة ” في أقصوصة ” إنها داعش” ص33 من خلال موقف شاذّ تقتل فيها عائلة صهرها بتحطيم جمجمته وأطرافه أثناء نقاش عائلي لأنّه لم يقتنع بأطروحتهم في أنّ داعش مجرّد مؤامرة وصناعة أجنبية.
5/ تقنية الكاريكاتور:
يرتبط الكاريكاتور ارتباطا وثيقا بالإضحاك والسخرية وقد نجحت ميس داغر في توظيف تقنيات هذا الفن القائمة على التشويه أو التحريف أو التضخيم لأنّ الكاريكاتور يهدف بإظهار العيوب والتركيز عليها أو تضخيمها تقبيح الشخصية أو فضح موقف كما هو الحال في أقصوصة ” حُمّى الشوارب” ص62، إذ تركّز السرد في نوع من التبئير على شارب المسؤول الذي “لا ينمو كاللازم” في مقابل شوارب الفلاّحين الكثّة ، وهذا التقابل في الشوارب يعكس تقابلا في المواقف: إذ خاض الفلاحون صراعا مع جنود الاحتلال الصهيوني بينما اكتفى المسؤول بإلقاء كلمة تضامنية مهتزّة.
6/ سخرية العبارة:
توسّلت الكاتبة العبارة تقنية من تقنيات السخرية إذ استعملت الكثير من العبارات أو الجمل في غير معانيها المقصودة وتلاعبت بها لتجعلها أشياء مختلفة /ن ذلك:
– التناص في عنوان أقصوصة ” صريع الأماني ” ص77 التي تروي حكاية معلّم يخرّ ساجدا لأنّهم أقرّوا زيادة في مرتّبه وهو عنوان يتقاطع مع كنية شاعر عربي قديم هو مسلم بن الوليد عرف بلقب ” صريع الغواني”، والغواني هنّ الجواري ، فيقودنا هذا التناصّ في العبارة إلى نوع من العبثية والعدمية بإفراغ الحكاية من جديتها والفعل من عمقه .
– تكرار جملة “هذا غير منطقيّ أبدا..!” في أقصوصة “عرّف المنطق” ص 88 وهي عبارة وردت على لسان فتاة عندما استغربت من نفاد مرتبها على مشتريات قليلة، فانتشرت الحكاية و” تناقلت المدينة جملة الفتاة كنكتة طازجة لا تسمعها أذن إلاّ ويقع صاحبها من الضحك” لك أنّ الواقع الذي يعيشه الناس يغيب عنه المنطق بل لا يخضع لقوانين المنطق فيصبح أي حديث عن منطق في سياق اللامعنى والفوضى مدعاة للضحك والتهكّم.
– جملة الدعاء المثيرة في أقصوصة ” تسليات غزّاوية” ص54 التي تمثّل تعبيرا مفارقا عن محنة انقطاع الكهرباء في غزة وهي “كَهربك الله” ، وطرافة الجملة تكمن في أنّا تحمل المعنى ونقيضه فهي “دعاء لك” بالإيجاب أي أن يصلك الكهرباء المنقطع ، وهي في المقابل “دعاء عليك” بالسلب أي يصيبك الكهرباء فيؤذيك ، فيخرج الاستعمال السياقي الكلمات والأشياء عن معناها الأصلي ويقف القارئ أمام الكهرباء في النصّ متسائلا هل هي نعمة أم نقمة.
نستشعر من خلال هذه الأمثلة التي سقناها أنّ السخرية ليست وسيلة من وسائل النقد بالنسبة للكاتبة ميس داغر وإنّما هي أيضا خيار أسلوبي لا يكاد يغيب عن أغلب أقاصيص المجموعة حتّى أن الضحك والتندّر منتشر في الأحداث وفي الحوارات وكثيرا ما كان صفة للشخصيات، وقد نجحت الكاتبة في توظيف أغلب تقنيات الإضحاك من وصف كاريكاتوري إلى مبالغة وإطناب إلى إنشاء مفارقات وبناء مواقف شاذّة، وهي في الحقيقة ليست مجرّد تقنيات في الكتابة بل هويّة تعبيرية وأسلوبية ، فالأسلوب الساخر، الكوميديا السوداء، المواقف المضحكة والمبكية في الوقت نفسه، السلوكات الصادمة، تهدف كلّها إلى تعرية المجتمع، وإلى رصد مستوى الوعي لدى الجمهور :هل هو وعيٌ صحيح أم وعي مغلوط زائف؟
إنّ سخرية ميس داغر في هذه المجموعة القصصية تدفعنا إلى الضحك معها على الآخرين …ولكن على أنفسنا أيضا .
أضف تعليق