عبد الجليل حمودي
يرى الكثيرون أن الرواية التاريخية خلّصت التاريخ من أوراق الكتب وصعوبة إدراكه على قارئها وعذاب النفس عند ممارسة دراسته أن جعلته سهل التناول يسير الفهم حلو القراءة بفضل قوّة التخييل في القراءة وقدرة الرواية على التسرّب إلى أنهج ضيّقة وأزقة لم يفلح التاريخ في الولوج إليها لأنه يعتبرها من سقط المتاع وهو من هو علما صارما ومنهجا وثيقا.
كانت الرواية جادّة المتعلمين إلى إدراك معرفة ما بأحداثٍ تاريخية مضت إلى أن جاءت بقية الفنون البصرية فواصلت ما فعلته الرواية في تسهيل الاطّلاع على التاريخ. ولعلّ السينما كانت أكثر تلك الفنون تضلّعا في انتشار معرفة الناس بتاريخهم.
وما شد انتباهنا في السنوات الأخيرة أن الدراما العربية ارتفع نسق اهتمامها بالتاريخ خاصة في شهر رمضان الكريم بما هو مناسبة لمضاعفة إقبال لجمهور العربي على الفرجة على المسلسلات التلفزيونية، ويعد ذلك لأسباب متعددة لعل من أهمها وفرة الوقت للفرجة. ففي رمضان يتّسع عند العربي وقت بقائه مع العائلة في البيت فيكون ذلك مدعاةً إلى الفرجة التلفزيونية، كما أنّ التاريخ عادة ما يرتبط في ذهن المواطن البسيط بالدين فإن الأخير يقبل على الفرجة على المسلسلات التاريخية ويفضّلها عن غيرها إيمانا منه في كونها تنسجم مع شهر رمضان.
ولئن كان علم التاريخ يستهدف العلماء والأكاديميين، ويضع في حسابه تقبّلهم لما سيتطرّق إليه وكانت الرواية تتوجه إلى هؤلاء هي الأخرى إضافةً إلى طبقة أنصاف المثقفين، فإن الدراما التلفيزيونية تستهدف عموم الناس لذلك فإن انتشارها أذيع وتأثيرها أعمق وتداولها على الألسن أكثروخطورتها أكبر.
فلنأخذ مثلا مسلسل “الحشاشين” وهو الذي يبث الآن على أكثر من محطة تلفزيونية. إنه مسلسل تاريخي يحكي عن أخطر الحركات السرية التي اشتهرت بالاغتيالات، بدأ تأسيسها على يد حسن الصباح في القرن الحادي عشر الميلادي كجزء من الطائفة النزارية نسبة إلى نزار بن المستنصر المنتمية للمذهب الإسماعيلي الشيعي، وبسبب تأييده لنزار بن المستنصر أمام أخيه أحمد المستعلي لخلافة المستنصر طرد من مصر بعدما وصل إليها لممارسة الدعوة لمذهب الإسماعيلية، ورحل الصباح إلى سوريا وإيران واستولى على قلاع وخاصة قلعة آلموت ونفذ اغتيالات سياسية ضد السلطة السلجوقية، وأبرز ضحاياه كان الوزير السلجوقي نظام الملك.
ويغوص المسلسل في تعاريج هذه الأحداث التاريخية خالقا منها شبكات عنكبوتية يمتزج فيها التاريخي بالخيالي. ولئن حاول المشاهد الحصيف أن يفكّ عقد الحبال الرابطة بين التاريخ والخيال والأسطورة بما أن المسلسل يركز كثيرا على كرامات حسن الصبّاح فإن المشاهد العادي سيعاند ألف مرة ويتمترس وراء قناعة بأنّ كل ما يراه هو التاريخ بعينه.
من هنا يكون خطر الدراما التاريخية، فهي تحاول أن تقنع المشاهد البسيط برؤية أحادية قد تكون تحريفية خاصة وأنّ الأخير لا يمتلك آلية الغربلة والتصفية بين أحداث تاريخية وقعت أو يمكن أنها وقعت وبين أحداث ماهي إلا من وحي خيال المخرج أو السيناريست.
هكذا تعمق الدراما التاريخية التفكير الخرافي عند العربي. أضف إلى ذلك اعتماد هذا المسلسل على اللهجة المصرية التي لا أرى لها أسّا جماليا ولا منطقيا في استعمالها. فالفترة فترة عربية قديمة ما زالت اللهجة الآن ربما تحبو في مصر فقط، فما بالك بأن أصل أغلب الشخصيات من بلاد فارس، فهل يعقل أن يتكلم فارسي بلهجة مصرية؟
لكن رغم ذلك لا ننكر ما للدراما التاريخية عموما وهذا المسلسل بالذات من بعد جمالي يسحر المشاهد جاعلا إياه يضبط زمنه على زمن تقديم أيّة حلقة من المسلسل بل إن الممثلين تماهوا مع أدوارهم فأنت لا تكاد تميّز مثلا بين كريم عبدالعزيز الممثل وحسن الصبّاح الشخصية.
ومازاد العمل جمالا الصورة الخارجية والاعتماد على الكومبيوتر في تصوير المناظر الخارجية للمدن الذي قرّب للمشاهد الصورة بل جعله يعيش الأحداث في حينها.
أضف تعليق