حميد عقبي
ونحن نقرأ المجموعة القصصية “في أي مسجد تصلي”؟ للقاص والكاتب الكوردي محسن عبدالرحمن، ترجمها إلى العربية الكاتب سامي الحاج وصدرت عن دار مومنت 2022، سنشعر أن ثمة رغبة كبيرة للبوح وتصوير الواقع وقراءة ما وراء هذا الواقع وشجاعة كبيرة في كسر كل التابوهات وكذلك ممارسة تقنيات كتابية متعددة جديدة وسنجد المتعة القرائية حيث يتفنن الكاتب بتجريب أساليب تشويقية متعددة.
نحن نغوص في الذات والأمكنة والمجتمع في هذه المجموعة القصصية وسنكون في مواجهات كثيرة لبعض القضايا المتشابكة وكذلك تتميز بجماليات متعددة، تدعونا كل قصة أن نتشابك معها بغض النظر عن هويتنا وقوميتنا ولغتنا وتنادي الأنسان فينا.
ستختلف مستويات التلقي لهذه القصص من قارئ إلى آخر، تأتيني أحاسيس متعددة تزيد من فهمنا الخاص للأدب الكوردي ويشجعنا على انفتاح أكثر على هذا الأدب وهذه القصص ستضيف لأي قارئ الكثير والكثير عن هذه الثقافة الإنسانية الأنيقة.
سيكون نموذجي القصة الأولى من مجموعة “في أي مسجد تُصلي”؟، كأننا هنا مع شخصية، مع هذا الإنسان الذي تعرض للسرقة، سُرق منه شبابه وعمره وأحلامه وروحه، سنوات كثيرة زُج به في معارك ومواجهة الموت ولم يكن يشعر بإنسانيته وكرامته.
نسمع هذيانه الروحي وذكرياته الموجعة على سبيل المثال: (..وحده الله يعلم كم أكلنا القصعة مع الكلاب وعدَوْنا مع الذئاب ونمنا بين جثث الجنود الشباب، مع ذلك كان ولاؤنا موضع شك فالفأس يبقى اسمه فأسا، كما يقال).
يصور لنا خروج إنسان من حرب قاسية بشعة ومواجهات كثيرة مع الموت والأكثر من ذلك أنه يشعر بروحة وكرامته وإنسانيته تداس ليس من العدو أو الجيش الذي يحاربه بل من اسخف عريف كان يُشرف عليه ويهينه وينتقص آدميته وينظر إليه بعين الشك وكأن القاص وهو يسترجع هذه اللحظات من الحرب، هنا كأنه يصرخ ويلعن تلك الحرب وأسبابها ويلعن كل الحروب وفي أي بقعة من الكون، ويمقت تجار الحروب الذين يدفعونك إلى القتل والموت ولا يعترفون بك مواطنا وإنسانا، بل زيادة على هذا العالم الوحشي فأنت تعيش في جحيم أضخم، أي عدم الاعتراف بك وأنت في موقع التهمة والشك والدرك الأسفل من المواطنة والإنسانية.
سيتولد فهم خاص ومشاعر خاصة للمتلقين وبمعنى آخر عالمية هذا الألم الإنساني والذي نلمسه عند القاص محسن عبدالرحمن وهذه الكتابات تفيض بروحها الفني الإنساني والتصويري الجذاب والمثير للخيال كأنه وهو يرسم شخصياته فهو يرسمها جسديا وروحيا ويحفر في جغرافيا القلق وخاصة بما يتعلق بالواقع والمستقبل، هذه الشخصية تسعى أن تتجاوز ذلك الماضي بكل حمولاته المؤلمة وترميم ذاته وروحه ويزج بنفسه في الهموم الصغيرة واليوميات وشخصيات متعددة يلتقيها، على الرصيف ثرثرات لا تنتهي عن كل شيء وعن اللاشيء.
يخاطبنا القاص وكأنه يشفق علينا ويعتذر عن وضعنا والزج بنا في دهاليز هذا الجحيم المقلق ويقول على لسان شخصيته التي تحاول ترميم ما بقي من إنسانيتها (ولكن عندما أتذكر تلك الأيام التي كان المرء فيها ينسلخ عن انسانيته رويداً رويداً ودون مقاومة أتمنى من كل قلبي وأدعو الله أن أتمكن من إعادة تأهيل ذاكرتي ومسح كل سنين ما قبل التحرير منها. أتذكر تلك السنوات وأستيقن أن الإنسان أقوى وأقسى من الصخر والفولاذ.)
يتميز محسن عبدالرحمن، هنا وفي أغلب قصصه أنه يعي فنية وسحر كتابة القصة القصيرة وأن ما كتبه يجب أن يكون قصة قصيرة وأن كل قصة مكتملة ومستكملة لشروطها الفنية والدرامية وكل قصة لها وفيها شخصيتها الأساسية تعرف وتعي ما ستقوله وما ستفعله ويبتكر المقدمة والمدخل المناسب ولا أظنه لو عاد ليقرأ أو يعيد طبع قصصه أنه سيطور في البداية ولا الوسط ولا النهاية، هنا مثلا فالبداية تتمتع بكل العناصر الفنية والتقنية وهي قادرة أن تزج بنا إلى الداخل.
يخرج بنا القاص بشخصيته أي شخصية ما بعد الحرب وسعيها إلى الاستقرار وبعد ممارسة أعمال كثيرة متعددة ومتناقضة تصبح أخيرا عملا في سوق المكياج، أصبح لبطل القصة دكان وعنوان وكيان ونافذة ترصد هذا المجتمع الإنساني وبكل ما يعج به من فوضى وتناقضات وأحلام وأوهام ومحاولات لغسيل ألم الماضي والكثير من العذابات السابقة، وثمة شخصيات ذاقت مرارة الاعتقال والتعذيب والمهانة وكأن البطل أصبح ممتلئا إلى الثمالة ولذلك لا تعجبه خطبة الجمعة وهو بحكم وجوده بالسوق وهذا الميكروفون الضخم فهو يسمع عن وصف تعذيب النساء في نار جهنم، هنا القاص ينتقد هذه الثقافة الدينية القديمة التي تتجدد وتصل إلى كل بيت واذن وحي وهي تهدم الكثير من الخطابات الفنية والأدبية والثقافية وحتى فكر وقصص هذا القاص وكأنها قدر يجب أن نخرج منه ونتجاوزه ولا نسلم له ونسمعه غصبا عنا بغض النظر عن ممارستنا للشعائر كمصلين أو حتى سكارى أو لا نؤمن بدين أو رب.
بشكل مكثف وبديع وضع القاص يده على الكثير من مشاكلنا مع خطب الجمعة وأي خطابات دينية اخرى في أي بقعة بالكون حيث أن أغلبها أشبه بصرخات وتجمعات وأغلب الذين يحافظون على الذهاب إليها ينسون ما سمعوه بعد ثوان من الخروج من صخبها وضجيجها، وهنا كأن هذا السوق، هذا المكان والجغرافيا، هنا نحن مع دلالات مركبة، القاص محسن عبدالرحمن لم يكن عفويا بل خلق لنا هذه الدلالة بوعي وقصدية وتعامل معها بفنية ليزج بشخصيته وبنا في مناخات هذا الواقع وهو أن تسمع وتشارك بأشياء أنت لست مقتنعا بها ولا أحد يؤمن بها، سماع خطبة الجمعة أو سماع تصريحات سياسي يسعى لمصلحته أو المشاركة في انتخابات محسوم أمرها قبل أن تقام.
يذهب القاص أبعد وأبعد ويتشابك مع قضايا وجودية يربطها بالواقع المؤلم فمثلا نقرأ ( وربما يعود إهمال البلدية لأمر الرصيف إلى أن الإله في الشرق أكثر أهمية من الإنسان نفسه، أما في الجيش فقد كانت البغلة أهم من الجندي)
هذا الرصيف قد يعني هذا الوطن وهذه السياسات ليست محصورة في كوردستان لذلك يمكننا أن نتفاعل مع هذه الكيمياء، ثمة رغبة لهدم فكرة الإله العظيم الذي يجب نموت من أجله وقد تكون القصدية ليس فقط ذلك الإله في السماء ولكن أيضا هذه الآلهة الكثيرة المتعددة الأرضية من ساسة يقولون ما لا ولن يفعلوه ويوهمونا بأحلام لا يُمكن أن تتحقق ويعدونا في كل دورة انتخابية بفردوس ونعيم وسعة في الرزق وسنستكشف أنهم هم وحدهم يتسع رزقهم ويبنون القصور وتكون لهم حسابات بنكية بالخارج ونحن نزداد فقرا وبؤسا.
في تحليلنا لهذه القصة سنجد اشارة ذكية وقوية وهي أننا نندفع لسماع ما لا نقتنع به ونتقاطر ونزدحم في أماكن العبادة أو سرادق المرشحين وحتى في بعض تجمعاتنا الثقافية وكل ما يقال في كل هذه الأماكن ليس مهما وليس ممتعا ولا جديدا وتعجز هذه المقولات أن تحررنا وهذه الخطابات لا تفيد واقعنا ولا مستقبلنا مع ذلك ننساق لفعل ذلك وهذا يحدث ليس في بقاع وجغرافيات متعددة وكثيرة وإلى الآن ونحن في عصر ما بعد العولمة وما بعد الحداثة، نحن جميعا نكرر ونرتكب هذه الحماقات الغير مفهومة وكأن الكاتب يقول ألا يكفي؟ ما فائدة هذا الهراء؟
أسئلة كثيرة اجتماعية، تأملية ونفسية وكأن الكاتب واحد منا، يخلق لنا هذه الشخصية التي تملك الوعي ثم تنساق لنفس حماقة قطيع الحمير.
ونحن نقرأ البداية ونصل إلى وسط القصة، قد نسأل أنفسنا إلى أين سيقودنا القاص؟ هل ستتناسب النهاية مع البداية القوية والمقلقة وهل سيكون للقاص موقفه؟
يستعرض لنا القاص مشكلة قد تكون صغيرة وهي تنامي سرقة الأحذية بالمساجد والجوامع ولكنه يذهب أبعد من مجرد العرض وهو يسأل كالخائف والمشفق على مجتمعه وأهله من تنامي الظاهرة وتناقضاتها مع الفعل التعبدي أي الصلاة والصلاة بحسب التحليل الفقهي والفكري والإيماني هي الدين كله، فكيف يمارس المصلي هذا الدين كاملا ثم عند عتبة باب المسجد يسرق حذاء غيره ويناقض ما كان يفعله؟
ليس بعض المصلين فقط من يفعل ذلك أي السرقة وهي سرقات صغيرة مخجلة لكنها تثير غضب الضحية وهناك سرقات أضخم وأفظع والتي يقوم بها بعض الساسة والمسؤولين ، لسنا مع قصة تهكم ضد المصلين ولا المساجد ولا نزع القداسة، كأن الكاتب يشير أننا في زمن منزوع الدسم والقداسة في سلوكنا الشخصي واليومي والقاص ليس هو بالواعظ ولا الخطيب هو يتأمل شخصياته وتصرفاتهم وتخبطهم وتناقضاتهم وضياعهم وهشاشتهم وهو يحاورهم ويعرض لهم أفعلهم وهو لا يدعي المثالية ولا يملك الحلول.
نصل إلى النهاية، هذا الشخص بطل القصة يحكي لنا بالبداية كيف سُرق عمره وكرامته، في النهاية يُسرق حذاءه فيصاب بالجنون وهنا لا يغفر ولا يسامح ويذهب إلى السوق حتى يجد السارق ويتشجع ليأخذ حقه، هنا السارق رجل أربعيني بسيط ويدعي أن ما حدث خطأ غير مقصود ويعتذر، كأن الكاتب يشير إلى أن ثمة وباء يصيبنا كبشر بشكل عام ولكنه يشير إلى مجتمعه، يتأمل أمراضه الصغيرة والمتوسطة والكبيرة ويرى أن الأمراض والسلبيات الصغيرة تقود إلى الأخطاء الجسيمة الكبيرة، هو هنا لم يفضح هذا الرجل الفقير البسيط وهو يلبس حذاء رقم 44 وسرق حذاء رقم 42 وعانى الألم ليسير به، يصور القاص بعض المشاهد وكأنه يعنون لا تعليق الحكم لكم أيها القراء.
يتميز القاص برشاقة تصويرية ممتعة في الوصف ولنأخذ هذه الفقرة (وبسرعة وبذلك المركوب العتيق انطلقت، استدرت عند سوق الحدادين وانحدرت بتلك الهيئة، كما قال لي نعمان، حتى وصلت مدخل سوق الفواكه والخضراوات. وقفت هناك ورحت أحدق في أحذية الناس، أتلفت حولي كالمجنون خشية أن يراني أحد المعارف في تلك الحالة المزرية).
شخصيات محسن عبدالرحمن ديناميكية وغير جامدة وحتى مثل هذه الأفعال الصغيرة فهو يقدمها في نسق تصويري متحرك وقلق وجذاب مع بعض اللمسات الكوميدية أحيانا وهي تقود إلى شيء وحدث سيحدث، الوصف كما في هذا النموذج يمسك بالقارئ وكأن القاص يمسك بكاميرا سينمائية محمولة قد تهتز وترتعش وهي تصور هذه الأسواق وأقدام الناس ثم عودة لوجه الشخصية.
حوارات محسن عبدالرحمن قد لا تكون كاملة وهي سلسة ومليئة بروح التهكم والنقد وإليكم هذا النموذج في نهاية القصة:
( ـ اخلع !
ـ خيرا يا أخ؟
ـ قلت لك اخلع!
ـ هل انت مجنون. اخلع ماذا؟
وجحظت عيناه في محجريهما.
ـ أقول لك اخلع وإلا أقسم بالغوث الكيلاني سأجعلك فرجة.
ـ قاتلك الله، وهل أنا امرأتك؟
رد بكل هدوء.
من شدة غضبي كنت قد نسيت أن أذكر اسم الحذاء. والحقيقة أن كلمة (اخلع) بحد ذاتها أشد من القتل! حذارِ أن تقولوها لأحد.
ـ الحذاء يا عديم الضمير، يا عديم الأخلاق، أقول لك اخلع الحذاء وإلا جعلتك حذاء…!)
كأننا هنا مع شخصية اصابها الارتباك وخاصة وهي ترى حقها المنهوب امامها وبعد تردد ولكن يجب عدم السكوت عن الحق لمثل هذا الرجل سارق الحذاء ولغيره الذين يسرقون أشياء وثروات وينهبون الأوطان، فالقصة بحواراتها الرشيقة هي بمثابة ميتافور وفيها الكثير من الالعيب الدلالية المشاكسة والنقد الشجاع وبصوت عال ودعوة لتجاوز الصمت الباطل.
أضف تعليق