كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

استعادة سعدي يوسف/ شهادة متأخرة


د. كريم شغيدل



من أنت يا سعدي؟
أانت القرصان أم أنت أغنية ليست للآخرين؟
أأنت النجم والرماد أم أنت قصائد لا مرئية؟
أكنت بعيداً عن السماء الأولى أم قريباً من الله؟
أكنت في نهايات القرن الإفريقي حيث الوله الأمازيغي؟ أم تحت جدارية فائق حسن بين عمال البناء؟ في الساعة الأخيرة أم في الليالي كلها.. أأنت الأخضر بن يوسف بكل مشاغله؟ أم أنت الشيوعي الأخير؟ كيف إذاً كتبت قصيدتك الأخيرة؟ وكيف كانت قصائدك الأقل صمتاً؟ أأنت من يعرف الوردة في يوميات الجنوب ويوميات الجنون؟ أأتت مريم؟ أم اكتفيت بالينبوع؟ خذ وردة الثلج.. خذ القيروانية.. محاولات.. قصائد باريس شجر إثاكا.. في جنة المنسيات.. كان الوحيد يستيقظ حالماً بحانة قرد يفكر وبكل حانات العالم.. أقصائد العاصمة القديمة قصائد ساذجة؟ أأنت أسير القلعة في حياة صريحة؟ أوثنية صلاتك؟ أم هندوسية ميتتك؟
أين نجدك يا سعدي؟ أبأوراق عشب ويتمان أم بإيماءات ريتسوس؟ بأغاني لوركا وما بعدها أم بديوان الأمير غونار وحكاية فاطمة؟ أبوداع كافافي للإسكنديرية أم بتويجات الدم في زمن القتلة وتصفية استعمال العقل؟ أنجدك في الخرائط أم في الشمس الثالثة عشرة؟ أأنت شجرة ليمون في القلب أم سماء صافية؟ أين نراك؟ أفي قصائد هولان أم في باب سيوه؟ أحليب مراق أم حياة متخيلة؟ أملعبة طفل أم صرخة صامتة؟ أكنت متشرداً في باريس ولندن مع جورج أورويل؟ أين نخفي بارباس والأمير الصغير في بلاد حرة؟
أفتحت نافذة في المنزل المغربي نحو سماء تحت راية فلسطينية؟ أبأفكار بصوت هادئ تشاغلت عن منفاك الأخير؟ عندما في الأعالي.. مثلث الدائرة.. خطوات الكنغر.. يوميات الأذى..
يا إلهي إلى أين سنذهب بكل هذا الإرث؟ أنحذفه من ذاكرة الثقافة؟ إلى من ننسبه إن جردنا صاحبه من هويته وعراقيته وثوريته وتقدميته وتمرده وتاريخه لمجرد رأي أو قصيدة أو لنقل زلة هنا أو هفوة هناك، من هو سعدي يوسف؟
أهو الشيعي الذي دفن ابنه حيدر في مقبرة السيدة زينب؟ أم هو السني الذي أوصى بحرق جثمانه على الطريقة الهندوسية؟ أهو الشيوعي الأخير الذي يطلب من الرأسمالي غزو بلاده؟ أم هو الشتام الوحيد في بلاد التسامح والرقة والعذوبة والتصالح؟ أهو المجاهد أم العاشق الذي يخرم أذنه ويزينها بقرط؟ ولولا هذه المتناقضات لما كان سعدي.. فالشاعر ليس نبياً وإن تمثل رسالة الأنبياء وليس قديساً وإن تحلى بصبر القديسين وطهر نفوسهم، وليس ملاكاً وإن كان أرق من ملاك.. هو كائن ملتبس له أخطاؤه وخطاياه.. له انفعالاته الآنية ونزواته.. له حماقات ومواقف عصابية.. متطرف ومتوازن ومتسامح ومتهور ورصين وعقلاني وعاطفي وناسك وشهواني وزاهد ومبذر ومفرط ومتهتك وممتلئ حياء وبريء وشرس وكل هذا المزيج.. هكذا هو الشاعر ولا ينبغي أن نحاكمه جانياً بل هو مجني عليه.. الشاعر هو الأنا المتضخمة.. أسير مع الجميع وخطوتي وحدي.. وهو المتوسل المنكسر يا رب النخل رضاك وعفوك/ لا تتركني في هذي المحنة/ أرجوك/ امنحني يا رب النخلة/  قامة نخلة.. وبدون هذا ليس ثمة سعدي
سعدي يوسف على مدى سبعين عاماً قدم للثقافة العربية 43 ثلاثاً وأربعين مجموعة شعرية، وعشرات الترجمات شعراً ورواية فضلاً عن كتبه النثرية، وعاش نصف حياته في المنفى، سجن ونفي وخاض معارك فكرية شرسة مع الجميع حتى أقرب رفاق دربه.. قلده وتأثر به العديد من الشعراء العراقيين والعرب.. وحاز على جوائز ثقافية كثيرة.. كتب ما كتب في خضم أمواج متلاطمة من غزو وعنف وإرهاب وصراع طائفي وضياع وفساد ونفوذ خارجي عانينا وما زلنا نعاني.. وإذا قد أوصى بحرق جثمانه فليس من حق كائن من كان إحراق ذلك الإرث الثقافي الذي تربت على رؤاه أجيال وأجيال.. أيغفر لشاعر عاش في كنف المديح وكنيفه بقصيدة واحدة ولا يغفر لسعدي الذي عاش ومات في خضم الرفض والمقاومة من أجل بضع كلمات؟ ألسنا نقف ويقف من يدين سعدي اليوم مع من كان امتداداً لقتلنا من أجل الأرض والإنسان.. ولنا في التاريخ أمثلة لا تعد ولا تحصى.. كتبنا ضد ما كتب في حينها.. وتأسفنا لبعض التطرف.. لكننا لا نمحو تاريخاً ثقافياً مشرفاً وموقفاً ثورياً صمد أمام كل المغريات.. أينبغي أن نحذف سعدي من وعينا ووجداننا وضميرنا؟ أينبغي أن نتبرع بإرث سعدي يوسف ليحسب على تراث الظلاميين والتكفيريين والمتطرفين والقتلة، مثلما أراد بعض القوميين التبرع بالجواهري للتراث الصفوي؟ هذه ربما أولى المبادرات لاستعادة سعدي يوسف الشاعر والمترجم والناثر والثوري التقدمي المعارض للاستبداد والطغيان والدكتاتورية.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.