كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

لماذا أكتب الشعر؟


بقلم: نبيل شوفان



ولدت عام 1984 في وسط سوريا في حمص مدينة “الدروشة” و”الجنون” و”النكتة”، درست علوم الترجمة في جامعتها، بينما رسم لي والدي الفنان التشكيلي شمس الدين شوفان دائرة مفتوحة من فلسفة كامو ونيتشه وبيرتراند راسل وسبينوزا وكارل ماركس وكيركيغارد وجون لوك فاطلعت على الفلسفة والفن والعلوم. ولوالدي لوحة منشورة باسمه مع مجموعة من قصائدي على موقع مجلة كناية.
بدأت كتابة الشعر مع دخولي الجامعة عام 2006، وبعد عام 2011 عملت صحفيا سياسيا في إذاعات محلية، وفي صحف وتلفزيونات عربية، ولربما ابتعدت عن الأدب بعد الحرب في رحلة لجوء انتهت بي في فرنسا الحرية والأنوار والفن والأدب، وانتهى بي المطاف في إذاعة مونت كارلو الدولية، قضيت فيها سبع سنوات عاملا ومستمعاً لإذاعة لعبت دورا لا يختلف عن دور المعلم، فوسعت معارفي من خلال برامجها الإبداعية والثقافية والفنية والادبية والعلمية والسياسية والاجتماعية، ولكن أيضا من خلال العمل إلى جانب نخبة فريدة من الصحفيين والمثقفين والفنانين والموسيقيين والشعراء.
شاركت بندوات ثقافية ونقدية وأدبية مع العديد من النقاد والأدباء في “المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح” الذي يديره المخرج السينمائي حميد عقبي، وأيضا على “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات” الذي يديره الشاعر حكمت الحاج، قبل أن قمت بنشر مجموعات من قصائدي في مجلة كناية الثقافية الرقمية المستقلة التي تعنى بالخيال والحرية والحداثة، حيث ينفذ رئيس تحريرها حكمت الحاج وعد مجلته على أكمل وجه فأعطاني مساحة للحلم وأفقاً للحقيقة.
وخلال ثلاث سنوات مضت صار الأدب عندي طقسا من طقوس النور والضوء والمعرفة والحرية، هاجسي العبور إلى عوالم أخرى، والتحليق في فضاءات جديدة منطلقا من التأمل بالخلق، أردت فتح نقاش مع الكون بما أستطيع من كلمات، أحاول لمس روحه السرية بالموسيقى، أسافر بالصور الشعرية وأسرد عبرها ما أراه تحت بقعة ضوء مسلطة على وعينا، متأثرين بتطورنا النفسي والمعرفي والمجتمعي وما مررنا به من تجارب تحاول الإنسانية فهمها بالتشارك.
أؤمن أن اللغة أعظم إبداعات العقل البشري، فهي الطريق الأمثل للتواصل، ولاستجواب أنفسنا سقراطياً، ولقول وجهة نظرنا عن مسألة ما، ولصياغة أمانينا، والجهر بقناعاتنا ومحاولة إعادة التفكير بها، مع من يتحدثون نفس اللغة، وأن انحراف اللغة شعرا أمرٌ يعزز القدرة على فهم الرسالة، وتشارك القيم من خلال تكثيفها وترميزها.
وإن كان صحيحا أن الشعر يحدد هوية الشاعر السلوكية، إن كان حالما أم واقعيا أم هادئا، في نفس الوقت أؤمن أن الشاعر الحداثي ليس بالضرورة سقوطه في بؤرة لا شعورية يتحدث عنها فرويد، بل غالبا تكون القصيدة والكلام شفاء للعواطف الداخلية حين يتم إخراجها بكلمات تحمل الجمال والطاقة والموسيقا، والقصيدة في الحقيقة قطعة من روح الشاعر تحررت من جسده بتجاربها ومعرفتها وثقافتها، لطالما وظفها المجتمع كعلومٍ إنسانية ساهمت بتطورّ أفراده ولطالما كان الشعر مسألة تعني الجميع.
تعلمت كذلك الوضوح والدقة والاقتصاد باللغة، مما قاله عزرا باوند أن الأدب العظيم هو ببساطة لغة محملة بالمعنى إلى أعلى درجة ممكنة. تعلمت ما قاله ألبير كامو يجب علينا اختيار مصطلحاتنا كي لا ننقل التعاسة إلى العالم، وتعلمت التواصل مع الجمهور، حين أشار الفيلسوف جان بول سارتر في كتابه “ما هو الأدب” إلى أنه جهد مشترك بين القارئ والأديب في التعبير عن وفهم الخيال، فحدوث اتصال أدبي مرهون أيضا بنشاط القارئ ونجاحه بالمشي على جسر هو النص الذي يحلم صاحبه إن لم يكن بتغيير العالم؛ فبتغيير جزء منه، ولو كان وعي طالب أو كاتب أو عاشق أو معذب.
وربما يتساءل القارئ للنصوص عن وجود قصائد موزونة وأخرى ليست كذلك، أو اعتماد بعض القصائد على أكثر من بحر ووزن، أو أن يقرأ القارئ بعض الجمل الطويلة، وأخرى مقطعة الأوصال، بصوائتَ متقطعة، وإيقاعات مجزأة، بعضها بمثابة انطلاق لغوي، وآخر بمثابة تطريز شعري، كل ذلك أحداث عفوية، أعتقد أن الحداثة تحتمل وجودها في القصيدة باعتباره شكلا لغويا ناجما عن إسقاطات نفسية، أو مأوى لدلالات لا يهم مدى عمقها، أو تنغيماً موسيقيا يشبه البيانوية في الشعر الغربي، أو تجسيداً لكينونة الشعر على أنه كلام المجاز والرمز والإيماء يمارس حرف اللغة للفت الانتباه لما يريد إيصاله أو مشاركته مع القارئ.
وبمناسبة الحديث عن هذا المزج الشعري فإنه لا بد من ذكر أن فكرة النشر صدفة جميلة جاءت تلبية لدعوة أطلقها الشاعر العراقي حكمت الحاج عبر بيان شعري نشره في مجلة “كناية” الثقافية المستقلة، وكذاك عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، جاء بعنوان “القصيدة العربية الجديدة ما بعد النثر والتفعيلة” حيث  يقول البيان إنه يهدف إلى تشجيع الشعراء على التعبير عن أنفسهم بحرية وإبداع، ودفع حدود الشعر المتعارف عليه الآن وهنا، نحو آفاق جديدة، للتعرف على تجارب جديدة في الكتابة الشعرية العربية المعاصرة، والتفاعل مع الشعراء الآخرين في مختلف أنحاء العالم.
وشعرت أننا أمام دعوة لكتابة شعر عالمي يمزج بين الحرية النثرية والحرية الغنائية للبناء الشعري العربي بنظامه البنيوي المعروف، بحيث يكون المزج بينهما سورياليا، ولكن معقدا تنظيميا، اي محاولة إخراج القصيدة، أو محاولة نثر الشعر إلى سمفونية لغوية لا يغيب عنها الإيقاع، حيث يقول بيان إطلاق السلسلة أنها تسعى إلى كشف تعقيدات التجربة الإنسانية، للغوص في أعماق مشاعرنا وتعريتها من خلال قصيدة جديدة تقطع مع الماضي الشعري، القريب منه والبعيد.
ويذهب البيان المنشور على مجلة كناية بعيدا حين يعتبر ان قصيدة الشطرين بكل أشكالها وقصيدة التفعيلة بكل مسمياتها وقصيدة النثر بتجلياتها التأسيسية والآنية، هي أنماط شعرية عربية قد اكتسبت تاريخيتها عبر الممارسة والتقادم، لكنها قد مَرَّ عليها الزمن ولم تعد كافية للتعبير عن مدى قوة المَدّ الشعري الذي يكتب الآن ناشدا مستقبله، ولا مستجيبة للعنفوان الذي يكتسح فضاء اللغة العربية في إصرار جميع الأجيال على كتابة الشعر خارج كل الأطر والمواضعات التي تم التعارف عليها” (انتهى الاقتباس من البيان المنشور في مجلة كناية)، ثم اعتقدت أن قصائدي وجدت مكانها.
يجعل الشاعرُ الواقعَ يزور الخيال والفضاء والعوالم … ويجعل الخيال والفضاء والعوالم أقرب إلى الواقع، كذا يغيّر الشاعر تركيبة الكون.
الشاعر مهمته الإناسة.

اللوحة المرفقة بريشة الفنان شمس الدين شوفان وتنشر بإذن منه

استجابة واحدة لـ “لماذا أكتب الشعر؟”

  1. صورة أفاتار Marleine Saade
    Marleine Saade

    “أردت فتح نقاش مع الكون بما أستطيع من كلمات، أحاول لمس روحه السرية بالموسيقى، أسافر بالصور الشعرية وأسرد عبرها ما أراه تحت بقعة ضوء مسلطة على وعينا، متأثرين بتطورنا النفسي والمعرفي والمجتمعي وما مررنا به من تجارب تحاول الإنسانية فهمها بالتشارك.”
    “مما قاله عزرا باوند أن الأدب العظيم هو ببساطة لغة محملة بالمعنى إلى أعلى درجة ممكنة. تعلمت ما قاله ألبير كامو يجب علينا اختيار مصطلحاتنا كي لا ننقل التعاسة إلى العالم”.
    (مقتطفات من النص)
    حديث ينمّ عن شاعر مرهف الحس واسع الثقافة. بالتوفيق دائمًا.

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.