كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

في المهرجان الدولي للخيام بحَزوة: حضر الشعر والمسرح والغناء،  وازدانت بوابة الصحراء..



عبد اللطيف الدلال



هنا حَزوة من ولاية توزر التونسية، الجميع حاضر لانجاز الدورة السابعة والعشرين للمهرجان الدولي للخيام. هنا احتفلوا ايام 8 و 9 و 10 فيفري/ شباط الجاري بحياة البدو وتاريخ المنطقة وسلطوا  الضوء على السياحة الصحراوية والايكولوجية في بوابة الصحراء.
خيل تعانق السماء، كثبان رملية متموجة صفراء كلون الذهب الخالص، خيام منتشرة هنا وهناك، في هذا المكان لازال للبدو وجودهم، لازال لحياتهم البدوية حضور، هنا لازال للخيمة مكانتها ولازالت مسكنا وموطنا، هنا في عمق الصحراء وفي الخط الحدودي مع وادي سوف الجزائرية يكون للثقافة بهرجها وبريقها المميز.
دع المدينة وضوضاءها، واستمتع بسحر الصحراء واتساعها، هنا لا حائط يحد نظرك، لن يزدحم فكرك بمشاغل المدينة وروتينها هنا استنشق عبق الحرية ومتع ناظريك بالامتداد، هنا تشكلت لوحة للجمال، وسط الخيام المنتشرة، لبست النسوة اجمل حلة، لم يمنعهن البرد من التزين لعرض المحفل.
الخيام توسطت ساحة المهرجان، البرنس والمشطية ميزة المكان، الحرام الجريدي زينة الفضاء ولباس النساء، هنا يكون الموعد مع «المحفل» وهو العرس التقليدي بكل تفصيلاته وتلويناته، لقاء مع الجمال وسحر الشعر الشعبي والاغنية البدوية وموسيقى الصحراء.
الطبل سيد المكان لصوته وقع الرياح على شجيرات الصحراء المترامية وكانه دليل التائه ليجد خيمة للاستقرار. لعازفي الجنوب طريقة خاصة لعزف الطبلة تلك توضع على الأرض ويضرب عليها عازفان اثنان وكانهما في سباق مع الحياة او هما يذكران الزائر أن أبناء الصحراء لا يعيقهم برد ولا رياح رملية على احتفالهم بالحياة.
الثقافة والسياحة وجهان لعملة واحدة، حيث عاشت حزوة «بفتحة على الحاء» على وقع مهرجانها، عرس جمع ابناء المدينة وأبناء الجنوب ليقدموا للحضور ما يميز بوابة الصحراء عن غيرها، حزوة المدينة الايكولوجية هي المنتج الاول للتمور البيولوجية وطنيا، وتقع حزوة، في ولاية توزر قرب الشريط الحدودي مع الجزائر على بعد 55 كلم إلى الغرب من مدينة توزر عاصمة الولاية.
في حزوة تكون الثقافة وسيلة للتعريف بالمدينة وتاريخها وخصوصياتها، بالثقافة قدمت حزوة  بعض الخصوصيات التي تجعل منها قبلة للسياحة الايكولوجية. في حزوة وفي الخيام المنتشرة في ساحة المهرجان كان اللقاء مختلفا بعيدا عن الجدران والحيطان المغلقة، كانت الخيمة فضاء العرض والاجتماع، الخيمة بكل زينتها كانت مقام الضيوف وفضاء اجتماعهم وحديثهم عن الجهة ومميزاتها.
للتراث سحره، للعادات حضورها للوشم في ظاهر اليد قصة وللشعر الشعبي حكايات واسرار عشق للمكان وللوطن، للحرفة اليدوية حكاية حنين وتمسك بالهوية جميع هذه التفاصيل كانت حاضرة في المهرجان.
انطلقت الفعاليات وسط حضور جماهيري مهم من أبناء المنطقة والمولعين بالسياحة الداخلية، ليساهم وفق عدد من الحرفيين وسكان حزوة الحدودية، في خلق حركية تجارية وسياحية تعزز تطلعاتهم لإدراج حزوة ضمن المسك السياحي الصحراوي.
تراوحت فقرات المهرجان بين معارض للصناعات التقليدية المقامة تحت الخيام في عرض عديد المنتجات كاللباس التقليدي والنسيج ومنتجات سعف النخيل ومأكولات تقليدية وغيرها من المعروضات التي تجد إقبالا من الزوار. وبين سهرات متنوعة منها سهرة المسرح الفكاهي قدمها الممثل التونسي الأمين النهدي، وفي اليوم الثاني ملحمة صحاري الحب اخراج حافظ خليفة، وشارك في الأداء نخبة من نجوم التمثيل في تونس منهم صالح الجدي وصلاح مصدق وعبد اللطيف بوعلاق وسهام مصدق. كما تابع جمهور المهرجان سهرة أنفاس التراث وهي سهرة للشعر الشعبي، قبل أن تختتم التظاهرة بعرض فني يحمل عنوان « رحلة نجع » في ساحة المخيم الصحراوي.
فللفن تأريخ وذاكرة لا تموت وللموسيقى أداة لاستحضار امجاد الماضي وللأغاني وسيلة للحديث عمن سقوا الأرض بدمائهم وربما تسجل الذاكرة الشفوية أسماء من نسيهم التاريخ الرسمي، صوت الطبول عنوان لذاكرة متقدة تتغنى بالوان وبدور من سكنوا حزوة في الدفاع عنها من المستعمر، فالرقصة مهما اختلف اسمها حركة للتعبير عن الرفض وربما إيصال ما عاناه الجسد أثناء الاستعمار، الفن تاريخ والثقافة تأريخ وتذكير بأن هذه الارض شامخة كما نخيلها ولابنائها دور عبر الزمان في حماية الشريط الحدودي،
هكذا كان اللقاء الاول لضيوف حزوة وضيوف مهرجانها، لقاء مع الذاكرة والتاريخ، بالفن تعرفنا على ملامح تلك المنطقة ومساهمتها في حركة النضال الوطني، بالاغاني في عرض ملحمي هو الاول في المهرجان، عرض بدوي زينته الخيام وديكوره الابل والخيول وقوامه ممثلين يؤمنون ان الفن ذاكرة وتاريخ وبادائهم سيسافرون بالمتفرج الى مائة عام خلت، مائة عام يقدمون فيها تاريخ حزوة، عاداتهم وتقاليدهم حكاياتهم التي نجدها في الاهازيج الشعبية.
ثم كان العرس التقليدي وهو قافلة من الجمال والفرسان صحبة الهودج والفرق المشاركة ويليه تدشين لمعارض الصناعات التقليدية والأعشاب الصحراوية جميعها تؤثث للفرح وتخطّ بعض تفاصيله وتدعو الزوار لاكتشاف خبايا المكان واسرار من مروا من هناك. فللمحفل جماليته، للجبة والبرنوس والتخليلة والشاشية والملية والحرام روح تونسية وهوية فاللباس التقليدي عنوان لعشق متجدد وتمسك بالأصل والاصل عند البدو هو «المحفل» و «العكاظيات الشعرية» حيث كان اللقاء سهرة السبت 09 فيفري 2024 مع «أنفاس التراث» وتنافس للشعراء كل منهم قال اجمل ما عنده وتغزل بالمرأة وتحدث عن الحب وعن الجمال وعن سحر المرأة وقوتها وعن المرأة الوطن قالوا اجمل القوافي، وغازلوا الأنثى وطنا كانت أم صحراء أم خيمة ورافقتهم الفنانة ريم حمدي لتكون رمزا للمرأة الجميلة والشاعرة المتمكنة من القوافي ونظمها وبصوتها المميز تخاطب المرأة وتتحدث عن دورها واهميتها في المجتمع البدوي.
كما قدم المهرجان لضيوفه جولة في ربوع الصحراء لاكتشاف جمالها والتعرف على حياة البدو ومميزاتها، في حزوة يكون العرس التقليدي من الفقرات الاساسية للمهرجان العرس التقليدي بكل تلويناته الموسيقية التقليدية تلوينات الفرح والحياة تقدم لضيوف المهرجان من تونس وخارجها.
كلمات أشعرتنا وكانها غطاء للروح، بلسم يشفي ويأوي، وتؤثر وتجعلنا نشعر مع حروفها بمعاني الخير والرقي والسمو، لتثبت لنا وبجلاء أن الخير موجود ،وأن الرقي حقيقة.،وأن السمو كلمة ،وأن القلوب النابضة بالصدق لا تعرف غيره.
في حزوة احتفلوا بخيامهم، احتفوا بالشعر الشعبي والاغنية البدوية، رقصوا على ايقاعات الطبلة وقدموا العديد من اللوحات التقليدية، باجسادهم خطوا الياذة حرية المرأة هناك وقدرتها على الابداع وحملوا زوار حزوة الى اعماق الصحراء واهازيجها.
في حزوة كان المهرجان فرصة لاكتشاف المكان ولمعرفة بعض خصوصيات الزمان، ورغم بعض الهنات التنظيمية وسوء الاحوال الجوية فقد نجح المهرجان وانجاحه كان وراءه مخلصون، فسـلامٌ عـلى الطيّبيــن في حزوة والطيبات الذيـن لا تجــــدهم إلّا فـي مواطِـــن الخـير الذيـــن يحمـلون فـي أعماقهـــم قِيَــمًا عـــزيزة وشِيَـــــمًا ڪريمة. فشكرا لأهالي حزوة، وشكرا لمهرجان الخيام ولكل القائمين عليه. وإلى اللقاء في الدورة القادمة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.