كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

مارجريت وعبدو..


رواية قصيرة جدا


حميد عقبي



في هذا الصباح البارد، تلوح الشمس بأصابع كف يدها الأيمن في السماء البعيدة جدا، ثم تتوارى خلف سحابة شابة وممتلئة البطن، يجد نفسه بلباسة الكامل والجاكيت الأسود بالطربوش الواقي من المطر، يتحسس رأسه ويشعر بالبونيه غطا الرأس السوداء، بنطلونه الجينز الثقيل باللون القريب إلى الأزرق ويمتطي حذائه الأسود، يجد نفسه أمام مجسم الساعات قرب بوابة مدخل محطة مترو وقطارات سان لازار بباريس، يتحسس نظارته ويلف الشال على رقبته ويعدل حقيبة الظهر على كتفيه.
يأتيه الشعور أنه ربما أثقل البارحة بالشرب أو أنه تورط بتدخين سيجارة حشيش ويحدث له أحيانا عندما يتمادى بالشرب تكون صباحاته غير عادية أو تحدث له بعض المفارقات الدرامية في يومه وقد ينطلق بعد ذلك ليسطرها في قصيدة أو حكاية أو لوحة.
كأنه يتذكر أسمه الأول..أه، يتذكر الآن، عبده، نعم عبده هو متأكد الآن وقد تهطل بقية الذكريات بعد قليل على شكل صور، لقطات ثم مشاهد وسيعمد للربط بينها وفق خيط سردي يميل إلى الواقعية وبناء يميل للعقلانية ومنطقية الأحداث.
يقف يتأمل مجسم الساعات ويتذكر أنه كان يمر بهذا المكان، يتوقف ليصوره أو يأخذ لنفسه صوره بجانبه أو ليواعد أشخاصا وأصدقاء بجانبه، يتحسس هاتفة، يخرجه من جيبه، كأنه يريد أن يعرف الوقت، التاسعة صباحا، لكنه لا يعرف أي يوم، تبدو حوله الحركة خفيفة فيفهم أنه بالتأكيد يوم الأحد أو يوم عطلة رسمية.
يتحسس جيب الجاكيت الأيسر، يعثر على السجائر والولاعة، يشعل سيجارة، يرسل نفثاته إلى الأعلى للتراقص مع الساعات بهذا المجسم الهرمي.
يتأمل ما حوله، تظهر فتاة شابة بالثلاثينات كأنها تنتظر شخصا ما، تشعل سيجارتها وتنفث بالدخان نحو مجسم الساعات، هي تفعل كما يفعل وكأن دخان سيجارتها يبحث عن دخان سيجارته، يلتقيان، يتراقصان ويتعانقان، تعجبه اللعبة ويستمر فيها، هي كذلك كأنها تلعب نفس اللعبة.
يكمل سيجارتة هي كذلك ترمي بما بقي من سيجارتها، كأنها غير راضية عن هذا الشخص الذي واعدها هنا ثم لم يأتي، ترسل رسائل إليه بهاتفها، تصور المجسم والمكان وتأخذ عدة صور لها بالمكان.
يبتسم لها، لا تأبه بنظراته، يتشجع ويقترب قليلا لكنها كمن لا يريد الانتباه إليه، فهي ربما تنتظر صديقا أو حبيبا، طبيعة الناس هنا لا يهتمون بالوجوه التي لا يعرفونها، يتحاشئ الناس التعارف والحديث للغرباء، هو كما يبدو من شكله رجل في الأربعينات بمظهر متوسط ولا تظهر عليه علامات الثراء والمال، ربما شخص عادي لا شيء يميزه بميزات جذب الفتيات والنساء، فتيات ونساء باريس ذكيات وقد تنجذب إليك واحدة وأكثر إذا كان مظهرك يدل أن جيبك سمين.

يواصل النظر إلى الفتاة وقراءة ملامح وجهها وتبدو غير راضية عن هذا الموقف السخيف أن يخلف شخص وعده، تفرك يديها، يصفع البرد المكان وتتوارى الشمس وهي تسحب أشعتها الضعيفة، تقرر الفتاة المغادرة، تمر من أمامه، يلفحه نسيم عطرها وتموجات شعرها الأشقر والذي لأمس وجهه لكنها لم تنظر إليه بتحية أو اعتذار، تشق طريقها بالشارع يمين المحطة.
هو يواصل خطواته بشكل مستقيم تجاه شارع بلفيارد هوسمان، يعجبه هذا الشارع والأنيق والذي يؤدي بعد ذلك إلى حي الأوبرا، كأنه يعشق هذه المنطقة ويعرف تفاصيل شوارعها وتفرعاتها، ولا يبدو كالضائع أو التائه، خطواته مضبوطة وملامحه غير قلقة.


يصل ويدخل بمقهى جراند كافيه بمنطقة الأوبرا، وهي منطقة غنية بالجمال والمعالم الثقافية والفنية وكذلك المتاحف المهمة ، وفيها المسارح والملاهي الليلية ودور السينما، تبدو كثيرة الهدوء في هذا الصباح البارد، يتأمل المكان المشع بالضوء والجمال ويرى صورا قديمة ويقرأ أن هذا المكان تم عرض فيه أول فيلم سينمائي في العالم للأخوين لومير، يبدو أنه متعود ويعرف المكان لكنه لا يتذكر الآن، ربما بعد فنجان قهوة ثقيل أو دوبل ستنتعش ذاكرته ويخرج من اثار ثمالة ليلته الماضية.

يختار لنفسه طاولة، بين الرصيف والداخل بحيث يحق له التدخين ويتيح له الموقع تأمل جمال المكان الداخلي وكذلك الخارج والرصيف والناس، نادلات شابات جميلات، كأنه يشعر أنه من الأشخاص الذين تجذبهم النادلات لدخول حانة أو مقهى، من العادة بمثل هذه الأماكن تسرع النادلات لأخذ الطلبات، يجلس، يشعل سيجارته الصباحية الثانية، تمر من أمامه النادلات الأنيقات ولم تقترب منه أي واحدة لتحيته وأخذ طلبه، يصبر قليلا، يجدها فرصة للتذكر ويشعر كأنه سبق وخاض مثل هذه التجربة بسبب تأثيرات الكحول.

هنا، وهو يتأمل بين الداخل والخارج، كأن ثمة شيء يستدرجه لمشهد بعيد ومن مكان بعيد، يسمع ضجيج أطفال ونساء ورجال، لغط وفوضى.
أطفال يصرخون ويرددون :ـ حنش، حنش، حنش كبير في بيت عبده.
نساء يصرخن :ـ الله يحفظ أم عبده وأهل بيتها حنش كبير أرسله الولي ولي الله الشيخ عبدالقادر الجيلاني.
الرجال يتشاورون فيما بينهم :ـ أبو عبده غائب..ما في غير الجمالي وهو مُشرب ويقدر يمسك أي حنش مهما يكون كبير وخطير.

المكان الذي يراه باحة بحارة شعبية بيوتها من الحجر والياجور وسقوفها من الخشب المزخرف، العديد من الأزقة الواسعة والناس تخرج من بيوت خشبية وتتفاعل مع الحدث، على الجدران كتابات، يمعن فيها ويقرأ عبارات عاشت اليمن، حارة المحازرة، مدينة بيت الفقيه جنة الخلد، عاشت الحديدة، عاشق فريق السهم الذهبي.
يحاول تحليل هذه العلامات والربط بينها سيمائيا ليصل لمعنى، كأنه بدأ يفهم أن المشهد يأتي من طفولته وهو بالتأكيد داخل المشهد، يتأمل ويتابع لمشاهدة، يرى طفل بالثانية عشر من عمره يلبس مئزر بلون أصفر مخطط بالأسود وفانيلا زرقاء نص كم، وهو يقول أبي مسافر البيضاء جنب صنعاء ويمكن يرجع بعد أسبوع.
يأتي أحدهم رجل بملابس بيضاء، لحية بيضاء خفيفة، تغطي رأسه طاقية بيضاء وعلى الجزء العلوي فانيلا بيضاء.
الرجل والذي كأنه يشبه الممثل المصري عبدالوارث عسر في فيلم خان الخليلي:ـ أنا قلت له يا أبو عبده..أبوك كان يذبح للأولياء ويعمل ليلة لاهل الله وأنت لازم تمشي على نهج أبوك..الأولياء أرسلوا له رسولهم ولا أحد يقتل الحنش..خلو الجمالي يمسكه ويوديه إلى خارج البلاد بالخبوت..هذا ملاك ورسول لو قتلتوه ربنا سيخسف بنا الأرض ونموت كلنا.
يبدو أنه شخص مسموع الكلمة والكل تعطي تقدير لقوله وكأنهم جميعا يوافقونه ويردد الرجال كلام الحاج حجر صحيح لا تضيعونا..فين الجمالي..يا عبده روح اجري ونادي الجمالي.
يركض الطفل عبده ويركض ورائه أكثر من عشرة أطفال والذين يبدو أنهم كانوا يلعبون كرة القدم، تركوا كرتهم وركضوا إلى دكان الجمالي بطرف الحارة.
الجمالي صاحب الدكان يكون بصدد أغلاق دكانه ويغلق الصندوق الخشبي المخصص للثلج، رجل في الأربعينات من عمره وكأنه يعلم بما يحدث وهو صاحب المهمة الصعبة.

يلهث الأطفال ويتكلمون بشكل جماعي وكل واحد يريد أن يحكي الحكاية ويتضاربون فيما بينهم وهو يسمع ويبتسم.
الأطفال بشكل فوضوي :ـ حنش في بيت عبده حنش ضخم أبو قرنين..لا قرن واحد..لا بلا قرون..حنش مرقط وأبو ذيل جرس..لا هو ملاك.
يتركهم الرجل يتجادلون ويسير إلى طريق بيت عبده.
مع وصول الجمالي وهو بملامح شجاعة ولا يبدو خائفا من تهويلات ومبالغات الناس عن طول الحنش ولونه وخطورته.
الرجال يطلبون من كل الأطفال الابتعاد عن المكان، أم عبده وفتيات ونساء الحي يجتمعون بغرفة مقابلة ويغطون وجوههم، يتقدم عبده ليخبرهمأن الحنش في صندوق ملابس والده وهو صندوق خشبي أسود، بينما الصندوق باللون البني الأحمر فيه ملابس أمه ولا يحق لأحد النظر إليه.
يكون الصندوق الأسود مغلقا، يطلب الجمالي من الرجال والشبان حوله أن يأخذوه إلى خارج البيت بساحة الحي، يزيد عدد المتفرجين ويتم وضع الصندوق الأسود بالساحة وتتحول ما يشبه المسرح الدائري وهناك نساء يشاهدون من الشرفات، كأن ثمة تقاليد فرجوية بحيث يمنع الرجال النظر إلى النساء المتفرجات، يتصاعد التوتر، يتعرق وجه الجمالي ويبتعد الجميع فتتسع دائرة العرض، بحذر وبعد مرور الوقت، يفعلها الجمالي ويمسك بالثعبان الضخم وطوله أكثر من متر، يضعه في كيس صغير من الخيش ويربطه ويجب تنفيذ وصية الحاج حجر بترك هذا الثعبان خارج الجريمة وأي أحد يضره سيموت ويخسف الله البلاد كلها، يتبرع الجمالي بالمهمة، يسرع أحد الشبان بتشغيل دراجته النارية، يصعد الجمالي، ينطلق الشاب بدراجته النارية، يعود الأطفال للعب الكرة ويبدأ الجميع بترديد الحكاية والتي تسمع بها المدينة لتكون حكايتها المفضلة وكل واحد سيزيد ويعيد ترتيبها وأسلوب قصها.

كأنه يتشوق لما حدث بعد ذلك، يهرش رأسه، يرى والده يوم عودته من السفر وحوله الحاج حجر وبعض رجال القرية، يكرر الحاج حجر نصيحته بشراء خروف يتم تربيته عام كامل ثم يذبح وتقام ليلة حضرة للأولياء فيها التكبيرات والتهاليل والنشيد الديني.
يخلع عبده غطاء رأسه من موقعه بجراند كافيه، يشعر بحرارة تعبث برأسه، يرى الكبش السمين الذي يُذبح ثم قدور اللحم تفور بالزفرة، ثمدخان البخور ورش العطور وتوزيع أعواد الريحان بليلة الحضرة، تهتز الصورة، يخفت الصوت، يتلاشى المشهد.

يعود عبده إلى مكانه وزمانه، يستغرب لاهماله كل هذا الوقت، يرى نادلة تقف ليس بعيدا عنه، تدخن سيجارة، تكون النادلة قصيرة نوعا م، بيضاء، بشعر أسود لولبي، تلحق بها زميلة لها سمينة بعض الشيء ومنتفخة الصدر، يقترب منهما، يسمع السمينة تهمس لزميلتها وتقول :ـ سينون..خلاص تصالحتي مع حبيبك.
ترد سينون :ـ نعم حاولت زميلته أن تأخذه مني، يبدو أنه جرب معها مرة أو مرتين وعاد نادما
زميلتها :ـ القذر الخنزير..أنتي كلك سخونة ما أحلى من القصيرة هي ذهب الطويلة لو كانت جميلة كلها خشب..قلت لك تكوني سحاقية وأنا سأكون عشيقتك إلى الأبد.
تضحك سينون ثم تنظرإليها بنظرها جد :ـ لن تمسي فرجي ولو عندك كنوز العالم.
تضحك رفيقتها وتأخذ ردها على محمل الدعابة.
تمسح سينون رأسها وتمرر يدها على صدرها الضعيف ثم مؤخرتها المغرية رغم أنها ليست كبيرة.
يقترب أكثر، هي تمسك بهاتفها وتستقبل رسالة من حبيبها يغريها بليلة وساخنة.
تقرأ رسالته :ـ أنتظرك بالمساء لليلة لذيذة سأرسلك إلى السماء السابعة.
تكتب وترد عليه :ـ سأصليك جحيم اللذة وأقذف بك إلى الدرك الأسفل.
تضع هاتفها بجيبها الخلفي.
يناديها :ـ سينون..عفوا أنسة سينون..من فضلك قهوة.
يبدو أنها لم تره ولم تشعر به رغم مجازفته الاقتراب منها، تنهي سيجارتها وتتجه نحو طاولة بالقرب منه.
هنا يتأكد شكه، يشعر وبشكل يقيني أنها لا ترأه لا أحد هنا يرأه ولا حتى تلك المرأة قرب مجسم الساعات بمحطة سان لازر لم ترأه وربما يكون هو الشخص الذي كانت تنتظره.
كيف أصبح غير مرئي؟
ماذا حدث ويحدث له الآن وكيف سيكون مصيره؟

هنا ينهض ويأخذ أشياءه، يتجول بداخل المقهى ويقترب من النادلات الجميلات ولا أحد يراه، يأخذ فنجان قهوة ويأخذ أول جرعة لكنه يشعر بغرابة طعمها ومراراتها التي لا تطاق، يعيد الجرعة من فمه إلى الفنجان، يجد قدح ما ويأخذ جرعة ويشعر بنفس المذاق المزعج، على أحدى الطاولات يجد شرائح رغيف خبز شهي، يأخذ واحدة، يضعها في فمه، يشعر كأنها حجرة ملح متصلبة رغم ملمسها المغري بين أصابعه، يجد كأس نبيذأحمر، يرفعه ويشمه، يأخذ جرعة..تكون المفاجأة بمذاقه المدهش اللذيذ والمغري.
يأخذ الكأس ويجلس بزاوية وهو يعلم الآن أن أحدا لا يرأه وأنه يحق له شرب النبيذ الأحمر وهو عاجز أن يتذوق الأكل أو يرب الماء، كأنه في مشهد فيلم خيال علمي أو التي تشبه نهاية العالم أو فيلم سوريالي مفجع.

وهو في هذا العالم، يجره خياله ليتذكر حارته، بلدته هناك قرب البحر، حارة المحازرة ومدينته بيت الفقيه التهامية اليمنية، يأتي في ذهنة مشاهد متعددة، يرى أم مهد الدلالة الفقيرة والتي لم يكن الناس يحبونها ويقولون أن الطفلة مهد بنت حرام، الدلالة أم مهد لا تملك الجمال الأنثوي المغري كي تجذب رجلا ليعاشرها، ولدت الطفلة مهد لأم فقيرة في الثلاثينات من عمرها وكانت الأم متزوجة من رجل سكير كان يضربها ويأخذ أموالها ويوم مولد مهد أصيب بالخرص التام وهرب من البيت، بمولد مهد تحررت الأم لذلك كانت تولي طفلتها كل الحب، بدأت الطفلة تكبر وتزداد جمالا وأناقة ولكنها تعني من اعاقة تجعل مشيتها غير متزنة وتهش بيديها أشياء لا يرأها أحد غيرها، بدأت مهد قدرتها على التنبؤ ببعض الأشياء البسيطة بالحارة وسرعان ما تتحقق، سرعان ما ذاع صيتها وبدأ الناس يتبركون بها ويكرمونها بالهدايا، تركت أم مهد الدلالة وبيع الامشاك والمناديل وأصبحت وكيلة مهد، تستقبل الزوار والنذور وبعد ذلك انتقلت إلى بيت قرب بيت عبده.
يتذكر أنها ذات مرة كانت في بيتهم لآن والدته سيدة كريمة تحب أهل الله والأولياء فقد كانت تحسن على مهد وأمها حتى قبل ظهور قدراتها الجديدة، كانت كلما ترأه تصفق وتضحك وتنادي بلسانها المعوج قليلا فلانسا ..فلانسا ..مارجريت مارجريت.
يفهم أن ما تقصده فرنسا بقولها فلانسا ولآنه بالصف السادس الابتدائي فقد درس فرنسا بأنها بلد أوروبي عاصمتها باريس.
حدث فعلا وكأنه يتذكر متى وصل فرنسا وكيف؟
الغريب أنه يتذكر الآن أسم مارجريت وكانت مهد تنطقها بشكل واضح وتضحك، إذن فربما لديه حبيبة أسمها مارجريت..أهي تلك التي كانت قرب مجسم الساعات.

يبدأ المكان يضج بالرواد بفتيات جميلات وشبان شجعان يأخذون القبلات وينالون المداعبات وتصل مسمعه عبارات تدل على الرغبة وتصريحات رومانسية وبعضها يتسم بالشهوانية الصريحة. بالخارج، تفرش الشمس أشعتها المغرية الدافئة، تتشجع الفتيات لنزع الأوشحة وأغطية الرأس لتمتع بهذا الجو والذي يبشر بشمس ناعمة.
يأتيه خاطر وتتردد كلمات مهد وتردديها لأسم مارجريت..كأنه يبدأ ليؤمن بها تلك النبية المعاقة البعيدة..لا يتذكر ماذا حدث لها بعد ذلك، يرى مشهدا مشوش التفاصيل لجنازة وبكاء أم مهد وحتى أمه تبكي أيضا بالمشهد، يرى ملامح قبر مرتفع كأنه مزار ربما إذن ماتت العرافة مهد وأصبح قبرها مزارا.
يبدو أن أسم مارجريت وأن يجد هذه مارجريت سيكون مفتاحه للخروج من هذا العالم اللأمرئي وهذه المتاهة المربكة والمرعبة.

من أين يأتي بمارجريت ومن يدله عليها؟
هو، لا مرئي ولا مسموع، كل هؤلاء هنا ومن في الخارج لن يدعمونه فهم بحد ذاتهم عالم وهو عالم آخر، ربما عليه أن يبحث عن أشخاص من أمثاله، أو أي أحد يرأه، يكمل كأس النبيذ اللذيذ من نوع بوردو 1990، كأس مثل هذا يساوي سعره مبلغا كبيرا، قبل أن يخرج من المكان، يذهب للتبول وهناك يحاول ويحاول لكن لا تخرج منه ولا نقطة.
يبدأ ليعدد مميزاته وصفاته، إذن هو لا يأكل الخبز ولا يشرب القهوة ولا الماء، يستطيع أن يشرب النبيذ ويستمتع بمذاقه ويمكنه أن يعود إلى هنا ويتذوق أرقى أنواع النبيذ، لكن لماذا لا يتزود ببعضه؟
تناسبه الفكرة وينزل إلى مخزن النبيذ ويختار ثلاث قناني من النوع المعتق وتاريخها يعود إلى الثمانينات والقنينة يمكن أن قيمتها تصل إلى خمسمائة يورو، يأخذ التموين ويخرج للبحث عن مفتاح الخروج من العالم المسجون فيه.

يزج بنفسه في باريس وبدوائرها العشرين، ينتقل عبر المترو، يصعد ويهبط، يستمع للحوارات والهمسات، يمكنه أن يقترب ويتلصص على هواتف الفتيات، كأنه رسم مقياسا عمريا لمارجريت بحيث تكون بنهاية العشرينات وبداية الثلاثينات، من حين إلى آخر يرى صورته في المرآيا، يدرك أنه في الربعينات، طوله ربما متر وسبعين سم، لونه يميل إلى السمرة، يزين وجهه شاربا يحتاج للقليل من التهذيب قد يكون وزنه بحدود السبعين كيلو وأكثر قليلا.
يتنصت كمن يبحث عن أي امرأة أسمها مارجريت، سمع ترديد عشرات الأسماء ذات الأصول الفرنسية والأوروبية والعربية ولم يسمع إلى الآن أسم مارجريت كأنه من الأسماء النادرة.
يجلس للراحة في ساحة الحرية قرب برج ايفل، وجود الشمس يخلق حراكا بديعا، أهل باريس خرجوا جميعا ليوم مشمس ومتميز في هذا الموسم البارد، بقربة يرى امرأة بحدود الثلاثين من عمرها كأنها تنتظر شخصا ما، تبدو المرأة من بعيد جيدة الملامح وأقصر منه قليلا، يبدو وجهها جيدا رغم ملابسها المتوسطة، تقترب منه صديقها لها وتناديها (مارجريت ) كأنها تريدها أن تلحق بها، يسارع بخطوات هادئة، ها هو لأول مرة يسمع ويرى أمرأة بأسم مارجريت.
هي، كأنها تنتظر قدومه، تظل متسمرة في مكانها، يزيد أمله أنها تراه، تبتسم، تتسع ابتسمتها أكثر وأكثر وتتعزز الثقة في ذاته، يقترب أكثر وأكثر، هي تفتح فمها، تلفحه رائحة غير طيبة، زهامة تأتي منها، يتوقف للحظة، يشم الزهومة بشكل أكبر وأكبر ويتأكد أنه تأتي من جانبها بل من جسدها وفمها، شكلها وجسدها لا بأس به، يتأمل ما تلبسة، السروال الرياضي باللون الزيتوني لكنه يبدو لم يعرف الماء ولا حضن الغسالة منذ زمن بعيد، هي تنظر إليه وتعض بشفتيها لكن الصورة بعيدة عن قول الشاعر
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
وردًا وعضّت على العُنّاب بالبرَد
الرائحة نتنة وطمست كل معالم جمالها، يظل متسمرا ربما لدقيقة أو أكثر ويتمنى أن يظل مفقودا وتائها ولا تكن هذه مارجريت.
يحاول أن يستدير وينهي الموقف، لحسن حظه، يأتي رجل يمر من امامه، تُسرع مارجريت لتقبيله في فمه، يسيران بجانبه، هو يكتم أنفاسه للحظات، يركض للبحث عن ركن ليفرغ ما في بطنه.

يشعر بعد التقيؤ ببروده تسري في جسده وحاجة لبعض الدفء، يجمع نفسه ويسير إلى أن يصل لو كافي دي مارس، يستمتع ببعض الدفء وتناول كأس من النبيذ المتميز، في تحركاته يصتدم بصدر امرأة تضج بالأنوثة، توقف المرأة وهي بالسن الذي حددها لمارجريت نهاية العشرينات إلى منصف الثلاثينات، المرأة واصلت طريقها وم تصرخ أو تشتكي، يبدو أن الصدفة ستقوده لبعض النزوات الطائشة، يقف خلف هذه، يلمس صدر تلك وبرفق ولطف ولا يذهب إلى الصغيرات ولا الكبيرات، حدد مواصفات ما في رأسة الصدر الجيد والمؤخرة المغرية، الأجساد الأنثوية التي تضج بالعطر والروائح المنعشة، يبدأ جولته، يستمتع بالصدامات الخفيفة دون وقاحة شهوانية فجة، ينقاد من شارع إلى شارع إلى أن يصل إلى حي الشانزاليزية مع خطوات النهار السريعة، هاهي الشمس تميل إلى المغادرة وتبدأ الحركة تقل رويدا رويدا.


يتجول امام المحلات الفخمة بالشانزاليزية، يتسرب بداخله الخوف من البقاء في هذا القمقع لأيام أو لشهور وسنوات، هاتفه لا يرسل أو يستقبل، يمكنه فقط رؤية الوقت ولا يعرف اليوم أو التاريخ، ذاكرة الهاتف صفر، ليس بالهاتف صور ولا ملفات ولا أي شيء، بالقرب من متجر ليفايز الأنيق، يشعر بالحاجة للجلوس ولو لدقيقة وقد بدأ الملل يتسرب إليه من ملامسة الصدور والمؤخرات للنساء، يشعر بتأنيب ضميره فلكل جسد حرمته ولا يحق أن يستغل عدم رؤية النساء له ليأخذ ملامسات بدون رضاهن، يقرر أن يتوقف ويشعر أنه لم يكن الشخص الماجن والمستهتر.

يلجأ إلى أحد المقاعد الخشبية للجلوس والتدخين وأخذ جرعة نبيذ، يجلس على طرف أحد المقاعد وبعد لحظات ينتبه أن امرأة شابة تجلس بالطرف الاخر، تبدو منحنية، رأسة فوق حقيبتها اليدوية الموضوعة فوق فخذيها، من رؤية جانبية بدت بوضعية تصويرية كتمثال تعبيري، حركتها تشبه تمثال “الفراغ” للفنان ألبرت جيورجى أو هو هكذا تخيلها، لمحها بعدة نظرات دون يزعجها أو يقتحم صمتها وخصوصيتها فقد قرر أن يكف عن عبثه الذي كان يمارسه قبل قليل.

ترفع رأسها قليلا قليلا وتنظر لما حولها بنظرات شاردة، يكون بيدها اليمنى قنينة نبيذ صغيرة من النوعية الرديئة الرخيصة، باليد الثانية سيجارة منطفئة، يعلم أنها لا ترأه، يتأملها بلطف، يشرق وجهها بعينين جميلتين رغم مظاهر التعب، شعرها يميل إلى السواد وكأنها لم تهتم بتمشيطه منذ بعض الوقت، تهب نسمة نسيم لتعبث بشعرها وتنثر رائحة عطر خفيف ولطيف، رغم أن الفانيلا الضاغطة على صدرها والجاكيت بلون زهري لطيف بدأ متناسقا مع لون بشرتها الدافئة، ربما يكون عمرها في الثلاثين، لم يتمادى ليوهم نفسه بأمنيات بعيدة ومستحيلة، يتهيأ لها أنها لمحته ويتمنى أن يعرف ما يجول بخاطرها ويدفعها إلى هذا المكان بهذه الهيئة، يكمل تأمل بنطلونه الجينز وكأنه يشبه بنطلونه.
يحرك رأسه ويبتسم، يقول بكلمة خافتة :ـ مرحبا..كيف حالك بخير؟
تحرك رأسها نحوه، كأنها سمعته..ثم تنتبه وتستوي تستدير نحوه.
هي :ـ قلت شيئا؟
أنت ترأني؟
هو لا يكون مصدقا لردها ويتسأل أن كان خياله خلق هذا الرد.
هي تقترب مهتمة للحديث وتعيد سؤالها
هي :ـ قلت شيئا؟
أنت ترأني؟
هو يرد فرحا :ـ نعم أراك وأنت ؟
هي :ـ نعم وأسمعك وأتحدث إليك.
تتشجع لتقترب منه وهو كذلك يقترب أكثر.
هو :ـ أنتِ مارجريت؟
تصاب بالفزع، تتراجع قليلا لتبتعد عنه.
هي :ـ أنت الشيطان وتريد أن تأخذني إلى الجحيم بعد أن جعلتني أسير بمتاهة الضياع لا مرئية لا حية ولا ميتة.
يحاول أن يبدد خوفها يقترب منها برفق وهو يهز رأسه باشارة لا.
هو :ـ لا أبدا أن مثلك في نفس المتاهة لا أحد يراني ولا أقدر أن أكل أي طعام ولا أشرب الماء..فقط النبيذ والسجائر.
تظل متجمدة لبعض الوقت، يبدو أنه فهم سؤالها حول معرفته لاسمها.
هو :ـ عندما كنت صغيرا، قالت لي عرافة أسمك مارجريت..تذكرت ذلك وكنت أبحث عنك طوال اليوم لأنك مفتاح خروجي من هذه العزلة..وجدت نفسي بجوار مجسم الساعات بمحطة سان لازار وبعد ساعة تبين لي أني غير مرئي.. أسمي عبده.

تهدأ قليلا، كأنها تبدأ بتصديقه.
هي :ـ لم تخبرني أي عراف أو عرافة أني سألتقي برجل أسمه عبده..لا أعرف كيف دخلت هذا العالم ولا كيف الخروج منه ولا أكل لي ولا شرب الا النبيذ.
يريها زجاجة النبيذ التي يحملها، يقترب منها، يناولها القنينة، تأخذ منها عدة جرعات، تشعر بلذته وحرارة لطيفة تجعلها تبتسم.
هي :ـ نبيذ لذيذ وسعره خيالي.
يضحك.
هو :ـ سعر،أخذتها من مخزن جراند كافيه في الأوبرا لم يرني أحد.
هي، كالنادمة على شرب النبيذ الرخيص، تنهض وترمي بقية قنينتها بالمزبلة وتعود تضحك على حالها.
هي :ـ حقا كم كنتُ غبية ..أنا أيضا غير مرئية ولم أفكر دخول الأماكن الراقية وبقيت اتجول بالمتاجر الشعبية الفقيرة وأخذ نبيذ أقل من العادي.
هو :ـ لا عليك..خذي هذه القنينة لدي عدة قناني وبوسعنا أن ندخل أرقى الحانات ومحلات النبيذ الفاخرة جدا.
تطمئن إليه وتزول مخاوفها، تبتسم، تضحك، تشعل سيجارة وتمد له بسيجارة من علبتها، يشعل سيجارته، ينفثان الدخان إلى أعلى، يتعانق الدخان وكأنه يرتفع بطريقة لولبية متراقصة.

ينكسر جدار الخوف، تتعزز الثقة بتقاربهما حد الالتصاق، ينظر كل واحد منهما لوجه الآخر، تبتسم وهي تأخذ جرعات من النبيذ، تسري حرارة ولذعاته الرقيقة في دواخلها.
هي :ـ أنظر متجر ليفايز الفخم..لدي فكرة تعال لنرى ما فيه ونأخذ ما نحتاجه.. لا أظن أن كاميرات الرقابة سترصدنا.
يوافقها على فكرته وهو ينظر إلى ملبسه الذي يحتج إلى تبديل، يهز رأسه بالموافقة.
هو :ـ فكرة جيدة..خاصة أن الأشياء تصبح غير مرئية عندما نمسك بها ونأخذها.


يتحركان بمرح إلى المجمع، يدخلان، يبدأ التجول، بعض الملابس تكون أسعارها أكثر من خيالية، ضحك ولعب ومغامرة شقية، يأخذان ما يحتاجانه بدون مبالغة وكأنهما يتفقان أنه يمكنهما استكمال التسوق من بقية المحلات العالمية الفخمة بشارع الشانزاليزية.
بعد خروجهما بكل هذه الأكياس، يكون التفكير بالبحث عن مكان لتبديل الملابس والاستراحة، توجد العديد من الفنادق الفخمة، بهذا الشارع والشارع الخلفي.

يسيران للبحث عن فندق، يتوقفان أمام فندق مارينيون شانزليزيه وهو من أفضل وأرقى فنادق باريس وقد يصل سعر الليلة الواحدة إلى ثلاثة الف يورو، يتفقان على خوض مغامرة جديدة، يدخلان إلى البهو الأنيق، يتجولان في الأروقة والصالات والطوابق، يجدان بطرف الطابق الثالث عدة غرف أبوابها مفتوحة بعد اكمال تنظيفها، تسارع إلى الدخول بغرفة وتشير إليه أن يتبعها، ينقاد إليها ولا يبدو عليهما علامات القلق والخوف.

يترقر الضوء كنسيم يهذي الأهازيج الرومانسية بداخل الغرفة سبعة نجوم، سرير ضخم مفروش ووسائد ريش النعام المزركشة بالحرير الملون، كل زاوية وركن تدعو أن تُشاهد وتُلمس، أرئك وسجاجيد ناعمة، دفء مبتسم، يقضيان بعض الوقت لتأمل هذا الفضاء الفردوسي المعطر، تضحك مارجريت، ترمي بما في يدها وترقص، يظل يحدق فيها كأن جمالها يتزايد في عينيه، تدور حوله، تدفعه على السرير، يترك الأكياس بيده، تخلع الجاكيت، تلم شعرها إلى الأعلى ثم تنثره على وجهها، تلاعب رأسها بيدها، تلاعب صدرها، تمد إليه يدها لينهض ويشاركها الرقص، يتردد قليلا ويبدو أنه لا يعرف الرقص، تقترب، تسحبه وتجعلها يهتز ويرقص.

يمضي الوقت ويبدو أن الشمس ودعت هذا الكون وهما في لحظات الدهشة بهذه الغرفة، تتعب من الرقص، تتحرك إلى حقيبته لتأخذ قنينة النبيذ، تأخذ جرعات وتلتصق به ليشاركها، يشربان، يدخنان، يخرجان إلى البالكونة المدهشة لاستقبال أول الليل، بدت السماء صافية فتظهرنجمة في الأعلى ثم يبدأ القمر العرجون يتحرك بهدو قد يكون بالليلة السادسة، في مثل هذا المكان لا يشعر بالضجيج ولا صخب حركة القطارات ولا صوت سيارات الشرطة والإسعاف ولا عربات المطافئ، عالم يختلف عن عالم باريس الظاهر وثمة باريس غير مرئية فهذا نظام المدن والمدنية.

يعودان إلى داخل الغرفة للتفكير ببرنامج لهذه الليلة وما يليها، تشعر مارجريت بثقل ثيابها.
مارجريت :ـ لنذهب ونغتسل، أكيد يوجد بانيو فخم وزهور وعطور، نبدل ملابسنا ونرمي بحاجاتنا القديمة ثم نتجول في حانات الفندق الفخمة، لا نزال نجهل الكثير عن بعضنا وعن أنفسنا.
يفهم من كلامها أن الاغتسال سيكون مشتركا، يرواده الشك، تسرع لتسحبه ولتبدد شكوكه فهي قصدت ذلك.
بداخل البانيو المزخرف وكل هذه الرآيا تجعل المكان واسعا، تفتح الحنفيات وتعديل الماء، تشعل الشموع العطرة وتطفئ الضوء، تنزع كل ملابسها وهو يظل متجمدا لا يدري ماذا يفعل؟
هي لم تظن أن عليها التوضيح الكلامي أكثر، تتحرك وكأنها بطلة لوحة ولادة فينوس للفنان الإيطالي ساندرو بوتيتشيلي، مع الفارق المكاني ولون شعر مارجريت الذي يميل إلى الأسود، يرى حركاتها العفوية وهي تضع يدها اليمنى على نهديها برفق ودون أن تمنعه أن يرى، تضع أصابع يدها اليسرى أسفل البطن دون أن تغطي أشيائها الأنثوية، تغطس في الماء، تسكب زجاجات الشامبو والصابون وتنثر الورود العطرة الجافة، بينما هي مستغرقة في هذه الطقوس لم تنتبه أنه لا يزال جامدا في مكانه، تنتبه بعد لحظات، تهمس له.
هي :ـ عبده، عبده، ماذا تنتظر..أسرع نحن في الجنة.
مع سماعة كلمة الجنة، يبدأ بالتحرك وخلع ملابسه ويظل بالسروال الداخلي، تشير إليه أن يخلع، تبتسم، يتشجع ويلتفت يمينا ويسارا ثم يخلع وهو يضع كفيه لتغطية أشياءه الذكورية، هي تضحك، يجلس مقابلا لها، تبدأ تعبث بالماء وتمد قدميها لتلامس أقدامه، يبدو أن لديها فكرة.
هي :ـ تعال أعمل معروفا، لتقترب وتقوم بتدليكي، القدمين، الساقين إلى الفخذين ولا تذهب إلى الأعلى..لناخذ وقتنا وأنا سأفعل أيضا، بأصابعي الناعمة.
ينقاد إليها، كأنه يتمنى ألا يقترف أي خطأ منه أو أو سوى فهم أو تحدث تدخلات قدرية ما وألا تخوى عُرُوشِها.

يستمران في هذا العبث والملامسات دون أن يلمس أحدهما أعضاء الآخر الجنسية وكأنهما متفقان إلى الآن على هذا، تتأمل هي بنظرات إلى المكان وترى علبة السجائر والولعة وقنينة النبيذ، تنهض وتكاد رغوة الصابون تغطي جزء من فرجها، يظل ينظر إليه وإلى حركتها وعودتها إلى الماء والرغوة، تأخذ جرعات وتنهض قليلا فيظهر له بشكل واضح أسفل البطن وفرجها والذي يظل يحدق فيه ليرى كل شيء ، الشفرين الكبيرين والشفرين الصغيرين والبظر وفتحة المهبل ذات اللون يميل إلى الوردي ولم يكن هناك شعر كثيف يحجب ويخفي كل هذه الأشياء، كأنها لم تنتبه لتحديقه، تعود لتخفي جزءها السفلي في الرغوة، هو يشعر بذلك الشيء ينهض فيه، وكأنه يحظه أن يخفت رأسه قليلا، بحركة منه لا أرادية رفع جسده قليلا، يظهر قضيبه المستيقظ، تنظر، تبتسم، تضحك.
هي :ـ عبده، عبده، أنظر قضيبك يقف، قل له لا تكن منحرفا.
تضحك، هو لا يدري ماذا يفعل، يغوص في الرغوة ليخفي هذا الشيء.
تكلمل سيجارتها، تشير إليه الخروج من الماء.
هي :ـ أنا كذلك يبدو أن أشيائي تزداد رطوبة ليس بفعل الماء والمرطبات والعطور، هي رغبة..ما رأيك أنفعلها؟
يستمر في تدليك قدميها وساقيها، تمسك بيده إلى الأعلى.
هي :ـ لنذهب إلى السرير الوثير.
يترك لها نفسه، تقوده برفق وشاعرية، تنشف جسده، ملامسات، قبلات، يغوصان مع الرغبة إلى حديقة اللذة.

يفعلانها كما ينبغي وأكثر، يشعر بالرعشة، يتعرق جسده تعرقا رقيقا وعطرا لأول مرة، هي تفغر فمها، تبحث عن شفتيه تهزه إليها هزات عديدة، تأتي لحظة رجفة النشوة، تشهق بعينين مفتوحتين ثم تغمضهما للحظات، تشعر بتعرقه يتسلسل بكل جسدها.
هو، يشعر بقبضة دافئة لطيفة تمسك بقضيبة في حالة أهتزازات تدعوه ألا يرتخي، ألا يهم بالمغادرة، تلوي ساقيها فوق كتفيها وترفع خلفيتها قليلا وتتشبث به، لا يدريان بالوقت وهما في حالة الالتحام بل التمازج والامتزاج، تبدأ ترخي قبضاتها، تهدأ تشنجاتها الخفيفة، يخرج من حديقتها المزهرة، تحرره وتطلق سراحة بلطف بطيءوسلس.
يمضي بعض الوقت، يلف بهدوء طرف الغطاء الحريري ليغطي جزءه السلفلي من الركبة إلى السرة، هي تجذب كذلك طرف الغطاء من جانبها تلمه وتغطي جزء من فخذيها وتظل بقية الأشياء خارج الغطاء، لحظات من الشعور باللامكان واللازمان.

تلتفت إليه مبتسمة، تميل إليه قليلا وتشير بنظرها إلى حقيبة الظهر حيث قناني النبيذ، يفهم ما تطلبه، يتحرك وهو يمسك الغطاء الحريري على وسطه، تبتسم وتترك الطرف الثاني من الغطاء ينسدل برفق، هو يستخرج قنينة جديدة ويفتحها ويظل يلتفت إليها، تشير إليه أن يسرع دون أن يأخذ كؤوس، يستجيب ويعود، تأخذ القنينة وتتناول جرعات، تسلمه القنينة ثم تتحرك عارية لتصعد فوقه ولكن حركتها تكون لتأخذ علبة السجائر والنفاضة والولاعة، تعود إلى مكانها، تشعل سيجارة وتسحب عدة أنفاس تنفث الدخان إلى جهته وكأنها تفتعل ممازحات جديدة، يبدو منساقا لتقوده أينما تشاء.
هو كمن يريد أن يمئن عن مستوى ما حدث:ـ أتمنى أنك شعرتي أيضا باللذة؟
تظهر على ملامح وجهها ابتسامات الرضا.
هي :ـ جيد وأكثر من جيد..كنت أخاف أن يحدث شيء أو تتغير أجسامنا خلال أو بعد الممارسة، يظهر أنها ستكون ضرورية للمحافظة على رطوبة وطرواة جسدينا وكذلك شعرب بوميض نوراني يهطل من جسدك وينسكب بداخلي.
هو :ـ أنا كذلك أشعر بطراوة وتعرق جسدك بندى الياسمين امتصه جسدي لحظة رجفتك المغرية.
تستوي قاعدة، تهز على نفسها طرف الغطاء.
هي :ـ نحن لا نتبول ولا نشعر بالحاجة لفعل تلك الأشياء وأعتقد لن تأتيني العادة الشهرية..أهي صفات من يعيشون الفردوس..لسنا مثل بقية الناس بالخارج يأكلون ويتعرقون وتخرج منهم فضلات.
هو :ـ ولسنا أمواتا وجثث في طريقها للتعفن والاندثار ويحق لنا شرب النبيذ وتدخين التبغ.
تقترب منه وتأخذ قبلة من خده.
هي :ـ وممارسة الجنس..لا تنسى أنه يزيد من نعومة وعطر جسدينا.

ينظر إلى شاشة التلفاز الضخمة ويشير إليها.
هو :ـ أتحبين سماع بعض أخبار العالم حولنا.
تنتفض وتحرك رأسها بالرفض.
هي :ـ لا لا يجب أن نفسد جنتنا برعب هذا العالم، أشعر أني كنت أرفض ذلك العالم وأسعى لمغادرته، وصلت إلى عالمنا الجديد بالأمس، حقا أنا أيضا وجدت نفسي بجانب مجسم الساعات بمحطة سان لازار، ثم همت على غير هدى أنتقل بين الناس والقطارات والحانات وسمعت الكثير عن الحروب والعنف والموت والجنون اللأمعقول..أشعر وكأني أشاهد لقطات مهزوزة لحياتي..طفلة بحقول العنب وتحب الأرانب والعصافير، ربما كان والدي صانع نبيذ، كأن قريتنا لا تبعد كثيرا عن البحر..فقاعات ماء تتناثر وكأن جسدي في قاع البحر بحقل من مرجاني وأسماك صغيرة ملونة وفراشات بحرية تغني وكأني أهبط وأهبط إلى القاع البنفسجي ثم لا أتذكر شيئا..ربما كنت اهوى الغوص والبحر وأنت أتتذكر لحظة مغادرتك ذلك العالم.
يصمت للحظات، يأخذ رشفة نبيذ، يسلمها القنينة.

هو :ـ كأني في أعلى صدر السماء، سحب مراهقات يركضن حولنا، يختلط البياض بالزرقة وفي الأعلى اللون الأرجواني وبعض البقع الرمادية الخفيفة جدا، كأني بمقعد في طائرة وأتامل أهازيج كائنات سماوية، تقترب منى مضيفة أنيقة، تلبس تنورة قصيرة إلى أعلى نصف الفخذين، وصدر يزعرد بموسيقى ناعمة، تمد لي بكأس نبيذ أحمر، أمد يدي وتحدث ملامسة عفوية تضحك وأغوص في عينيها العسلية للحظات أو ثواني، ثم يأتي صوت ويأمرنا أن نربط الأحزمة، نهتز بالبداية، تعلو الصراخات والرجفات..ثم لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك.

تحاول أن تحلل الموقف.
هي :ـ إذن كنت بالطائرة، طائرة قادمة إلى باريس، ربما حدث عطل فني وسقطت طائرتكم..أنت كنت في أعلى السماء وأنا كنت بعمق البحر..قد نكتشف ونعرف ردا لكل هذه الأسئلة وقد لن يحدث ذلك..الآن ما رأيك أن نذهب بجولة لطيفة إلى الحانات الفردوسية بهذا الفندق..أكيد توجد قناني النبيذ المعتق..لنستمع بملابسنا الجديدة وبهذه الليلة.
هو :ـ مارجريت العزيزة سأتركك تقوديني
تقاطعه :ـ يمكنك أن تقول مارجريت الحبيبة..هيا لنترك قبل أن يزيد تدافعات الرغبة..تغريني أن أعود لتذوقك سنعيد فعلها الليلة..هيا يا حبيبي عبده اللذيذ.

تنحني ثم تلتوي إلى الجهة الاخرى من السرير، يتأمل مؤخرتها المثيرة، يلتوي ورائها ويمسك بأعلى خصرها يقبل موخرتها، تبتسم، تضحك غير ممانعة ثم تسحب نفسها بهدوء، تفلت منه، تستدير نحوه.
هي :ـ الآن بدأت تعجبني أكثر وأنت تتخلص من خوفك وتتردد بفعل وقاحات كهذه.
يبتسم لهذا التشجيع، هي تسرع بلبس فستان حريري شفاف إلى أعلى الفخذ، يكون ظهرها عاريا، يعطي نهديها رونقا جذابا،
ينهض ليلبس بنطلونا من القطن الناعم وشميزا حريريا، لديهما معطفين من الصوف، يجمع تلك الملابس القديمة ويضعها في كيس ليرمي بها في أقرب مزبلة.

يقضيان ليلة عشرة نجوم، يستمتعان بتذوق النيذ المعتق وبعضه يعود إلى السبعينات، يعودان إلى الغرفة وتكون ليلة زاخرة بالعديد من الأفكار المبتكرة لوضعيات جنسية مثيرة.
تمضي الليلة الأولى ثم الثانية، ينقلان إلى فندق هوتل دو فرانس بالشنزاليزية، ثم فندق الريتز، ملذات وزيارة لمتاحف ومتعة تسوق مجانية لملابس حريرية وعطور بهيجة والبحث عن النبيذ المعتق النادر، تزداد براعتهما في ممارسة اللذة بأكثر من سبعين وضعية، تزهر مارجريت وتزداد اشرقاتها، هو أيضا لم يعد ذلك الرجل الأربعني المتردد، تمضي ست ليال وفي الليلة السادسة تطلب منه ترك باريس.
تدعوها أمواج المحيط ونوارس النورماندي، تخبره برغبتها، ينساق ملبيا دون تردد وكأن ثمة شيء أيضا تربطه بمنطقة النورماندي.

يصلان مدينة كابورج بالنورماندي بعد الظهيرة وتظل الشمس تبسط نفحاتها الدافئة، لديهما ما يكفي من النبيذ والتبغ وملابس الحرير، تركض مسرعة إلى البحر، تسمع وشوشاته وهذيان موجاته، تشير إلى النوارس المرحة التي تنظر القمر الكامل لتكون ليلة متعة وتزاوج، كأنها هايدي المتقنة للغة الطيور وأليس بلاد العجائب التي تتقن لغة الأرانب، يسلمها نفسه لتقوده ولم تعد تقلقه أسئلة البقاء بين عالمين، أخذ الموت منهما صفات لا ياسفان عليها كالأكل والتبول والتبرز وأن يرأهم الآخرين، ترك لهم متعة شرب النبيذ والتدخين والأكثر دهشة ممارسة الجنس، هو الآن بمقدوره أن يفعلها مثنى وثلاث ورباع وتصل طاقته إلى أربع مرات وفي كل مرة تكون كأنها المرة الأولى ولكن بطرق ووضعيات مختلفة ووقت أطول، هي أيضا تتقن أساليب الجذب والاثارة والتجديد وتدفعه في التمادي وابتكار وقاحات تزيد من سخونتها.

عند الغروب وفي لحظات زمن بين الكلب و الذئب، تفترش سجاجيد لونية بهيجة على الموج الراقص بلطف، تخلع ملابسها، تعيد بحركاتها رسم لوحة ولادة فينوس للفنان ساندرو بوتيسلي، كأن شعرها أصبح طويلا لتغطي بطرفها جزأ من أسفل البطن، كأنه في حلم وفي عالم بين البين، تدعوها للمارسة خاصة بين الموج ورمل الشاطئ، يستجيب لرغبتها، يعلو شهيق اللذة وهمساتها، لأول مرة تعضه عضة خفيفية في كتفه الأيمن، تمص ابهامها وتدعوه أن يقذف بها إلى الأبعد.

تنتهيالرعشة، الرجفة ثم الصمت والانفاس المتقطعة، تظل مبتسمة ثم تنهض لتسبح عارية، هو يلبس سرواله الداخلي، يمسك بالمنشفة ويدعوها للعودة حتى لا تصاب بالبرد، تخرج، تعانقه وكأنها لحظة الوداع، تنحني وتبدأ بالحفر في الرمال الناعمة الملونة بهذا الهزيج الضوئي الذي يعجز عن وصفه، تضع نفسها عارية بشبه حفرة صغيرة مقدور موجة شابة أن تقشع هذا الرمل وتغير معالم المكان، تقبله بحب ولطف، تطلب منه أن يغطي جسدها بالرمل، يظنها لعبة كعشرات الألعاب والوضعيات الجنسية السابقة، يغطيها تماما، تضع مندلا حريريا على وجهها وتشير إليه أن ينثر التراب، تهزه رعشة داخلية، تؤكد عليه أن يفعل، يطيع أمرها، يغطيها تماما ولا يظهر منها شعرة واحدة، يصاب بشلل للحظات قصيرة جدا، يرتجف جسده، يسارع بالحفر وابعاد التراب، كانت حفرة صغيرة وطبقة رقيقة جدا من التراب، يختفي جسدها تماما، تهرول الموجات يحاول أن يصدها ويصرخ :ـ مارجريت..مارجريت…مارجريت.
تتراكض الموجات بالركض، تغير جغرافيا المكان، يظل يحفر ويحفر بغير وعي، يمضي ليلة وهو يحفر ويحفر، تشرق الشمس وقد حفر أكثر من مئة حفرة ويقال أن عبده لا يزال يحفر ويحفر بكل شواطئ البحار والمحيطات وخاصة بالليالي المقمرة، شوهد من عشاق وفنانين وأدباء وبعضهم رسم حكايته أو كتب عنه ورغم شهرته إلا أنه لايزال يحفر ويبحث عن مارجريت.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.