نبيل شوفان

1.
لا اعتراف الماء بالغيم، ما لم يكن بقتامة الأيام، حاملا بللا غزيرا يمطر القلب ويكتب شعر الأول مطرة؛ لم أنج من وحش المعنى، أو لا بأساً فاضت نعمة، زارت كل نوافذ حدسي العبرةُ ليلاً، وكلُّ شحوبٍ في قنديلي صارَ مُضاء يا سيدتي..
إن السماء شعر، إن الكواكب شعر، والأطفال يلعبون الاختباء في المساء، وضباب الصبح يمسح وجهنا والبرد ينزح في المسامات المطيرة -وخزَ الندى- أو دمعةً سقطت جوارَ الظلِّ مع نورٍ فريد، وخرافات الرياح تبكي مسّها حزن الخريف، نيسان للنسيان، ومواسم القطف، والنثر ما له مرسى، ومرثى في اشتعال الشِعرِ في زمن سريعٍ صاغه العمر ليلقيَه المشيب ..
قلقُ اختلال الأبجديةِ/ عَتْقُها، أو كانتصاب الياء في وجه الحروف، تحبو حبالا من صور، شعرٌ إذا غنى القمر*، وإذا صدَقَتْ نبوءات الرماد لدى الغجر، واحتلام الصبح ضوءً على نفس الوتيرة، كلما جاع انفجر، شعر إذا سقط المذنب في الحصاد، زمن الخصوبة كحلةً في مهجتي نعَس الكمان من الوتر، حلمي إذا صار الحنين -ولو صدى- مجدي المدى، ورصاصة في جبهة الحلم القريب..
الخامسة في باريس وخيط الضوء يهم ليقطع عني نهد الليل، ويفطم شغفي شعرا أبكم، يبحث عن حبيبة … لها قلبٌ بعينين ترى -ما لم أرى- وشفتين لا تنبسان إلا الحب وقبلة تصلب الروح بمسمار السكون، وأن تشرق شمسا لا يغيبها الغروب، أو الغرور بمسقط حسنها، أو زيف كبرياء، وهذا الدرب موشور بوجهيَ شعرٌ بين قوسين اقتباساً عن لحن الزمان، وسندياناً لانتظار كم طويل، وعن الرحيل إلى النخيل، شعرُِ ما بعد النضوج، وعرقُ التمر يجاهد في سبيل الزهد، شجاعةَ شعرٍ نابَ عن الغياب كنايةً باسم الندى ونكايةً فيما مضى
2.
يا خرائط أورتيليوس تبحث عن الله بريشة
هل من جديدٍ تحت الأنقاض
يا أخت أطلنطا هزّنا خوف إيغيل
أليس هنا اشتهت هيرا تفاحتها الذهبية
وكان التحدي ألا تُسقط السماءَ يا أطلس
كيف لركبتيك المتواضعتين أبدا أن ترتجفا
*
في مراكش تولد البنات من طين بيوتهن وماء الحب
أرواحهن من ريش الحبارى الماشيات على الغيوم
العائدات كما الصّدى ..أحلامهن يحملَنّها للحمام
يَدُسَّنّها في حجاب من قصيدة
متأهباتٍ للمدى
مطليةٌ بالنور أرحام البساتين السعيدة
وفي عيونهن أوتار الحياة
فيا حضرة موت لما تهتز فنهتز
ونفسد تعويذة كف ثبات الورد
تفاوض الزعفران عن مياسمه الحمراء
ألفَ زهرة بنفسجية تراوَدُ
شاهِ ذهبٍ ذهبَ بعيدا بالأحمر
*
ولماذا نطوى يا أبتي
و البعد الثالث ينهارُ
عزمك لم يرفع سقف البيت
وتحت ركام تراثك نمتُ
أفرط ريختر في رقصته اليومَ
لعل الكوكب يخمل فتكون قيامة
والأرواح مناطيد تطفو
والسدرة ليست ببعيدة
فاسرج بالريح وكرر خلقك
وابلغ نشوة نشأتك من دون الرعشة
وبطينك أرأف
أطفال أطلس نائمون
كلٌّ سيرفع يوما سماء المدينة
يستيقظون شتلات زعفرانٍ قانية
وسنابل قمح في الدواوير البهية
3.
(بحار ما بعد التاريخ)
هذا الشتاء ساقني حتى بحار اللانهاية، في محيطات غريبة -شكرا بوردو- موج مشمشي يعتلي سقف الأمل في موسم الهجرات، حيث الكروم تعرّش البحر وتفهم نفسها، والحوت ضئيل، والقرش يلقي قصص اعتزال جدوده صيد الطرائد كونه قرش بريء، ودلفين عجوز، حاك نفسه بالأزرق المتلألئ، وبرأسه آلات عزفٍ مدهش ومجدِّد إذ لا حداثة بعده، أما الكمان فأبكمٌ لكنه باللحن في نزق الكمنجةِ لاجئٌ مع من نطقْ، شاهدت موجا شاهقا زفر الأبد، البحر يبلع ريقه، وسفينة تأبى الغرق، قبطانها عنقاء شقت غمار الموج لا تشكو الدوار، تصيد في صنارةٍ من ماءِ ورد الخيل من مدِّ القرون، صهيلها نبل على دمِّ السهام يصوب الحكمةَ، وانتباهَ العمقِ، وبطءَ الزمان، وتمدد المكان، ومبالغة التيار، وكلٌّ ينتظر الطور، يحلم أن يصبح إنسانا، في طفرة يقظة، كلٌّ جرّد حكمته غبشَ غريزتها في وعيه يغرس ذاكرة للأبناء في كريستال مغمور، ونجوم البحر تحنّط روحَها ترف الخلود لكي تعيدْ… بحرٌ مجيد، وترى الصانع يشرب شيئا، يعجن رمل السكًّر خلقا، وترى نفسَكَ فكرةً تنوي المجيء، وتسأل العنقاء: كيف ساقني الشتاء! دونما طريق!
……………..
* إذا غنى القمر: اسم مقطوعة لياني كريسماليس المؤلف الموسيقي وعازف البيانو اليوناني الأصل- الأميركي صاحب أداء أسطوري في العصر الجديد
أضف تعليق