حميد عقبي
في العديد من قصائد الشاعر العراقي نامق سلطان، تظهر تناوبات مهمة تصويرية بين الفرح والحزن، حيث يصف الحياة برغبات صغيرة وطموح نحو سعادة بسيطة، ورؤية واضحة غير مشوشة وغير مشوهة بالمنغصات. يقبل الشاعر التناقضات في الحياة، ولكنه يمنح تقديرًا كبيرًا لبعض اللحظات الصغيرة، التي قد تكون أشبه بوميض حالم أو دغدغة روحانية. قد تكون هذه الأماني مستحيلة، ولكنه ينتصر للحلم وللحظة وللأشياء الصغيرة، حتى وإن كانت لا تخدم هيكل القصيدة.
لكننا سنكون مع شعرية خاصة مقلقة وتعالوا بنا نقف وقفة تأملية مع هذا النص من ديوانه مثل غيمة بيضاء:
مثل غيم أبيض..
منذ زمن بعيد
وأنا أدرّب رغباتي الصغيرة
كي تبقى صغيرة
مثل جراء في حديقة سيرك كبير
تهيمن عليه فيلة وأسود ذليلة
وأحصنة تخلت عن كبريائها
بينما جرائي تمرح
دون أن تثير انتباه أحد .
هي خفيفة مثل غيم أبيض
لا يسقط على الأرض أبداً
ولا يسد الطريق على الطيور
إذا ما أرادت أن تحلق عالياً .
هي معي حيث أكون
في هذا العالم
الذي لا يستقيم أبداً
لذلك لا أشعر بالضجر من الآخرين
الآخرون مشغولون بأشياء كبيرة
بينما أحاول أن أتعلم
كيف أمشي على الحصى
وأغني في الوقت ذاته
وأدرب نفسي على النسيان .
هكذا هي حياتي
فرح قليل
وحزن قليل
ورغباتي الصغيرة تسرح بينهما
مثل خراف في ربيعها الأول .
نجد هنا فنيات متعددة في رسم الصور وخلق مناخاتها المتعددة عبر استخدام لغوي غير معقد ولكنها غنية بالتصوير البصري الغني بالحركة والديناميكية، مستدعية للخيال والتخيل. وتعكس ببراعة دلالية تفاصيل حياتية صغيرة ورؤى شخصية ذاتية، وتتضمن اعترافات هادئة. على سبيل المثال، يمكن أن نفهم أنه يصف ويقدم حياته وكأنها تشبه ‘غيمة بيضاء’. وقد يكون هذا الغيم ملفتًا للنظر أحيانًا، ورغم اختلافنا في تقدير فائدته وجدواه، فإنه قد لا يسقط على الأرض أبدًا ولن يكون مطرًا. وهو في مكانه المرتفع، لا يعيق حركة الطيور إذا أرادت أن تخترقه وتطير عاليًا. قد لا يُمثل شيئًا في ذاكرتها إذا عادت إلى موطنها لتحكي رحلاتها ومصادفاتها الهامة.
يعترف الشاعر بأن تعقيدات الحياة هي أضخم من قدراتنا ورغباتنا، كما يعترف أن قصيدته ولغته الشعرية لا تمتلك الموهبة الخارقة والكاملة والعبقرية الكافية لفهم هذا الكون بكل متناقضاته ومفاجآته، عنفه وضجيجه. كأنه ينقل لنا أنه ليس الفيلسوف العالم، ولا الشاعر المفوه، ولا البطل الخارق لهذا العصر وهذا الزمن المختلف تمامًا عن كل العصور والأزمنة. ويشير إلى وجود قوى خفية وغامضة تدير هذا العالم، ويدرّب رغباته الصغيرة، كما لو كان يخاف أن تُداس وتُحرق، ويؤكد على أنه يجب أن تظل صغيرة حتى لا تُقتل. ولأنها صغيرة، يمكنها أن تختبأ أو ترواغ وتهرب في زمن الخوف والعنف والدمار وضجيج الحروب.
الشاعر لا يتفاخر بذاته وقدراته الفكرية والفلسفية، ومع ذلك، فهو ليس الشخص الجاهل بالحياة والتاريخ. ينقل رؤيته النقدية الفلسفية ليقول إننا نعيش في زمن وعصر لا يعترف بالتاريخ والماضي. قد تصاب بعض الشعوب العظيمة بمرض الذل والهزائم، وتغيب الأحلام، ويتجاهلها الجميع، حتى تصبح هامشية وضعيفة وغير مرئية. وفي هذا الزمن، تسيطر جراء بشعة ومتوحشة قد تحكم فينا وتُذلنا وتنهب أحلامنا. ولكن تظل جراء الشاعر مرحة ومختلفة وجميلة وطيبة. كل ما تسعى إليه هو المرح والحياة لنفسها ولغيرها، دون أن تثير أحدًا. إنها لا تريد أن تحكمنا وتُسيطر علينا ولا تبيع لنا الوهم والسراب.
تصويرات نامق سلطان قد تبدو سهلة من الرؤية الأولى، ولكنها ذات تعقيدات متعددة تحتاج إلى تأملات متأنية، فهي نتاجات مخاضات وجدانية روحانية يشوب بعضها الألم الفردي والجمعي الإنساني. ففي هذا العالم المعوج والمائل والمغمور بالعنف والفوضى، هناك حاجة إلى تقويمه.
يطمئن الشاعر نفسه بأن روحه معه أينما يذهب، وفي هذا السياق، يعبر عن أمنيته بالحفاظ على نقائه وبياضه. إنها دعوة لنا لأن يكون لكل واحد منا غيمته البيضاء، ترافقه وتشعره بكينونته الإنسانية دون أن تضر البشر أو الحجر أو طيور السماء المهاجرة، وحتى هذه الطيور المحلقة، قد تكون هجرت أوطانها بسبب الحر والجفاف أو رُبما تم تهجيرها بسبب حرائق مرعبة.
قد يكون تذوقنا السريع السطحي ناقصًا وهزيلاً أثناء قراءتنا ورؤيتنا وتعايشنا مع هذه الصور والمشاهد، ولن تكتمل تجربتنا التذوقية الممتعة إلا إذا جازفنا بالولوج إلى العمق مع كل مكوناته الدلالية والميتافورية، والتي تعتبر الأكثر إرتباكا وإرباكا والتي قد تعصف بنا إلى ضفاف تذوقية متعددة ليست سهلة.
لا حل لتجاوز كل هذه التعقيدات إلا بالنسيان، في زمن الحروب والموت والعنف وصعود الجراء الانتهازية البشعة، سنكون مع واقع مختلف في كل لحظة وساعة ويوم، حكايات وتراجيديات مؤلمة وهزات عنيفة قد تزلزل أرواحنا وقناعاتنا ولغتنا وشعريتنا وإنسانيتنا. ما الحل إذن؟ هل يجب أن نشعر بالضجر والخوف ونترك الحياة؟ (الآخرون مشغولون بأشياء كبيرة) ربما يظنون ويعتقدون أن هذه المشاغل كبيرة..
ما الذي يميز رؤية الشاعر؟
هو، كما قلنا، لا يدعي المعرفة الكاملة، ويستخدم هنا فعل “أحاول أن أتعلم”. وهذه المحاولة للتعلم ليست للخروج من بطن التنين أو الحوت أو البركان الملتهب، دون مبالغات كارثية ليخلق من ذاته البطل الأسطوري.
كل ما يطمح إليه هو كيفية المشي على الحصى وأن يظل يغني في الوقت ذاته. وهي طموحات غير خارقة كما تبدو من التلقي السريع في البداية، ولكنها حقيقة معقدة كثيرًا، أن يظل الإنسان يغني في زمن الخوف وأن يظل يمشي وهو فعل له دلالات حياتية متحركة.
هنا يأتي الحصى كدلالة ميتافورية صعبة الفهم، أي على أي نوع من الحصى وأين ذهب الطين والماء والزرع. يدعونا الشاعر أن نعيد تركيب المشهد ونختار نوع الحصى وما حوله والمناخات المحيطة بالفعل، بالإضافة إلى الحالة النفسية للشخصية وعوامل أخرى.
هذا النص، كنموذج، نجد فيه تماسكات وتشابكات صورية متعددة لرسم مشهد، ولكنها ليست تدفقية أو تسلسلية في اتجاه واحد. يمكن للشاعر أن ينعطف يمينًا أو يسارًا، حيث يصور ويتأمل ويصف ما حوله، ثم يزج بنا إلى دواخله المرتبكة:
(هكذا هي حياتي
فرح قليل
وحزن قليل)
يزج بنا لنلامس روحه المهتزة، وهي روح إنسانية وليست روحًا خارقة قادرة وقاهرة. يبدو أننا سنشعر ببعض الهمسات، ليت حياتنا جميعًا تكون فيها الفرح والحزن القليل.
يدفعنا لنشاركه هذه الأمنية والآمال الأخرى أن تكون في حياتنا أحلامٌ قليلةٌ وكوابيسُ قليلةٌ، موتٌ قليلٌ وحياةٌ قليلةٌ. ليت وليت أن تكون هناك معادلات من هذا النوع، أي شر قليل وخير قليل. كل ما يرغب فيه هو أن تسرح رغباته البسيطة في هذا المناخ والأرض والكون، من فرح وحزن قليل كخراف في ربيعها الأول، ككائنات تحلم أن تكبر وتعشق، والأهم من ذلك أن تكون هنا ولو حياةً قليلة.
أضف تعليق