كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الرواية القصيرة جدا (دي) تجربة فريدة في السرد ما بين المسرح والسينما..


نبيل شوفان


*بخصوص المصطلح*
كان الكل متفقا في ندوة مع الناقد العراقي حكمت الحاج وهو يطلق بيانه عن “الرواية القصيرة جدا” كعمل أدبي للتواصل الإنساني، وجنس ابداعي له نفس وظيفة القصيدة ولكننا نتحدث عن خيال سردي معقول ليس طويلا كما الرواية وليس قصيرا كما القصة وليس خاطفا كما القصيدة، كما شجع عدد من المشاركين مفهوم “التقليلية” أو المينيمالزم الذي دعا إليه البيان كفكرة أنسب وليست افضل من الإيجاز كما شرح الأستاذ حكمت الحاج في شرحه لاقتراح مشاركة القارئ، وترك مجال للتفسير، بحيث أن يتم تفادي الإيجاز الذي لا ينقل جوهر الحكاية، والذهاب إلى التقليل من العناصر غير الضرورية، وهذا يتطلب مسؤولية اقتصاد لغوي.
وربما على من يريد كتابة رواية قصيرة جدا، أن يجيد اللعب عند ذلك الخط الرفيع بين التعقيد والتشعب والبساطة أو السطحية، من خلال مضاعفة المؤامرات، أو المغامرات، أو أن يكون بسيطا بحدث واحد له وضع أولي بسيط ووضع نهائي بسيط لكن بتوتر درامي كبير، ولكن في الحالتين وعلى أهميتها نتوقع وصفا مختصرا للأماكن والأشياء. (1)
*من هي دي؟*
تسرد الرواية القصيرة جدا بعنوان “دي” (2) قصة الرجل المثقف والفنان حبيب الذي استيقظ ذات صباح فاقدا ذاكرته ليبدأ حياة جديدة دون أن يتذكر أي شيء عن ماضيه وفنه وأدبه وحتى أفلامه وشهرته، ليقع في غرام ممرضته “دي”، ثم ليواجه خيارات لاحقة في التعافي وعودة ذاكرته وبالتالي خسارة دي أو البقاء مريضا فاقدا للذاكرة وبدء حياة جديدة مع دي.
ما أن تبدأ برواية دي للكاتب والمخرج المسرحي حميد عقبي حتى تعرف أنه مخرج مسرحي حين تبدأ أولى كلمات الرواية بوصف المكان بتفصيلية مسرفة، وكأنه يريد رسم كادر ومسرح أحداث لمشاهده قبل كل مشهد في الرواية، يسرف حميد في ذلك فيصل إلى أدق التفاصيل.
يصف حميد عقبي الشخصيات بنفس الإسراف، يصف الأشياء ويخبرنا حين تتحرك وكيف تفعل ذلك وبماذا اصطدمت ولا يتورع عن إخبارنا لاحقا لماذا تم الاصطدام، كما يسحب عن أعيننا الأغطية، ويعطينا أحيانا أعين شخصياته: “يحول بوجهة نظره بطريقة بانورامية هادئة وسلسة لهذه الصور الطبيعية للضوء والظل ويظهر ارتياحه لها”، كما يخبرنا كيف يعيش مريض الذاكرة مواقفه الجديدة ويقارن فيما بينها: “يتأمل القناع وكأن دقات طبل خفيفة لبداية طقوس وثنية ترن في مسمعه لكنها خافته وتتقطع، يقترب أكثر من القناع لعل صوت هذه الدقات يرتفع ولو قليلا أو يستمر دون تقطع، يشعر أن هذه الدقات تشبه صوت مصباح الممر في بيته لحظة الاستيقاظ ويحاول أن يستمع للصوتين ليقارن بينهما ليفهم المشترك بينهما”.
يفتح الكاتب لنا أعيننا وآذاننا وحواسنا على مصراعها ليدع كل أحاسيس المشهد تغزو حواسنا، من رائحة وحرارة وكثافة ألوان وتفاصيل لا تخطر على بال، بما في ذلك ماذا هناك في الأرضية، و اللوحة المعلقة في الحائط وما هي ألوانها، ومن هي المرأة الجالسة في اللوحة، وما هي قصتها، وهل قصتها أسطورة أم حقيقة، وما موقف الكاتب منها.
كذلك يفعل حين يصف الانطباعات الإنسانية للشخصيات من عدم الراحة أو الرفاهية أو الرغبة. فمثلا لإظهار عزلة إحدى الشخصيات قد يكفي أن نقول استيقظ حبيب في طريق طويل، وحيدا، لا مركبات أبدا تمر عبر هذا الخط المستقيم الذي تتناثر على جانبيه حقول القمح، وفوقه تبدو السماء بدون حدود، لكن حميد كان ليضيف إلى المشهد أشياء أخرى ترفع التوتر!

*المخاطر*
إن تقديم وصف لمكان ما أو أي وصف في أي رواية، أمر هام جدا، وهو مرتبط بكيفية صنع الحبكة، ولا بد أن يتسق مع حبكة الرواية التي تدور أحداثها في هذا المكان.
وعلى اعتبار أن كرونوغرافيا الرواية تدل على أن أحداثها تدور في زمننا الحاضر، أي في أماكن نعرفها، فإن التوصيف كان دقيقا وجميلا بما يمتلكه عقبي من موارد لغوية، وكان بالإمكان تخيل ما تحتويه من تفاصيل زمنية أو مادية أو عاطفية، لكن في هذه الحالة يصبح من المرجح أن يكون الوصف التفصيلي مملاً، إذا لم يتم إيجاد طريقة مناسبة لمزامنة الوصف مع السرد والحوارات، ولعل الطريقة الجيدة للقيام بذلك هي الرجوع إلى السيناريوهات السينمائية -التي كتب حميد وأخرج العديد منها- على اعتبار أن السيناريو ليس أكثر من مجرد رواية مختصرة، بدليل وجود مئات الأفلام السينمائية المقتبسة من روايات.
ولم ينفك الكاتب في رواية دي عن استخدام عبارات يشاع استخدامها في نصوص السيناريوهات السينمائية والمسرحية:
“يبدي فرحة كفرحة مراهق”.
“ترد بصوت إيجابي”.
“يضحك بصوت منخفض”.
ويمكن اعتبار الوصف في رواية دي على وجه التحديد موضوعا بحد ذاته، أي أن الرواية تقدم وجبة عاطفية قليلة الدسم لكنها مليئة بالصور والالوان والمشاهد، ولربما يمكن تكرار التساؤل الذي اثير في الندوة التي أقامها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات وتحدث فيها صاحب البيان حكمت الحاج وهو “ما هدف الرواية القصيرة جدا ولماذا ندعوا اليها”… على كل حال، تنوعت الأنواع الفرعية مع مرور الوقت، تحولت الرواية وتطورت نحو موضوعات ومناهج ومقترحات جمالية جديدة وغير مسبوقة.
في هذه الأوقات التي تشهد صراع القراءة مع المرئي ومع تغير طريقة حياتنا إلى الاختصارات فلا بد من الانفتاح على النصوص الأدبية القصيرة، رغم أن رواية دي هي رواية قصيرة جدا يمكن تجسيدها في عمل سينمائي متوسط المدة، ولقد قرأتها كذلك.
هوامش:/
(1) لمتابعة بيان الرواية القصيرة جدا والندوة التي نظمها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات حول الموضوع يرجى اتباع الرابط التالي:
https://wp.me/pdjjSK-Qi
(2) انظر النص الكامل لرواية “دي” المنشورة في مجلة كناية الرقمية المستقلة باتباع الرابط التالي:
https://wp.me/pdjjSK-RA

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦الرواية القصيرة جدا (دي) تجربة فريدة في السرد ما بين المسرح والسينما..⁩”

  1. صورة أفاتار Marleine Saade
    Marleine Saade

    “في هذه الأوقات التي تشهد صراع القراءة مع المرئي ومع تغير طريقة حياتنا إلى الاختصارات فلا بد من الانفتاح على النصوص الأدبية القصيرة”.
    (مقتطف من النص)
    أؤيّد هذا الرأي. يبقى أن نعلم ما الفرق بين الرواية القصيرة والقصّة القصيرة، ليس من حيث الدلالة وإنّما من جهة القواعد والمعايير.

    إعجاب

  2. صورة أفاتار Hamid Oqabi
    Hamid Oqabi

    كل الشكر الصحفي والشاعر نبيل شوفان وخالص الشكر لمجلة كناية.
    حميد عقبي

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.