كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

“مذكرات ميت” من الواقع إلى الخيال..

عواطف محجوب



للواقع وطأة تثقل الكاهل، وتجعل الإنسان متشائما، فالمستقبل غامض والحاضر متجهم والماضي إرث ثقيل. حتى أن هذا الواقع لما كان موضوعا دائما للكتابة نقل قتامته للكاتب والمتلقي على حدّ السواء ونسف ما تبقّى من أمل. ولتخفيف حدّة السوداوية وتغيير الأجواء الواقعية الصرفة، تم اضفاء لمسات مفارقة مخاتلة ارتقت بالخيال إلى مصافّ الحلم. وهكذا ظهرت مدرسة الواقعية السحرية وقد تمازج فيها الواقعي بالخيالي فأنتجا عوالم أدبية عجيبة وغريبة، واختلطت الأحداث المعتادة بأخرى غامضة، وتوترت المواقف بين الجدّ والهزل، ونفرت من الأجواء العادية المستهلكة أفعال مدهشة غير متوقعة. يمكن الإيجاز بالقول أن هذه المدرسة جمعت بين المتناقضات وطوعت غير الواقعي في ثنايا الواقعي. ما أنتج عوالم أدبية يتعايش فيها المنطق مع اللامنطق.
ثلاثة ملامح رئيسية ارتسمت بقوة في المجموعة القصصية “مذكرات ميت”* للكاتب الكردي إسماعيل هاجاني، جعلتها تنتمي إلى تيار هذه الواقعية السحرية. نجد أولا ملمح السخرية وهي وجه من وجوه الكوميديا السوداء استخدمت عبرها اللغة بشكل مبسط ومخاتل ومضحك في نفس الوقت. وصوّرت العوالم تصويرا مشوها ومقلوبا بغرض التشخيص والنقد والتقريع. جاءت السخرية في مستويات عديدة وهي على التوالي: أولا السخرية بالقول كما ورد على لسان حَلي في قصة الرجل القصير وهي تحاول إثناء زَري عن الخروج لوحدها: “يا ويلك! ملا القرية لم يعد يجرؤ على الذهاب إلى الجامع ليؤذن!… يا رب إن بعض الظن إثم ولكن يقولون إنه بسبب ذلك الكلب الأحمر خَلو الشيوعي. ص6” بهذا الكلام يسخر المؤلف من العقول البسيطة التي تصدق الشائعات والأوهام بسرعة وتعزو كل مصيبة تحدث إلى أصحاب الفكر الشيوعي باعتبار الشيوعية هي نوع من الكفر في ذلك الوقت. إنها دعوة لإعمال العقل والبحث عن الأسباب الحقيقية خلف كل حدث حتى لا يقع المجتمع في فخ الجهل الجماعي.
ثانيا السخرية عبر الحركة كما حدث للعريس في قصة ليلة هروب الملائكة وهو ما زال يتناول الطعام في مأدبة العرس حيث انقض عليه رجل من المدعوين ضخم البنية و “مدّ يديه من تحت أرجل العريس وحمله أمام صدره وانطلق به نحو باب الغرفة. لم ينتظروا حتى يعبروا به رواق الحوش، فانبرى اثنان وجعلا من ظهريهما جسرا ليعبروا به فوق الجدار الفاصل بين الحوشين وفي الجانب الآخر تلقفته أيادي سبعة رجال وأنزلوه. ص39” هذا المشهد المضحك يقوم على حركة نظامها السرعة والتسرع بسبب ما ترسب من الموروث المتعلق بتقاليد الزواج واثبات الرجولة وتشريف القبيلة إذ “يجب عليك أن ترفع رؤوسنا في تلك الليلة. ص37” كذلك تلوح لنا السخرية عبر الكاريكاتور وهي رسم الشخصيات بالوصف مع التركيز على العيوب وتضخيمها أذكر على سبيل المثال “الأعرج المتمايل في مشيته، الأكرش ذو الشوارب التي غزاها الشيب ص37. عجوز البيت العرجاء ص38. ذو اللعاب، صاحب الشوارب الشهباء، بظهر أصابعه المشعرة أخذ الرجل الأعورا يطرق الباب بشدة وغضب ص39. صاحب الشوارب التي اختلط سوادها ببياض ص40، العريس المسكين وقف شبه عار حافيا يرتعش من شدة البرد… مخاطه، لعابه ودموعه تسيل من أنفه وفمه وعيونه وقد اختلطت ببعضها ص41”. هذا التصوير عبر الوصف رسم لنا شخصيات متفاوتة متنوعة لكنها منخرطة بنفس الدرجة في الجهل وما السخرية منها إلا من أجل إيقاظ أشباهها مما هم فيه لأن الزواج لم يكن يوما اثباتا للرجولة كما هو شائع في سائر المجتمعات المتخلفة التى تحكمها التقاليد الصارمة.
أيضا هناك السخرية عبر التشبيه من أجل نقل تقريبي لحالة الخوف والخنوع والذل “هؤلاء القرويون… باتوا كالدجاجات عندما تكرك في أقنانها ص6، العريس… يرتعش من شدة البرد كديك بلله المطر ص41” وأخيرا سخرية من المعتقد التي تجعل صبيا غريب الأطوار تبتلعه زوبعة عظيمة يوم أربعاء. هيأ المؤلف كل ظروفها عبر الموروث الذي يجعل يوم الأربعاء مقدسا عند الشعب الكردي ممزوجا بخرافة الجن الذي يستبدل الأطفال في حال الغفلة عنهم. فمعظم المعتقدات الفلكلورية إنما هي أوهام وأساليب تخويف ابتدعها الآباء من أجل العناية بأولادهم خاصة الذكور والتمكن من السيطرة عليهم في حال تمردهم والخروج عن أوامرهم بعدم اللعب في الشارع ومخالطة الغرباء.
إذا السخرية هي انعكاس لحقيقة مؤلمة يعيشها الفرد في المجتمع الكردي، عبرها شُخصت الظواهر السلبية ونُقدت بطريقة لاذعة من أجل معالجتها، لأن المراد الأول من السخرية هو بلورة الوعي الفردي والجمعي والنهوض بالشعوب دون خوف أو خنوع.
ثانيا يحضر ملمح العجائبي بقوة في مجموعة مذكرات ميت. نجده عجيبا تارة وغريبا تارة أخرى. وقد عرّف الناقد حكمت الحاج العجائبي على أنه “شيء رائع ومدهش يستخدم لوصف الأشياء التي تثير الإعجاب أو غير عادية**” ولقد استند العجائبي على موروث من الماضي في مزامنة مع ما يحدث في الواقع الحاضر بكل إكراهاته محتكما إلى طرح يتجاوز المألوف بنزعات غريبة ويبتكر العجيب من الأفعال والأقوال. استغل الكاتب اسماعيل هاجاني هذه التقنية على أكمل وجه في قصة مذكرات ميت. فمنذ بدايتها تتملكنا الدهشة لحظة إدراكنا أن الراوي ليس براو عادي ولا مألوف. حيث أن من يروي وقائع القصة هو ميت يعتمد ضمير المتكلم أنا. وينقل لنا حدث وفاته وردود أفعال عائلته وأقاربه ومعارفه وتعليقاتهم التي تراوحت بين الإيجابي والسلبي. كان يرد على كل تعليق عبر الاستبطان ويكشف لنا حقيقة مناقضة لما ورد على لسان كل متكلم. أما نحن فلا عهد لنا بميت متكلم فمن مات صمت إلى الأبد. ولكن كل المسلمات قد تتغير لحظة الكتابة واللعب باللغة. يقول الراوي الميت: “في لحظة ما تثاقل جسمي كله، نشف الدم في عروقي وانقطعت أنفاسي وشعرت بالبرد يجتاحني. عندئذ تصاعدت أصوات النواح والنحيب في بيتنا، لم أعد أشعر بجسمي ولكن حاسة سمعي اشتدت وسادت على باقي الحواس. البعض كان يبكي، البعض الآخر كان يرثيني، فيما كان آخرون يعددون محاسني، فيقولون…. ص21/22”. ثم ينقلنا القاص اسماعيل هاجاني إلى مستوى آخر من العجائبي في مرحلة ما بعد الدفن والاستقرار في القبر. مرحلة ماورائية غيبية لا يمكن للعقل البسيط تخيلها ولا توقعها. بالاستناد إلى معارفه الدينية ابتكر لنا الكاتب مشهدا مسرحيا غاية في الهزل والعجب. حوار بين الميت الجديد ومن سبقوه من الأموات على اعتبار أنهم أرواح تخلصت من كل أبعادها المادية، لكن ها هي تجتمع وتتجادل فيما بينها حول مواضيع مادية ودنيوية بحتة وبانفعالات بشرية صرفة. الميت الجديد يخبر القدامى المتزاحمين أمامه عن أحوال أقاربهم وما يفعلون وعن أحوال الدنيا وكل معلومة يقولها بمقابل، المعلومة مقابل حسنات. لا شيء بالمجان تماما كما الحال في البيع والشراء: “اقتربت مني أصوات همهمة بشر، عرفت أنهم الموتى الذين سبقوني، كان منهم من مات قبل مليوني عام. البعض منهم يسألون عن أقاربهم، ماذا يفعلون، وكيف هي أحوالهم، فيما ما آخرون يسألون عن أحوال الدنيا. ص24….مقابل كل جواب عن أسئلتكم تتنازلون لي عن إحدى حسناتكم. ص25… فكرت في نفسي وقلت: لماذا لا أسأل أنا أيضا…. ماذا تعرفون عن الحوريات؟! راحوا يقهقهون وانفضوا من حولي تركوني وحيدا دون أن يجيبوا على سؤالي. ص29”
حالة من الدهشة أحدثها الكاتب لدى القارئ معتمدا على الابتكار الذي أعاد المستحيل ممكنا. وزج به في تردد بين التصديق من عدمه، حتى يهتدي عبر التأويل إلى المقصود من جموح الخيال هذا، تماما كما حصل في قصة ميدان الكلاب، بطلها الكلب زرو صاحب القدرات الخارقة: “لم يكن زرو يشبه أي كلب آخر، لم يكن ليزمجر أو ينبح هكذا عبثا، كان يعرف الإنسان السارق من نظرة عينيه ولو من بين ألف من البشر. ص31” وبقدراته تلك كشف فساد كل الناس في المدينة: “يا إلهي ألا يوجد إنسان سوي في هذه المدينة! يبدو أن كل أهل المدينة حرامية؟! ص31” كأن المؤلف يبدو منحازا للقرية على حساب المدينة متبنيا عبر تقنية التبئير الرأي القائل أنه كلما تقدمت الحضارة و تطورت المدن وكبرت فسدت الأخلاق وتردت من أبسط إنسان إلى أعلى الشخصيات والإطارات السامية: “دقّ كبير القضاة المنضدة بمطرقته، وقبل أن ينتهي تماما من تلاوة اسم زرو قفز الأخير من فوق سياج القفص وهجم عليه، ثم أخذ ياقته بين أنيابه وخلع عنه ثوب القضاء… انقض على المدعي العام، راح يجرجره حتى نزع عنه هو الآخر رداء القانون. ص33” هذا الكلب الخارق هو امتداد للكلب الذي سماه صاحبه الشواف سخرية من أحد الرموز السياسية لكنه من جهة أخرى هو مديح ينطوي على الاستثناء لأن كلمة شواف في المحلية التونسية مثلا تعني المبصر أو صاحب العين الثالثة.
وهكذا نستنتج أن من وظائف العجائبية هو نقد الواقع ونقله بأسلوب متمرد على ضوابط الطبيعة والتنديد بالمادية المفرطة التي ساهمت في انحدارالمجتمعات وانحراف الأفراد. أيضا لعبت العجائبية وظيفة نفسية حيث كشفت عن الرغبات المادية للشحصيات ونوازعها البشرية البشعة تحت أقنعة التحول عن المألوف. إضافة إلى كونها خلقت موجات من الفوضى والاضطراب في النسيج السردي وأججت مشاعر الدهشة والاستغراب والخوف لدى المتلقي. كل ذلك ترجم مهارة المؤلف إسماعيل هاجاني في خلق وتصوير عوالم عجيبة غريبة لا توجد سوى في لغة سرده تقوم ثلاثية الرغبة والتفاعل والصراع.
الملمح الثالث للواقعية السحرية في مجموعة مذكرات ميت هو الخصوصية المحلية وعبرها اكتشفنا الجانب الثقافي للبيئة الكردية. في العديد من القصص استند المؤلف على الفلكلور والحكايات الشعبية لمعالجة ظواهرة يعاني منها المجتمع الكردي. عبر تقنية التضمين في قصة الزوبعة ساق المؤلف حكاية قديمة حيث شاع المعتقد أنه إذا ترك الطفل حديث الولادة وحيدا يتم استبداله من قبل الجان، ويتركون عوضا عنه ابنا لهم. وهكذا تم استبدال ابن المرأة خزال ذات غفلة منها. ومن هول الحادثة وما رافقها من أمور غريبة تحولت إلى ما يشبه الغولة وهي كائن أسطوري مخيف لا يتوانى عن سرقة الأطفال. هذه الرموز موجودة عندنا أيضا في تونس حيث أن آباءنا ما انفكوا يخيفوننا حتى لا نمكث في الخارج طويلا خاصة وقت المغرب أو في ظهيرة أيام الصيف. أيضا نجد أن الكاتب نقل لنا عادات وتقاليد المجتمع الكردي في الأعراس وما يرافقها من مأكل ومشرب رقص وغناء “ترددت في أعلى الرابية أصوات الغناء والزغاريد ودربكة أقدام المحتفلين بالعرس. ص43” والاهتمام المبالغ فيه بليلة العرس حتى أن مظاهر الفرح هذه تتحول إلى منافسة جلية بين عوائل القرية الواحدة: “ما أن تلهب رصاصة شمال القرية أو تطلق صبية زغرودة حتى تلتهب معا حناجر أكثر من عشرين صبية وفوهة بندقية في جنوب القرية ص38” ومن جريان العادة أن العريس تُلقى عند قدميه جرة ماء والعروس تمتطي صهوة جواد وتحمل بيديها ملعقة ومغرفة. ويبقى الجميع ينتظر نتائج سريعة من العريس ويجبرونه على انجاح ليلة عرسه “قبل أن يبلغ الليل منتصفه كانوا قد سحبوه للمرة السابعة إلى حيث زير الماء تحت شجرة التوت ودلقوا عليه الماء البارد ص4ح” فإذا ما تخاذل فإن ذلك يعتبر فضيحة “هل تنوي أن تنكس رؤوسنا؟ ويحك، ألست رجلا؟ ما لك أصابك الشلل هذه الليلة؟”… وقتئذ انطلقت صلية رصاصات مذنبة من شمال القرية….لم يحتمل الأعور الموقف، ترنح ووقع على الأرض مغشيا عليه ص40” وبذلك يضيع شرف الرجولة عن العائلة وهو أمر يوجب القتل “ألقم مسدسه طلقة واندفع نحوه (العريس) يصيح: دعوني كي أقتل هذا الغبي، فما نفعه إن ظل حيا؟ ص40” عادات بالية لها تداعيات كبيرة على الفرد والمجموعة تبدأ بالأثر النفسي السلبي وتصل إلى درجات الجناية والاجرام فكم من عريس مات بطلقة جراء فشله يا ترى؟ جانب آخر تكشفه لنا قصة هكذا تزوجت، فمن تقاليد الزواج أن البنت لا تتم استشارتها والحصول على موافقتها من عدمها في حالة تقدم لها عريس. ويتكفل الأبوان بالقبول بدلا عنها “وما أدراني أنا، كما ترغبون، تعطوني لرجل، تبادلوني بالذهب… لست أدري! وفي الحقيقة كنت أكذب ساعتها. لأني طوال تلك الليلة أبكي في فراشي ص50” حتى أن العروس قد تعرف من الرجل الذي ستتزوجه حذاءه قبل وجهه، عليها أن تنتظر ليلة العرس لتتعرف عليه. هذه العادات تظهر تحكم الرجل في مفاصل الحياة وما المرأة سوى فرد مهمش كل شؤونه تدار عن طريق الرجل.
هذه المجتمعات لا تهدأ حتى تجد لها بطلا خارقا تتخذه رمزا منقذا. في قصة درهم الثورة وفي إحدى قرى كردستان وخلال جمع المال لدعم الثورة ضاع درهم، ورغم عمليات البحث الطويلة والدقيقة لم يتم العثور عليه إلا بعد سنة وتحول الشخص الذي وجده إلى بطل. “يومها استقبل القرويون كالو كبطل وطني ص35” وفي قصة يوميات صياد صغير ظهر بطل من نوع آخر، صياد صغير ينقذ قريته من سطوة الجيش الذي أزمع اقتحامها وتفتيشها فلم يعثر على شيئا : “قال أقسم أنها قوات حكومية تقصد قريتنا لتعتقل البشمركة… انطلق كالسهم وهو يصرخ… لم يكن قد بقي فيها من يخشى على نفسه، والنسوة أخفين ما يملكن من ذهب وحلي… وعندما خرج الجيش من القرية وغادرها تماما كان هو قد أضحى بطل ملحمة كبيرة ص84”
تعتبر خصوصية المجتمع الكردي ليست محلية مائة بالمائة لأن نفس تلك الموروثات موجودة في كل المجتمعات العربية وخاصة القروية منها وتنتهج نفس التقاليد باختلافات وفوارق بسيطة جدا. وبذلك يمكن القول أن قصص إسماعيل هاجاني هي قصص عابرة للحدود لها بعد انساني شامل يخاطب الأفراد في أماكن مختلفة وبعيدة عن كردستان ويساهم في بلورة الوعي رغم أنف المسافات واللغات المختلفة. وهو ما أسقط حواجز الترجمة وجاء النص المترجَم على يد المترجِم سامي الحاج كأنه أصيل في العربية٠

هوامش:
*مذكرات ميت، قصص قصيرة من الأدب الكردي المعاصر، إسماعيل هاجاني. صدرت في 2023 ضمن سلسلة كتاب كناية التي يشرف عليها حكمت الحاج.
** مقتطف من مقال للناقد حكمت الحاج نشر بمجلة كناية الرقمية الثقافية المستقلة عام 2023 بعنوان “العجائبي وأدب الخيال العلمي”.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.