حميد عقبي
الكثير من الكتابات النقدية عند تناولها الحوار في الرواية، تناقش ما إذا كان الحوار بالفصحى أو الدارجة أو المزج بينهما، ولكل فريق تفضيلاته وأسبابه والقليل جدا من يهتم بمواصفات الحوار التخيلية والدلالية ومساهمته بتدعيم بقية عناصر السرد وكذلك كيف يمكن أن يستفيد الحوار الروائي من تقنيات وجماليات الحوار المسرحي والسينمائي وأن يكون أيضا الحوار دلاليا ورمزيا ويقول ما لا يقوله الوصف وبقية العناصر السردية ولست هنا من أجل عرض اطروحات نظرية وسأذهب بكم مباشرة إلى تأمل بعض الحوارات في رواية “غمسيس” وهي رواية مشتركة بين كاتبيها: العراقي حكمت الحاج، والتونسية عواطف محجوب، صدرت عن منشورات كتاب كناية 2023.
*الوصف السردي الروائي وهمس الشخصيات*
سنلاحظ ومن بداية الرواية فإن الوصف هنا يأتي كهمس وبمستويات إنفعالية متعددة، يصف لنا “أبجد” حالته المليئة بالضجر والغضب من العاصمة تونس وعودته للجنوب المشبع بالحرارة والغبار وهو كمن يحاور نفسه أو يستمع لهذه التدفقات الأتيه من رأسه ودواخله وبهذه التقنية يسهل الكاتبان حكمت الحاج وعواطف محجوب الدخول الغير متعثر والمعقد خاصة وأنها رواية مشتركة، والبداية تضعنا على العتبة المكانية وحتى الزمانية والبداية وضعتنا في مواجهة “أبجد” الحانق والقلق والمدينة ببعض تفاصيلها الأولية ثم مع “نور” في ختام الفصل الأول والمعنون “نور”، علما أن الرواية مكونة من 27 فصلا، في نهاية الفصل الأول يشتري “أبجد” قنينة كوكاكولا ويُسرع إلى “نور”، تفتح الباب وتتفحصة بنظرة ماسحة، أي تقريبا الحوار منعدم جدا في هذا الفصل وتقول له :ـ سكر الباب واخلْ.
ولكن الصياغات الوصفية التدفقية للشخصية تسهل لأي سيناريست في حال المعالجة السينمائية أن يغترف منها الكثير دون الحاجة لراوي سارد، وهذه الاغترافات يمكن أن تكون لخلق المشهدية الصورية وكذلك الحوار.
يتسم الحوار في رواية غمسيس بخصائص فنية متعددة، ويكاد يكون مستوى الخطاب مفهوما للجميع ولا تأتي بعض الكلمات أو الحوارات بالدارجة لتمثل مشكلة فهم أو تلقي بل هي تعطي نوعا من الجاذبية لنشعر ونحس بالشخصيات. ولم تكن الحوارات باللغة الفصحى جزلة الفخامة أو التعقيد وهذا يفتح أبواب التلقي ولا نحتاج إلى قواميس لفهم ما تقوله الشخصيات.
كذلك من المميزات المهمة أن الحوارات في مستوى الشخصيات وهذه من المهام الصعبة جدا في كتابة أية رواية أي أن تكون لكل شخصية مستوياتها وأن تتطور الحوارات وفق نسق التطورات الفكرية والروحية والنفسية والاجتماعية لكل شخصية.
الحوار وإن كان مقتضبا فهو يبتعد عن الثرثرة ولكنه يكشف كذلك مهمة ويفتح شهيتنا لنتعرف على حدث جديد أو تطور العلاقات بين الشخصيات ويكون أقرب لروح السيناريو والسينما، يمكنكم العود إلى ص 21 ( أبجد ورقية):
كانت تنظر إلي وتحتضن حقيبتها بقوة بين يديها مغطية بها صدرها.
ـ هل ستقضين الوقت على الدرج تحدقين في هكذا؟ تعالي ادخلي. لا تخافي لن أكلك فقد تعشيت بالخارج.
ـ هل يمكن لي أن أتحدث معك بضعة كلمات استاذ، ولن أطيل عليك، أستاذ.
ـ حسنا. ادخلي قبل أن يمد كل الجيران في الطوابق الخمسة رؤوسهم العفنة ليروا حضرتك تناديني أستاذ.
ـ هل يمكنني البقاء لدقيقة واحدة فقط أستاذ؟
ـ أنتِ تثرثرين كثيرا. ادخلي وإلا طردتك إلى الشارع الآن.
من هذا النموذج البسيط، سنشعر برعشة “رقية” وأنها خائفة ومضطربة وكذلك حدة “أبجد” وقلة صبره وأن هذه الزيارة تحمل منعطفا جديدا في العلاقة بينهما وتلمح لحدث هام، كما أننا سنشعر بهذه اللحظة والمكان.
في ص 24 أيضا ولو أخذنا العبارة الأخيرة في الحوار بين رقية وأبجد لنسمع ما قالته :
ـ عفوا أستاذ، أنا أعرف أني أزعجتك قليلا الليلة. لكن كما ترى فأنا ميتة لا محالة. أنا انتهيت أستاذ. انتهيت.
وهذه الحديث خلق ردة فعل لدى أبجد وفينا أيضا، فهنا الحوار يأتي ليدفع بالشخصيات وبنا لمنزلقات جديدة وأسئلة كثيرة قد لا تأتي مباشرة أو متتالية ومتعاقبة ومحاولات نشطة لفتح المزيد من نوافذ التشويق والهروب من الرتابة وكسر توقعات التلقي وهي لعبة ليست سهلة.
*الحوار بين المسرح والسينما*
ونحن نسير بالرواية سنتوقف بتأمل خاص مع الفصل الثامن والمعنون “يسقط الحائط الرابع” وعتبة العنوان كأنها تشير بنا إلى حوار فيه جاذبية مسرح اللامعقول وهدم الجدار الرابع عمدا وبنية مقصودة، وكأننا مع مشهد مسرحي حواري وكنا فعلا بحاجة لمثل هذا الحوار المطول بين أبجد ونور، والمتأمل في هذا الحوار سيدرك ما تعنيه نور لأبجد وما يعنيه أبجد لنور.
الكثير من المرواغات والهروب والمكاشفات والتصريحات واللعنات وكذلك الحب.
نور ذات قداسة خاصة وليس كمثلها شيء وهي مرآة حقيقية لأبجد وقد تكون فاضحة له وهي وحدها من يمكنها أن تلعنه وتشتمه ولكنها كذلك تعيد توازنه ويزداد حبها وتمسكه به وهو كذلك يشبه قدرها هو يقول لها لها بصدق وإيمان:
ـ لا الله يخليك لا تطرديني من جنتك. أريد أن أكون تحت أقدامك فيها..
هذا الفصل يمتد من ص 29 إلى ص 36 وهو من أجمل المشاهد الحوارية الديناميكية بروح كوميدية تهكمية، بعبق مسرحي وعطر سينمائي؛ يمسك بالمتلقي ويدفعه أن يتمسك بمتابعة ما سيأتي ويحدث لاحقا، كما نعلم فالمتلقي ليس ملك الكاتب بل الرواية وشخصياتها وحواراتها وأحداثة وعناصرها هي من تستطيع أن تجذب المتلقي وتأسره وتستولي عليه، هذا الفصل من الفصول الحيوية جدا والمغرية لأي سيناريست أو دراماتورج لآن الرواية كمن يقول هيت لك لمعالجات فنية متعددة الأشكال والأساليب.
تتميز رواية “غمسيس” بتعدد الأصوات والأرواح والأحلام، وهذا يحتاج لدراسة خاصة فنحن لسنا مع لسان وقلب واحد، أبجد، نور ثم رقية وبعد ذلك محاسن والتي تظل أكثر غموضا، لكننا نتعايش مع ثلاثة أصوات تتنافس لتروي وهي أبجد، نور ورقية حيث أن هندسة وعمارة بنية الوصف قابلة وموحية لخلق حوارات خلاقة كثيرة، لسنا مع رواية مغلقة على ذاتها ولسنا مع جغرافيا وتضاريس سهلة مباشرة ولكننا مع تنوعات متعددة ولكنها ليست مستحيلة وذات تعقيدات مزعجة ولعل من مميزاتها أنها تفتح أذرعها للجميع وسيكون الفهم بمستويات متعددة وهذا جيد لأي رواية.
*نقاط مهمة أختم بها كمدخل لفهم الحوار في رواية غمسيس:*
ـ تتمظهر في الرواية أنماط عدّيدة ومتنوعة من أشكال وأساليب الحوار حيث سنلمس الحوار الخارجي، والحوار الداخلي وكثيرا ما حاولت الخروج من النمطية والاكليشهات الجاهزة المكررة لتؤكد أصالتها وأصالة الرواية وهي سعت أن تثبت نموذجيتها والبعد عما هو كلاسيكي ومتعارف عليه وكما أنها سعت أن تقدم لنا المتعة القرائية والتخيلية.
ـ ثمة نزعة لدعم التخيل وخلق تشاركات مع المتلقي وسأهم الحوار في تحقيق هذا الهدف بالتظافر مع بقية العناصر الرؤائية وأغلب الحوارات تحاول تحفيز مخيلتنا، تصفعنا بقوة أو رفق، تستكشف ضعف الشخصيات وما تخفيه وليس فقط قوتها وبطولاتها.
ـ سعت أن تقدم حوارات إنسانية قد يشوب بعضها الخوف أو الضعف والتردد وقول اللأشيء، نسمع لهذا أو هذه أو ذاك أو تلك وكلهم بشر يحلمون ويخافون.
غمسيس ليست رواية سهلة وليست بالغة التعقيد وهي ترحب بالمتلقي كمشارك ولا تقدم كل شيء ولمتعة قرائية جيدة قد تحتاج أكثر من قراءة وهي مغرية جدا كمادة نقدية وكنقاد قد نختلف في نقاط كثيرة ومتعددة وهكذا فإن أي نشاط إبداعي يثير الأسئلة فهي ميزة جيدة وإيجابية.
أضف تعليق