كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الجمال والروح الحالمة في قصائد نبيل شوفان..



حميد عقبي



نبيل شوفان شاعر سوري مقيم بباريس، وقد نشر مؤخرا عدة أعمال شعرية على موقع مجلة “كناية” التي يشرف عليها ويحررها الشاعر والناقد حكمت الحاج. سوف أحاول الدخول إلى عالم نبيل شوفان من خلال هذه النصوص المنشورة.
لعل من الأشياء المهمة التي نشعر بها ونحن نتأمل هذه النصوص هي أن نبيل شوفان يعي ثقل وخطورة الكتابة وأنها يجب أن تأتي من الذات، من الروح والداخل لتعبر عن الرؤية وقد تترجم هذه الرؤية للنفس والكون في لوحات وانماط جميلة وقد تتشكل في صور مهزوزة وغامضة ومرتبكة.
هذه الارتباكات والرجفات تثير أيضا بعض الأسئلة عن هذا العالم المشحون بحروب وعنف وتأخر الأحلام والامنيات ولنستشهد بهذا النص :
تأخر الربيع
وحبيبتي بلغت خريفا
أوراق العنب تنتظر الربيع
لتلف البستان جدائلها
النيروز ينتظر الربيع كل عام
ليشعل النار في الجبال
الباص الواقف بين ماريتزا ونهرها
ليعمد العشاق الجدد بالذكريات
رجل الثلج الفائز بيانصيب الاولاد
مصلوبا على قمم الألب
يحلم بالذوبان
وبفكرة حمام بخار أبكم
وبامرأة تغني …
القارئ العادي لهذا النص قد يقع ضحية قناع الوصف العادي ويجده نص عن تأخر قدوم الربيع، الربيع هنا دلالة متحركة فعالة تضعنا في مشهد الأنتظار والتأمل والأسئلة ويزج بنا المشهد في مناخات الفنتازيا والمصادفات، كأننا بالشاعر يقف في حالة من الرعشة والتجمد ويرى حبيبته تزيد خريفا آخر وهنا احساس بمضي الزمن وهو المتأخر الجامد المرتبك وكأنها تهمس له أن يسرع إليها ويضمها، ويذهب إلى صور اخرى كأنه يهرب من ضعفه ليخبرنا أن أوراق العنب تنتظر الربيع لتخلق جمال البستان، يهذي الشاعر عن أهمية الربيع كمصدر الفرح والأضواء والرقص وموسم الطقوس الإنسانية وحتى تلك الطقوس الوثنية، (ليشعل النار في الجبال) أي مقدم الربيع وتمثل هذه الطقوس بهجة وسلام وطمانينة وتكون مواسم للرقص والغناء والتصريح بالحب، هنا كأنه أيضا يرسم في الطبقة السفلى من هذه اللوحة واقعنا الملتهب بالحروب والنيران المفجعة فتشتعل النار في الجبال والوديان وتكون عنصرا تدميريا قاسيا يُهلك الفرح ويؤخر عناقاته مع الحبيبة.

نبيل يمزج ألمه الخاص بالألم الجماعي، وكلنا نحتاج إلى الباص ليس فقط الباص الواقف بين ماريتزا ونهرها بل كل المدن بحاجه إليه ليعمدنا كعشاق جدد وقدامى لنستعيد ذكريات الفرح وليخلق لنا أيضا ذكريات جديدة وقبل ذلك واقعا جديدا طاهرا ونقيا من الحرائق والعذابات المرعبة، ثم يذهب أبعد من ذلك ليروي ليصور :
رجل الثلج الفائز بيانصيب الاولاد
مصلوبا على قمم الألب
يحلم بالذوبان
وبفكرة حمام بخار أبكم
وبامرأة تغني …

هذا المشهد يتسم بجماليات خلاقة وهنا الغموض يزيده رونقا ويجعل كل لقطة متعددة الدلالات، البناء المشهدي جيد وأنيق، رجل الثلج هو القريب إلى الأطفال وهم من يمنحوه القداسة والأهمية ويظل في ذاكرتهم وهم يزينونه ويحتفون به، لكن طرفا ثالثا فعلها أي جريمة الصلب على قمم الألب وقمم جبلية ثلجية اخرى قد تكون في منطقة بلودان الجبلية الدمشقية وفي قمم كثيرة حول العالم الملتهب بحروب وعنف وصلب وحرق، هنا رجل الثلج وربما الشاعر والكثير منا تكون الأمنية الذوبان والغياب، تكون الأمنية الحلم بكل أنواعه، رجل الثلج يريد حماما بخاريا لتنتهي عذابات الصلب والوحدة والنفي في قمة باردة عالية كئيبة، حمام بخاري أبكم لا يناقشه ولا يسأله لماذا تريد الفناء التام ؟
هنا بقصدية أو غير قصدية يسأل الشاعر هذا التمثال الثلجي هذا السؤال وغيره من الأسئلة، يوجهها إليه وإلى كل التماثيل الثلجية المعزولة والمكتئبة وإذا لم يتحقق حلم الذوبان والفناء فعلى الأقل ليتحقق حلم امرأة تغني لكل المصلوبين والمفقودين والمبعدين عن أوطانهم والمنفيين عن وطنهم فكلنا نحتاج إلى تعميدات وبركات مريم وجمال صوت أغاني أنثوية وننتظر الربيع والحافلة لتقلنا إلى بر العناقات مع من نحب ويحبنا.

لنذهب إلى نص آخر ضمن عشر قصائد نشرت في موقع كناية أيضا واخترت هذا النص :ـ
تقول العرافة تَدُسُّ تعويذتها بيدي
لا تتخل عن حقك بالحزن كوردة
بالوحدة كقمر
بالحضور وبالغياب
بالحرية توأم الحب والحياة
لا تمت دون فضول العصافير الشجاعة
لا تكن أرضيّا تماما
كما الارضيّين
حين يقدسون التمام
لا يصدِّقون النبوأت
لا يَصِلون المعنى
يتنهدون نحاسُهُم مترهلٌ
لا يُطلق اللحنَ
كرعشةِ وترٍ
يمتطي لغةً
حبال صوفِيّةٍ
لا يأخذهم تأثير الهشاشةِ
بجنحان كجفنان
يقنعان التفاح باللّاسقوط
وامرأةً
نون نسوتها نهد مقلوب
وإعراب عن ربيع
مرفوعةً بكفين ضارعتين
على ضفتي غيمة
مسكونةً باللغز
أن تفك لغزها.
الشاعر لا يتخلى عن الحلم ويبحث عن منابعه ومصادره وهنا سيلجأ إلى العرافة وكأنها تقرأ ما بدواخله وتترجم هذياناته الداخلية والتي قد يخشى أن يكتبها وكأنه أيضا يشفق على ذاته المعذبة بسبب قبح الواقع، العرافة تنبهه عدم التخلي عن حزنه وهذا الحزن يشبه الوردة بجمالها ودلالاتها العاطفية ليلمسها العشاق، تدعوه ألا يتنازل عن وحدته ولا الحرية وألا يكون أرضيا تماما، الشاعر كائن مخلوق من كل هذا (الحزن، الوحدة، الحضور والغياب والفضول أي البحث والاستكشاف والروح)
الأرضيون يقدسون الوهم والتمائم وكأنه يريد أن يقول ويقدسون الخطب السياسية الرنانة والوعود الكاذبة بالحرية والسلام. و..و..، ما يحدث في هذا العالم المادي فيصبح حتى النحاس مترهلا لا يُطلق اللحن، هنا سنرى براعة التصوير المدهش وفعل متغيرات أحيا والمغايرة بالصفات فالنحاس الصلب يكون مترهلا وحتى اللحن يتمناه الشاعر أن يكون كرعشة وتر، هذا العالم الواقعي المعاش يبتعد عن الحلم ويعيش الكابوس المفزع وفيه الكثير من الألغاز والتشويهات وأي فجيعة أكبر من فضاعة هذه الصورة مثلا :
وامرأةً
نون نسوتها نهد مقلوب.
هذا التصوير السريالي المفجع، هذه اللوحة التي لم يرسمها فنان تشكيلي، ترجمة لخوفه وقلقه، ترجمة لكوابيس ذاتية غامضة بشعة، يخلق نبيل شوفان عرفاته الخاصة لتحكي وتهذي وتحذر وتقول ما يخاف البعض عن قوله وكأنه كذلك تقول ما يخاف الشاعر نفسه أن يقوله أو يهذي به.

أذهب لختام هذه التأملات والتقط هذا المشهد من في ختام قصيدته تيار نجمي:
حبيبتي …
ونفيق في ثاني انحدار
في جدار من شعاع العمر نمضي
نقطع الأيام أسرع من تقاويم الحياة
نغدو عقيقا للضياء
نجمين في حفل الولادة
كوناً بوضح الانفجار
نار تمارس الحب بنار
نغدو عصافير السماء
نغدو نجوما من قمر
نغدو لنغدو ما نشاء.
في معظم نصوص نبيل شوفان ثمة تصريحات داخلية وخلق قوالب وصور ومشاهد متعددة التأويلات والفهم والتلقي وهذه من مميزات الكتابات الشعرية الجديدة وكهذا النموذج يبشر بشاعر يترجم ما بروحه ويحاول أن يخلق نمطه الخاص بصبر وتأني ليطوع لغة الكتابة كنافذة خاصة له وربما لهذا السبب تأخر في النشر.
هنا في النموذج الأخير يدرك الشاعر وكإنسان أنه حان الوقت لمنعطف آخر ودعوة مغامرة خطرة للحياة ولو على جدار ثاني غير جدار الوطن البعيد المحزون بويلات الحرب وأشياء اخرى، يشدد بضرورة ميلاد حلم جديد يستمر وينتعش، لتكون ولادة جديدة له وللحبيبة، (نار تمارس الحب بنار) صورة بديعة بغموضها بلا محدودية معانيها وهكذا سنجد في الكثير من القصائد نماذج مشهدية تشتغل على الميتافور والدلالة وتزج بنا لعالم آخر وفي كل الحالات فنبيل شوفان يسعى إلى الحلم بقوة ويدعو هذا العالم إلى السلام.
لدى نبيل شوفان الموهبة وفهم الخلق الشعري ويمكنه تطويرها والاشتغال عليها أكثر وأكثر وقد يدهشنا بنصوص جديدة قريبا وهذا ما ننتظره.
هامش/
يمكن الاطلاع بشكل أوفى على قصائد الشاعر نبيل شوفان وذلك بتصفح موقع مجلة “كناية” الرقمية الثقافية المستقلة وفق الرابط التالي:
http://www.metonymykinaya.com

نبيل شوفان و حميد عقبي

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦الجمال والروح الحالمة في قصائد نبيل شوفان..⁩”

  1. صورة أفاتار Nabil Shofan
    Nabil Shofan

    كنت سعيدا جدا بما كتبه الكاتب والمخرج السينمائي حميد عقبي في مجلة كناية عن قصائدي المنشورة في مجلة كناية (شكرا لكل العاملين في كناية)، فلقد كتبه بواجب ناقد، وإبداع شاعر، وقارئ غير عادي؛ يستطيع الدخول إلى الأصوات ورؤية المشاهد في القصيدة، وسّعت تأويلاتُه النصوص، ولعل ما نتوقعه من النقد أن تكون النصوص موضوعه، تفكيراً بها وشرحاً نقديا لها وعرضا لصورها، وحميد عقبي مبدع في ذلك، شكرا للاستاذ حميد عقبي

    إعجاب

  2. صورة أفاتار Hamid Oqabi
    Hamid Oqabi

    كل الشكر والتقدير لهذا المنبر الابداعي..محبات
    حميد عقبي

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.