حميد عقبي
“مذكرات ميت” هو عنوان المجموعة القصصية الصادرة قبل أيام عن منشورات كناية للكاتب الكردي إسماعيل هاجاني قام بترجمتها إلى اللغة العربية سامي الحاج. قراءة هذه المجموعة من الفرص الجميلة لنستكشف هذه الروعة الإبداعية الأنيقة. يقودنا القاص اسماعيل هاجاني من الواقع القروي الريفي البسيط ومع شخصيات تبدو في الوهلة الأولى أنها عادية وأقل من تأخذ البطولة ولكن سرعان ما يقذف بنا إلى مشهدية تتجاوز الواقع إلى الأسطوري والميتافيزيقي وقد تعود بنا إلى الماضي وكل هذه الأساليب لعلها من أجل قراءة تحليلية، تأملات للواقع وقراءة مقلقة عميقة لهذا الواقع وطرح أسئلة محرجة وبشفافية.
يبتعد القاص هاجاني عن النظر إلى الشخصيات والأشياء من بروج عاجية ويختار أمكنتة البسيطة، يصورها ليفسح لنا أن نتخيّل وليس فقط تصويرا للرؤية، ففي قصته الأولى (الرجل القصير) سنجده يزج بنا إلى المقبرة في قرية كردية يسودها الخوف والرعب بسبب الأنين الصادر ليلا من المقبرة، “زري” وحدها من تذهب إلى المقبرة وتجلب الماء لأهل القرية الذين توقفت حياتهم اليومية وعاداتهم وحبسوا أنفسهم وأطفالهم، أجواء فنتازيا تم تصويرها بحس تخيلي فني يقودك أن تدخل إلى هذا العالم وتعرف أكثر عن هؤلاء الناس البسطاء والحالمين بالسلام البسيط جدا أي الذهاب إلى الحقول وجلب الماء وزيارة قبور موتاهم وهي من عاداتهم الأصيلة. زري زوجة الرجل القصير وسنعرف حكايته قبل النهاية، لكل مكان رائحته وهندسته التخيلية، ففي هذه القصة مثلا المقبرة ليست مدافن هذا الرجل القصير وغيرها ويوظفها القاص لخلق مسرح الحقيقة المؤلمة، تلطخ زري قبره بالروث ويحكم عليها أهل القرية بالموت لتدنيس هذا القبر أي قبر صاحب القداسة ثم تحكي لهم حقيقته الشيطانية وأن عددا من ابنائهم وبناتهم هم في الحقيقة يعودون إليه ولم تهبهم لهم ملائكة الخير.
تكون نهاية هذه القصة مفجعة ومفتوحة: لم يكن شيخا بل إبليس بعينه، اي لبؤسكم وشقاءكم، اذهبوا وانظروا ماذا أنتم فاعلون لزوجاتكم و (زليخاتكم) وكل أولئك الـ (دراويش). وكأن الكاتب يهمس فينا وأنتم كقراء بماذا ستنهون القصة؟ هل سيحرقون زري ليتخلصوا من العار؟ أم يحرقون قبر الرجل القصير؟
كما أن السؤال من الأسئلة التدميرية المفجعة وصدمة صاعقة ليست بريئة وكأنه يدعونا أن نفكر كم من رجل قصير يعبث بحياتنا وشرفنا وبلادنا ومستقبلنا ويتقنع بأقنعة القداسة أو الوطنية أو..أو..؟
لنذهب إلى القصة الثالثة “مذكرات ميت” وسنشعر بالرجفة بسبب حالة من فوضى الواقع وستأتي الحقائق من قاع قبر مظلم، في هذه القصة يبدع هاجاني وهو يمسك بفكرة الموت من رؤية قروية ريفية بسيطة ويموت بطل القصة الخائف من الموت ويتذوق طعم الموت ويكشف حلوته ولذته، فالموت هنا نافذة إلى الحقيقة وهنا لم يذهب الكاتب ليتحدث من رؤية دينية بل كأنه يسرد تجربة ذاتية واقعية، مع موت البطل فهو يسمع ويرى ويحلل ويشعر فقط هو لا يستطيع التحرك وفعل ردة فعل مما يحدث، يسمع بكاء الأهل والجيران والمعارف ويهمس لنا بحقيقته فهو لم يكن الجميل، الأنيق، الكريم وربما كان خفيف الظل وبسيطا وحسناته ربما قليلة وعادية ورغم ذلك وفي المقبرة هناك من سيمدحه أو يسخر أو سيدعي أنه اقرضه المال،
سيصرخ هذا الميت في هذا وذاك ابن الكلب ولكنهم سيردمون القبر وهنا في هذا العالم السفلي الميتافيزيقي يتفنن القاص ليعود ويحفر في بطن ورأس وقلب الواقع، هذا الميت الجديد سيتحول لنجم ومصدر معرفة وتنهال عليه الأسئلة من عشرات الموتى المتعطشين لمعرفة ماذا يحدث في الأعلى، يقرر أن يكون ماديا وبراجماتيا وكأنه وصية لنا جميعا يوم موتنا أن نفعل كما يحدث في هذه القصة، يقرر الميت أن يجيب على أي سؤال مقابل أخذ حسنة، تقبل الغالبية الاتفاق وهنا سيعود القاص إلى الأعلى لنرى حقيقة مجتمعاتنا وليس مجتمعه وحده، ما يحدث في هذه القصة وهي تشبه سيناريو يتميز بالتشويق واللطف والكوميديا وهي تصلح للمعالجة المسرحية وتصلح كلوحة تشكيلية، حقيقة اسماعيل هاجاني هو يصور ويُطلق صوره والتي تشبه الفوانيس الصينية الطائرة أو فوانيس السماء حيث هي ليست مجرد زينة بل لها تأثير يشبه الرياضة الروحية، لا يتلاعب بنا هاجاني ولا يخدعنا برعب تخيلي زائف، هو يجعل شخصياته البسيطة تفعل وتحكي وتحلم وتسأل وترد وكأنه يتخلى عنها لتقنعنا بمنطقها لتصور لنا ما تراه هي وليس مايراه القاص، كأن القاص يفغر فمه مستغربا لما يحدث وبوده أن يكتم صوت بعض الأسئلة والأجوبة عن الواقع لآنها تصدمه وكأن ما يحدث الآن في قصصه أي أحداث تحدث لا يمكنه قمع شخصية أو اخفاء حدث أو تعديل سؤال أو جواب.
مميزات الكتابة القصصية للقاص الكردي إسماعيل هاجاني لا تتوقف في أنه يمتلك أدوات الكتابة القصصية وفنون كتابة السيناريو ويبدو هذا واضحا في هذه المجموعة وكذلك هو يُمسرح هذه الحكايات وينحت في خيالنا وذاكرتنا كل هذه الاماكن والشخصوص والأكثر روعة هذه اللمسات الإنسانية وفتح بوابة مخيلتنا لنناقش ونفكر في أقدس المقدسات وهو يكشف عوراتنا كبشر وليس فقط قريته وبلدته، ولو اعدنا قراءة القصة الرابعة المعنونة “ميدان الكلاب” وبطل القصة هو زَور الكلب، البطل الذي انقذ القرية من ذئب متوحش وأصبح الناس يسمون ابنائهم باسمه، عيبه الوحيد أنه يكشف اللصوص ويميزهم ويفضحهم ويهاجمهم وهذه الصفة ستجعله مجرما ومنبوذا ويقاد إلى المحكمة وتنتهي القصة بمهاجمة القاضي، لا توجد ثرثرات زائدة ويلامس هاجاني بسخرية وتهكم وبسلاسة وصدق أيضا مشاكل مجتماعتنا ويفضح الزيف والفساد، كمن يضعنا امام حقيقتنا، يعري الواقع وهو يبتسم فهو لا يشتم ولا يلعن، هو فقط يقول يحدث هنا كذا وكذا، وهنا تكمن خطورة مثل هذه الكتابات الفاضحة وتكون النهايات مفتوحة وغير تقريرية ويغيب الكاتب نفسه عن عمد ويتوارئ ليس خوفا من المسؤولية ولكن رغبة أن نشاركة بتخيلنا ونكمل قصته ونختلف في نهاياتها، النهاية الأكثر خطورة والأكثر صعوبة لأي قاص وروائي أو سينمائي، نهايات هاجاني كأنها دعوة تشاركية للتخيل ورغبة منه أن يحملنا بعض المسؤوليات التخيلية.
سنجد في هذه المجموعة الكثير من الأفكار التي تحتاج إلى نقاش ولكن القاص لا يدعي الفلسفة ولا العلم ولا يقدم نفسه كمصلح اجتماعي هو يقدم نماذج من هنا وهناك وشخصيات قد لا تكون ذات أهمية عظمى ففي قصته “الإمضاء الأخضر” مثلا المشكلة بسيطة مجرد قلم أخضر تمتلكه الشخصية وتعده لمهمة الإمضاء منذ خمسة عشر سنة، وعندما تُسند الشخصية على الكرسي الاداري المنتظر والذي يخيل لنا من أجله قد باعت ضميرها وأي شيء لتحصل عليه، يوم أن تحصل عليه وتبدأ بالإمضاء تأتيها الصفعات والتوبيخات بدعوى لا يحق لها التوقيع بهذا اللون، الأبعد والدهشة والإبداع في كتابات إسماعيل هاجاني هو أنه لا يقدم قصصا سهلة وليست معقدة ولكنه كمن يشرب نصف الكأس ويترك لنا النصف الآخر.
الشكر إلى هذا الكاتب الأنيق والداعم للتخيل إسماعيل هاجاني وللمترجم سامي الحاج وإلى منشورات كتاب كناية. “مذكرات ميت” ليست مجرد مجموعة قصصية بل هي رحلة تخيلية باذخة وأنيقة في عوالم متعددة ومدهشة..تستحق القراءة والتشارك التخيلي المدهش.
أضف تعليق