كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

فوتوشوب..


سكيتش قصصي


عواطف محجوب



نظرت إلى السّاعة الحائطيّة وقد أعلنت عن انتصاف اللّيل. لا ضير في مزيد من السّهر، هناك متّسع للنّوم فلا محاضرات صباحيّة ولا دروس في الغد. وانكبّت على حاسوبها متنقّلة بين منصّات التّواصل الاجتماعي. لمعت أيقونة الرّسائل معلنة عن ورود رسالة جديدة، بلهفة فتحتها ولكنها لم تعرف صاحبها. انتقلت مباشرة إلى صفحته الخاصّة. تفحصت صورته وخلفيّتها ثم نزلت تنقّب جداره بتوءدة وانبهار. عينان سوداوان وشعر أشقر وخطوط وجه تكشف عن ملامح لا شرقيّة ولا غربيّة. لم تشعر وهي تقبل إضافته وعادت إلى الرّسائل متشوّقة، وقرأت بلهفة ما أرسله:
– ومـــا بــيــن حـب وحـب.. أُحـبـك أنـــت..
ومــا بــيــن واحـدة ودعــتـني
وواحــدة ســوف تــأتــي..
أُفـــتـــش عــنـــك هــنـــا وهــنـــاك..
كـــأن الـــزمـــان الـــوحــيــد زمــانـــك أنـــتِ..
كــأن جــمــيــع الــوعــود تــصــب بــعــيــنــيــك أنــت*

جميل هذا الشّعور المستجدّ بداخلها كأنّ ملايين من أزهار شجر اللّوز تتفتّح في عروقها ومسامها وهي تقرأ كلماته العذبة. حلّقت بعيدا في فضاء أخّاذ لا حدود للمشاعر فيه. وردّت عليه قائلة:
– أجمل حب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر.*
أجاب من الجهة الأخرى مصمّما:
– لا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب، ولا خير في قلب يخفق بغير حب.*
خفق القلب وعزمت على التعرّف إليه والاقتراب من عالمه أكثر. كتبت متسائلة:
– قالت الكبرى أتعرفن الفتى؟*
-أنا يوسف.
-وأنا راوية.

استرسلا في دردشة محمومة مشدودة بالاختلاف غنيّة بالتّلاوين، التقى الشرق والغرب واختفت كلّ الحدود وألقيت الشّباك بعيدا عبر مدى الإبحار الافتراضي. أبهرتها طلاقة لسانه وشدّها بلهجته السّاحرة عالجها بكل صروف شعر الغزل والمديح حتى سقطت في لجّته وآمنت به محبّا فبادلته الإعجاب بالإعجاب تغيّر لون اللّيل وأصبح ورديا شفّافا ورفرفت الملائكة المجنّحة حولها وتفتّحت الورود رغم قساوة الشّتاء. لأول مرّة يراودها هذا الإحساس. إنّه لأمر جميل أن يقاسمك شخص شعورا فريدا يخرجك من طوع الوحدة ومشاقّ الدّراسة إلى عالم حالم شفّاف رقيق المعالم.
توالت صوره الجميلة ترد إلى صندوق رسائلها ومع كلّ صورة كانت تفقد سيطرتها ويسبح عقلها بعيدا آخذا إدراكها بما حولها. هامت مع أحاسيسها وتواتر حوار التّهاسيس بينهما هياما.
– متى أرى القمر فينير ليلتي الظلماء هذه؟
– آسفة لا استطيع ؟
– ممَّ تخافين؟ ألا تثقين بي؟ أنت لي فلا تضعي أيّ حاجز بيننا!
– أخي يراقب حسابي، سيقتلني؟
-بإمكانك محو كلّ شيء بضغطة زرّ، هيّا أرسليها؟
بتردّد جهّزت صورتها للإرسال، كانت ستغيّر رأيها لكنّها أرسلتها مخافة أن تفقده وتأكدّت من وصولها إليه.
-أتسخرين مني؟
-ماذا حدث؟
-أهذه تسمّى صورة، أكاد لا أتبيّن فيها وجهك!
-أنت تعرف أنّني محجّبة وأهلي عائلة محافظة وأبي شيخ حافظ للقرآن!
-هذا لا يهمّني، أنت لي ووجب أن تسمعي كلامي سترسلين لي صورا بدون أيّ غطاء !
-لكن…..
-لا تعترضي وإلاّ سأذهب لن أضيّع وقتي بمجرد أنّك لا تثقين بي!
راعها غضبه فحاولت تهدئته لكنّه أصرّ وهدّدها بالحظر إن تمنّعت أكثر. خافت مغبّة فقده كيف لا وقد أحبّه القلب وسكن شغافه وهفت الرّوح إليه من أوّل نظرة إلى صوره، لن تحتمل ذلك الوجع سيسحب روحها معه إن ذهب.
فتحت ذاكرة الحاسوب الملآى بملفّات الصّور لمناسبات شتّى استعرضتها كلّها ثمّ اختارت أجملها وأكثرها خصوصيّة، هذه بحفل نجاحها والأخرى بعيد ميلاد صديقتها وصور أخرى لجلسات جمعتها برفيقات الدّرب وبعض نساء العائلة خلّدت لحظات رائقة تبدو فيها جميلة مشرقة مكشوفة، فلا داعي للحجاب في خلوات النّساء. تأمّلتها لمرّة أخيرة ثمّ أرسلتها رغم خوفها الدفين .
-واااااو! أنت أجمل ممّا تخيّلت. يحقّ للقمر أن يحسدك!
أجابته برمز الابتسامة الخجلة التّى تغطّي وجها أصفرا
-أهذه العائلة؟
-نعم، أمّي وأختي وصديقاتي وبعض القريبات
-كلّكن جميلات!
-شكرا لذوقك…
-أنت كلّ الذّوق يا نور عيني!
غمرها شعور بالرضا فهاهو قد أُعجب بها ويحبّ سمرتها وشعرها الأسود. ستفتخر به أمام صديقاتها غدا فلطالما سخرن منها ونعتنها بالعانس السّمراء، ستحرق قلوبهنّ حين يشاهدن صوره بشعره الأشقر وعيونه الواسعة إنّه سيّد الرّجال حتما سيحسدنها عليه.
قال لها:
-سأعود بعد قليل لا تغادري الفيسبوك
-سأنتظرك لعمر كامل
اتّكأت حالمة، فرغبت في سماع أغان رقيقة رومنسية احتفاء بحالة الحبّ الطّارق. لطالما نعتت الذّين يسمعونها بالكائنات الرّخوة. بحثت عن أجملها وشغّلتها واستلقت تنتظر عودته لإكمال الدّردشة والسّاعة الحائطيّة تعلن عن حلول السّاعة الثّانية، فالثّالثة بعد منتصف الليل وهي لا تنام. لن تخذله ستنتظره دوما حتى يأتي.
لمعت أيقونة صندوق الرسائل، قامت جذلة، ها قد أتى. رقص قلبها طربا وأقبلت تستقبل رسالته وقد شغفها حبّا.
-القلب يهفو إليك، أبطأتُ يا منية الروح، آسف!
-لا بأس بذلك سأنتظرك كل العمر!
ردّ عليها بابتسامة الوجه الأصفر ثم كتب إليها:
-أفكّر في مفاتحة عائلتك بموضوع ارتباطنا دلّيني على صفحاتهم هنا لنتحدّث أوّلا ونتّفق على موعد للقاء تعارف أوّلي.
طارت من الفرح، ففارس الأحلام سيركب حصانه ويأتي إليها قريبا، كذب من قال إنّه لا يوجد حبّ إلاّ بالكتب والأفلام. أرسلت إليه روابط صفحات والدها وأخيها. ثمّ ودّعها على حلم الزّواج. فنامت قريرة تحضن وسادتها.
أفاقت على رنين الهاتف، ما بالهم يتّصلون باكرا وليس لديها دروس هذا الصّباح. بجفون مثقلة ردّت، وعلى الطّرف الآخر من الهاتف صديقتها تصيح فيها لتفتح حسابها الفيسبوكي.
-هيّا قبل أن يفتح أحد من عائلتك!
-ماذا هناك؟
انقطعت المكالمة فقفزت نحو حاسوبها تشغّله وفتحت حسابها على موقع التواصل الاجتماعيّ الفيسبوك. نظرت إلى الصّور المعدّلة التّى تغزو صفحتها وصفحات أفراد العائلة، صرخت بهلع وحاولت مسحها لكنها لم تقدر على ذلك، صاحت لعجزها وبكت بشدّة وهي تتأمل صورها المركّبة على صور أخرى فاضحة، إنّها لفضيحة، كيف تمسحها وأين تداري نفسها الآن ؟
وصلتها رسالة منه مخاطبا إيّاها:
-أأعجبك الشايّ حبيبتي؟
اشتعلت نار غضبها وردّت بغيظ
-أيّها الوغد!
وصرّت على أسنانها حقدا وكرها
طرقات مجنونة توالت على باب غرفتها الموصد ونداءات تهديد ووعيد هزّت كيانها:
-أيّتها الفاجرة افتحي!

-القتل أرحم لك!

-سأذبحك كالشّاة!

على عجل غطّت رأسها و أسرعت تقفز من النّافذة. جرت بلا هوادة حتى بلغت الشّارع الكبير وذابت في الزحام بلا مصير.


هوامش/
*مقولة لنزار قباني
*مقولة لأحلام مستغانمي
*مقولة لمصطفى لطفي المنفلوطي
*شعر لعمر بن أبي ربيعة

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.