عبد الجليل حمودي
إن السجن في فلم “الخلاص من شاوشانك” لم يكن مجرد مكان يحتوي أشخاصًا خرقت قانون المجتمع فوُضعت هناك عقابا لها على ما اقترفت وتأهيلًا لها لإعادة إدماجها في المجتمع من جديد بل أضحى عالما بأسره يوازي العالم العادي الذي يعيشه الإنسان متفاعلًا في ذلك مع مكوناته من زمان ومكان خاصة.
إن الشخصيات التي تمثل الإنسان داخل سجن “شاوشانك” لها من الخصائص التي تجعلها تتميز عن غيرها خارجه فهي تتفاعل فيما بينها تفاعلًا مخصوصًا كما إنها تؤمن بقيم ومبادئ قد تؤثث العالم الخارجي إلا أن لها من الفوارق ما يجعلها قيما خاصة بعالم “شاوشانك”. ومن بديهي الأمور أن نعتبر أنّ دراسة الشخصيات في أيّ فلم تعتبر أحد المفاتيح المهمة في فتح مغالقه والمساعدة على فهمه وتحليله وتأويله ونقده، غير أن ذلك يبقى قاصرا ما لم ينظر ناقده في علاقة أحوال الشخصيات وأقوالها وأفعالها وهي تتحيز في الزمان والمكان. وقد يجنح الكثير من الأفلام إلى الانعتاق من الزمان و المكان العاديين في سينما الخيال العلمي مثلًا فنجدها منشئة لمكان وزمان خاصّين بها. وبذلك يؤكد استحالة اندثار هذين المكونين من السينما الموغلة في محاولة الانعتاق من الواقع فما بالك بالسينما التي توصف ب(الواقعية) فهي تسمح لنفسها إيهام مشاهدها بأنها من الواقع نحتت وإليه تعود ناقدةً أو محللة أو محاولةً لتغيير صوره.
ولقد أجمع العديد من النقاد أن السينما هي فن الزمان والمكان بامتياز لذلك فإنّ أية رؤية تحليلة يجب أن تعرج على هذين المكوّنين ولئن تجد هذه الدراسة نفسها مجبرة على تحليل مكونات عالم “شاوشانك” منفصلة عن بعضها البعض فإنها واعية أن ذلك الانفصال ماهو إلا إجراء فرضته أدوات التحليل إذ لا يمكن تحليل أفعال الشخصيات والأحداث المرتبطة بها خارج إطار مكان ينفعل بها ويؤثر فيها. إن الكثير من الأحداث توجد بصفة معينة دون غيرها لأنها وقعت في ذلك المكان دون غيره كما لا يمكن أن نحلل حدثا منفلتا من لحظته الزمانية. ألا يكون الليل مثلا محددا لنوعية حدث ما إن وقع نهارا فإنه سيكون بشكل آخر وبرؤية مغايرة. إننا في هذه الدراسة سنفصل بين تحليل مكونات عالم “شاوشانك” من جهة ولن نهمل دراستها في تفاعلها مع بعضها البعض لنؤكد ارتباط شخصيات الفلم الوثيق بالمكان والزمان الذين انعتقا من وظيفتيهما التأطيرية للأحداث ليضحيا فاعلين فيها متأثرين بها.
*الشخصيات: المميزات..سبل الجدليّ مع المكان والزمان*
تنقسم أفلام السجون وخاصة تلك التي تعتمد على حدث الهروب حدثا رئيسا فيها إلى نوعين: نوع أول يرتكز على مجموعة من الشخصيات قد يترأسها أحدهم فيخططون جماعةً على الهروب ونوع ثانٍ يقوم على شخصية واحدة تتولى لوحدها مهمة التخطيط والتنفيذ في آنٍ. إن “الخلاص من شاوشانك” فلم من النوع الثاني إذ انبنى على شخصية “آندي” تدور حولها الأحداث وتتحدد بقية الشخصيات بالقرب أو البعد عنها والصداقة أو العداوة معها. إنها الشخصية التي تشد أواصر الحدث الدرامي فحادثة القتل مرتبطة بالأساس باتهام “آندي” بها وهو ما انجرت عنها أحداث أخرى أنجزتها تلك الشخصية أو أثّرت فيها تتشابك جميعها لتبرزها متميزة عن بقية الشخصيات.
تلوح شخصية “آندي” منذ افتتاح الفلم شخصية هادئة. حتى المشهد الذي تظهر فيه في السيارة تعدّ الرصاصات في المسدس فإنها رغم الاضطراب الواضح في يديها وعلى ملامح وجهها فإنها بقيت تحمل سمات الهدوء. هدوء رافق “آندي” أيضا في قاعة المحكمة فرغم استفزاز المدّعي العام له ومحاولة جعله يعترف بما لم يقترفه متوسلاً كل أساليب الضغط النفسي والحجج المنطقية والواقعية فإن “آندي” استمر في هدوئه يجيب عن الأسئلة بما يراه مناسباً للواقع ولحالته. وبذلك فإننا يمكن أن نحكم على “آندي” منذ البداية بأنه شخصية متّزنة تدرك ما تفعله لا تهزها المواقف رغم صعوبتها وشراستها فهو متهم بالقتل ظلما ومحكوم عليه بالسجن المؤبد لكننا لم نشاهده ينهار لحظة من لحظات الفلم.
ومما عمّق صفة الهدوء فيه ملامحه الطفولية التي تحمل في طياتها براءة ما جعلته باردًا لا ينفعل بسرعة حتى قال عليه صديقه “ريد” “بدا وكأنّ أية نسمة قوية قد تعصف به”.
تنضاف إلى صفة الهدوء عند “آندي” صفة الكتمان إنه شخص كتوم لا تظهر مواقفه صريحة معلنة يتعرف إليها الآخرون بسهولة. يطلب الأمر من صديقه “ريد” لكنه يخفي عليه الهدف من ذلك فلا أحد يعرف ماذا سيفعل بالمطرقة أو بصورة “ريتا هايورث”. لا “ريد” خمن التخمين السليم في ذلك ولا المشاهد استعدّ لأن يكون تينك الشيئان وسيلةً فعالةً من وسائل الهروب. المطرقة أصغر من أن تكون أداة لحفر الخنادق. والصورة لا شيء فيها يدل على الهروب وحتى الحبل الذي طلبه من أحد الأصدقاء في آخر الفلم جعل الجميع يتخيل أن “آندي” مشنوق فيه فهذا “ريد” لم ينم ليلتها منشغلا على مصير “آندي”.
إنه الكتمان. وسيلة لتحقيق الذات أهدافها بنفسها لقد ساعدت هذه الميزة “آندي” على الهروب. هو يعلم جيدًا أن عالم السجن كله آذان تسترق الأخبار وأفواه تنقلها بسرعة فينتشر الخبر وتفشل الخطة. هذه الخطة التي ترتكز أساسا على عنصر المفاجأة وهو ما تم حقيقة في الفلم. فكل الشخصيات تفاجأت بهروب “آندي” فبدأ البحث عنه بعد أن استطاع الخلاص من سجن “شاوشانك”.
كما إن المشاهد المتتبع لنمو شخصية “آندي” في الفلم سيلحظ صفاتٍ أخرى تطفو من حين إلى آخر إلى سطح الشخصية فتنجلي واضحة له من ذلك مثلاً الحذر الشديد الذي يمارسه “آندي” في أقواله وأفعاله كل خطواته موزونة وكل كلمة في مكانها مرة واحدةً استعاض عن هذه الصفة وهو المشهد الذي دخلت فيه الشخصية في حالة من التجلي مع الموسيقى المنبعثة بل إن “آندي” لم يكتف بسماع الموسيقى لوحده وإنما جعل كل المسجونين يستمعون إليه في حالة من الذهول والفرح عندها تخلى “آندي” عن صفة الحذر لأن مثل هذا الفعل سيؤدي به إلى السجن الانفرادي. وإذا حاولنا أن نفهم سبب ذلك أدركنا أن “آندي” وصل درجة من الاختناق النفسي جعلته ينفجر فنًّا وحبًّا للحياة.
وإذا تخلى المرء عن الحذر فإنه يتصف بصفتي الشجاعة و التحدي وهما صفتان تأصلتا في “آندي” عبر كل المراحل المشهدية في الفلم. وإلى جانب إسماع الموسيقى للسجناء باعتباره فعلاً شجاعًا يتحدى به “آندي” كل السلطة السجنية فإنه قام على الأقل بثلاثة أفعال أخرى تبين اتصافه بصفتي الشجاعة والتحدي.أول هذه الأفعال هو عدم انصياعه للرغبات الجنسية لزعيم عصابة “الأخوات” رغم قسوة التعامل معه. صحيح أنه لم ينتصر في كل جولات المعارك التي خاضها مع أفراد العصابة إلا أنه لم يستسلم لنزواتهم الشذوذية وبقي عصيا على النيل منهم أما ثاني الأفعال الشجاعة والتحدي فهو مواجهة آمر السجن” هادلي” عندما فاجأه فوق سطح المعمل الذي يقوم “آندي” بطلائه صحبة أصدقائه بمادة القطران إذ إنّ هذا الفعل كاد يودي به ساقطا من على السطح لما أحس ذلك الآمر بأن “آندي” تهجم عليه. إن “آندي” حينئذ قام باقتراح تصفية ضرائب الآمر وهي مخاطرة في حد ذاتها لأن أي بوادر فشل في مهمته تؤدي به حتمًا إلى الحتف.
أما الفعل الثالث الجنيس للفعلين السابقين فهو عندما واجه “آندي” مدير السجن لما رفض أن يسهل له البحث التحقيقي في قضية مقتل زوجته من جديد فخاطبه ندًا لندّ طالبا منه التسريع في الإجراءات القانونية متهما إيّاه بتعطيل مسار العدالة وعوقب “آندي” مقابل شجاعته تلك بشهر كامل قضاه في الحبس الانفرادي. هذه هي الصفات الأبرز التي تحلى بها “آندي” من هدوء وكتمان وشجاعة كان تأثيرها على ذاته فنتائجها تعود على شخصيته بالأساس سواء كان الأمر إيجابًا بنجاح “آندي” في الهروب من السجن أو سلبًا بعقابه في الحبس الانفرادي لما يريد تحدي السلطة السجنية ومواجهتها إلا أن المشاهد يلحظ صفات أخرى يختص بها “آندي” لها تأثير في الشخصيات المحيطة به ولعل أبرزها شخصية الكرم وحبه للآخرين وإيثاره على نفسه مما ولّد في الفلم علاقة صداقة جمعت بين هذه الشخصية الرئيسية والكثير من بقية الشخصيات. وأثار الكثير من نقاد هذا الفلم إلى أن علاقة الصداقة بين “آندي” و “ريد” هي من بين العلاقات الخالدة في تاريخ السينما.
يحتاج أيّ امرئ في مجتمع السجن إلى أناس حوله يواسونه ويدافعون عنه ويخفّفون عنه همومه لذلك لجأ “آندي” بطبعه الهادئ واتزان شخصيته إلى تكوين علاقة صداقة متينة في السجن ولعل الصداقة الأولى والأكثر عمقا وحميميةً كما أشرنا إلى ذلك سابقا هي التي كونها مع “ريد” السجين الأقدم من “آندي” والمعروف بتهريب الأشياء من السجن وإليه. انبنت الصداقة بينهما في البداية على المصلحة.”آندي” يروم الاستفادة من خبرة “ريد” في تهريب الأشياء إلى السجن و “ريد” سيكون رابحا من جراء تلك الصفقة. لكن سرعان ما تطورت علاقة الصفقة إلى صداقة حقيقية ولعل كرم “آندي” ساهم في ذلك إذ لمّا عرض على آمر السجن استعداده لترتيب ضرائبه كان المقابل قوارير خمر لأصدقائه كل يوم هكذا تمتّنت العلاقة بين مجموعة من المساجين. وبدا “آندي” شخصا أثيرا عندهم فهو صاحب الفضل عليهم ثم تطورت العلاقة بتبادل الهدايا بينهم جميعا إذ هب أفراد المجموعة إلى البحث عن الحجارة المخصوصة التي ينقشها “آندي” في شكل قطع شطرنجية وعندما خرج من السجن الانفرادي هبوا يمنحونه تلك الهدايا بل إنّ “ريد” رغب في إسعاد صديقه أكثر بأن هرّب له صورة كبيرة ل “ريتا هايورث” إكرامًا له وتقديرًا على كرمه معه وكل المجموعة. وفي إحدى الحوارات بينهما أسرّ “ريد” بأنه كان عازفا قديما على آلة “الهارمونيكا” فما كان من “آندي” إلا إهداءه إياها في مشهد لاحق.
وإذا قام المُشاهد بدور الكاميرا ونظر إلى السجن نظرة شاملة فإنه من السهل عليه أن يقسم الشخصيات داخله إلى قسمين وفق المهنة والأخلاق. الأول يضم السجانين الذين يشتركون جميعهم في الغلظة والشدة ينتمون إلى عالم الشر ولن تجد لهم فعلًا يخفف عنهم حدة موقفك منهم أما القسم الثاني فيضم المسجونين وباستثناء “عصابة الأخوات” التي بدت كأنها محاولةٌ لتذكير المشاهد دائما أن في السجن هنالك أشرارا مجرمين حتى لا يكون مكانًا للتنزه واحتواء المظلومين لأن الانطباع المعاكس عند المشاهد نلمسه من خلال بقية المسجونين فالكل حسب اعتقاده مظلوم ودخولهم إلى السجن كان إما خطأً في تقدير المحكمة أو تلاعبًا من طرف المحامي. ثم إن تصرفهم داخل أسوار السجن لا يستشف منه المشاهد أي فعل يدل على إجرامهم. إنهم لطفاء بينهم رحماء متعاونون بل إن “بروكس” إحدى الشخصيات البارزة في الفلم بلغت به إنسانيته إلى الاعتناء بالحيوان والرفق به. انتشل فرخ غرابٍ وطفق يغذيه من طعامه وعندما جاء الأمر بالإفراج عنه أطلق سراحه خوفًا من عدم قدرته على الاعتناء به خارج السجن. إنها الإنسانية في أبهى مظاهرها في مكان عدوٍّ للإنسانية. مفارقةٌ تعمق ذهول المشاهد وتزيد من نجاح الفلم. هكذا بنيت شخصيات المسجونين لنتعاطف معها. فالمُشاهد لا يعرف أيّة جريمة ارتكبت من طرف أيّة شخصية إلا جريمة “آندي” التي ليس من الضروري أنه ارتكبها في بداية الفلم ليكتشف المُشاهد في نهايته أن “آندي” بريء مما أَفِكَتْ به المحكمة لتصبح مسألة براءة “آندي” عرضية حتى قبل اكتشافها لأن ملامح شخصيته قبل البراءة وأفعاله اضطرت المُشاهد أن يتعاطف معه فانتقلت كلمة “بريء” من السياق القانوني إلى السياق الفني الذي ينفتح على السياق الأخلاقي في بعده الإنساني بشكل عام. ويبقى السؤال هل أفقد فلم “الخلاص من شاوشانك” “التطهير” وظيفةً تقليديةً للفن أهميتها؟ يبقى السؤال معلقًا إلى حين اكتمال الفلم واكتشاف مدى براءة “آندي” القانونية واستعداد المشرفين على السجن على التلاعب بالقانون وتجاوزها من أجل مصالحهم الشخصية الضيقة. ليصبح من يفترض أنه يمثّل الخير هو الشر المحض ومن وُضع في ذلك المكان(السجن) ليتطهر كان أكثر طهارة من واضعيه.
*الزمان..العداوة..اختلاف الرؤى*
يستمد الزمان أهميته في السينما باعتباره أسًّا لا يمكن الاستغناء عنه في البنية الجمالية للفلم والوظيفة الفعالة له كما يتميز الزمان باعتياص مفهومه وغموضه العميق أمام كل محاولة لتعريفه. ولعل القديس أوغسطين كان مصيبًا عندما أشار إلى صعوبة تحديد مفهوم واضح للزمان بقوله «إذا لم يطرح عليّ أحد هذا السؤال (ما هو الزمان) فإني أعرف ما الزمان ولكن بمجرد ما يطرح عليّ السؤال وأفكر في الإجابة عنه أشعر بأنني لا أعرف الإجابة» وهكذا فإنه من أعقد المفاهيم على التعريف والتفسير لأنه ببساطة معطى يشعر به الإنسان ولكنه لا يستطيع تحديد ماهيته.
إن دراسة الزمان في السينما يمكن أن تنحو أنحاءً متعددة وأبرزها دراسة الزمان في ذاته من حيث ضمه لتقنيات تحدد مسار الأحداث وفقا للعلاقة مع نمط سير الحكاية داخل الفلم كأن يُدرس توسّل المخرج بالخلاصة والاستراحة والحذف ليتلاعب بالزمان ويمسك بتلابيب الأحداث لغايات جمالية فنية كالتشويق مثلًا أو يوظفه في ترتيب الأحداث وتبويبها.
هذا التوجه التحليلي قد يُعين المحلل للفلم السينمائي على فهم الفلم إلا أنه يبقى تناولا شكليا لا يتعمق في المسار الدلالي له. لهذا فإن هذه الدراسة تغض الطرف عن دراسة الزمان في حد ذاته رغم اقتناعها بأهمية التحليل الشكلاني للزمان داخل الفلم لتنظر في الزمان بصفته مكونا رئيسًا في الفلم يتشاكل مع المكان والشخصيات في إنتاج حكاية الفلم ورؤيته الجمالية ودلالته الفنية.
إنه من الواضح أن الزمان تجاوز مهمة تأطير الأحداث في فلم “الخلاص من شاوشانك” فهو إلى جانب تحديد الأحداث وحدّها في جانبيها الدياكروني والسانكروني فإنّ له وظيفة طريفة في هذا الفلم بالذات بما أنه ينتمي إلى عالم السجن. وعالم السجن له زمانه الخاص به الذي يتفاعل جدليا مع الشخصيات في مستوييْ التأثير والتأثر فكما أن الزمان يؤثر في الشخصية السينمائية ويجعلها تنفعل به في أقنوماته الثلاثة أحوالًا كانت أو أقوالًا أو أفعالًا فإنه يتأثر بها عبر الطول والقصر والثقل والخفة والمصاحبة والعداء. إن الزمان داخل السجن يتخذ هوية بعيدًا عن الزمان خارجه فهو ليس الزمان الذي تعوّد عليه الإنسان فآلفه. إنه يمر عليه ثقيلا بطيئا لما يعيشه السجين من روتين يومي فكل يوم يشبه ما سبقه مثلما قال “ريد”: “حياة السجين بها روتين … وبعد ذلك روتين أكثر” مما يضطر إلى عدّ الزمان ساعةً ساعةً ودقيقةً دقيقةً. ويعود ذلك إلى الانعزال عن العالم الخارجي فالشخصية داخل عالم السجن تدرك ذلك جيدا بل تحس بالفرق بين العالمين في الزمان لذلك كان لابد لها أن تخلق حيلًا تساعدها على ملء أوقاتها بأية أنشطة كالقراءة مثلًا فكانت “مكتبة بروكس” داخل سجن “شاوشانك” إحداها تحاول من خلالها الشخصيات أن تتغلب على الزمان ومثّل “آندي” بأفكاره المتجددة دفعًا لتنويع تلك الأنشطة داخل المكتبة بأن جعلها مكانا للمطالعة وللدراسة أيضا فتخلّص التعامل مع المكتبة من النظرة التقليدية.
ويلتجئ السجين إلى ممارسة هوايته المفضلة إن أمكن له ذلك قتلًا للزمان ومغالبةً له وهو ما فعله “آندي” بالضبط حين بدأ يمارس نحت الأحجار على شكل قطع من الشطرنج. وتمثل الصداقة قيمة فضلى في القضاء على الزمان ومجابهته فبفضلها يستطيع السجين أن يؤثث حوارات مع أصدقائه ويبلور نقاشات تساعد الجميع في ذلك. والمثال الأبرز على ذلك في الفلم هو الصداقة بين “ريد” و”آندي” وبقية المجموعة.
ما يلفت نظر المشاهد في هذا الفلم هو أنه يكاد يكون لكل شخصية من شخصياته زمانٌ خاص بها تتعامل معه وتتفاعل. ولفهم ذلك نلمع إلى الحوار الدائر بين “ريد” ورئيس لجنة التحقيق المشرفة على إمكانية الإعفاء والحد من سنوات السجن. يقول رئيس اللجنة «الأوراق تقول أنك قضيت ثلاثين سنة من حكم السجن مدى الحياة. فهل تشعر أنه تم تأهيلك؟ » فيجيب “ريد” «نعم يا سيدي بلا شك أستطيع القول بصدق أني صرت رجلاً آخر لم أعد خطرا على المجتمع بعد الآن. هذه هي الحقيقة الإلهية الصادقة. تم تأهيلي بلا ريب» بالرغم من ذلك تقرر اللجنة إبقاءه في السجن. إن المؤكد فن هذا الحوار المكثف أن رؤية “ريد” للزمان تخالف رؤية اللجنة فهو يرى أن الزمان استطاع أن يغير من شخصيته بينما ترى اللجنة عكس ذلك. وقد يكون زمانٌ ما عاديا بالنسبة إلى شخصيات داخل السجن بينما يظهر قاسيا على شخصيات أخرى فالليلة الأولى عند دخول السجن تبدو الأكثر قساوة. تلك الليلة إذن يعيشها السجين الجديد بقساوتها بينما يراها السجين القديم عادية. يقول “ريد” «الليلة الأولى هي الأقسى لا شك في ذلك يصيرونك عاريا كما ولدتك أمك وعندما يضعونك في تلك الزنزانة وتغلق تلك القضبان عليك عندها تدرك الواقع .. الحياة القديمة ذهبت في طرفة عين لا يترك لك شيء سوى التفكير في العالم طوال الوقت. أكثر السجناء الجدد يكاد يجن في الليلة الأولى. أحدهم ينهار من البكاء هذا يحدث كل مرة. السؤال الوحيد هو من سيكون ذلك الشخص » كما نجده يعلّق في مكان آخر على الزمان حين هرب “آندي” “تلك كانت أطول ليلة قضيتها في حياتي” هذه الليلة الطويلة التي يتحدث عنها “ريد” قد تكون عادية عند شخصية أخرى. فهكذا إذن لكل شخصية زمان لأن الزمان معطى نفسيّ لا يتحدد بالساعة والدقيقة والثانية وإنما يكون متأثرا بنفسية الشخصية. ضف إلى كل هذا أننا يمكن أن ندرس علاقة الزمان بالشخصيات في مستويين آخرين على الأقل هما التأريخ فتأريخ الأحداث تنزيل لها في زمان معين ومستوى المدة فمدة الحدث هي قياس زماني يحيل المشاهد إلى خصائص الشخصية وإنفعالاتها.
*مستوى التأريخ:*
تحتل الصورة مركز الاهتمام في السينما فهي هويتها والدالة عليها وكما تعتبر الريشة عند الرسام وسيلته الفنية فإن الكاميرا هي وسيلة المخرج السينمائي فلقد بدأت السينما صامتة لا تعبير لها غير صورها ثم بدأ النطق بها يأخذ مكانه أساسا للبناء الدرامي للفلم عن طريق الحوار هكذا كان الحوار عضدًا للصورة في السينما ثم بدأ السرد يوظف فيها من حين إلى آخر إذ نجد الكثير من الأفلام تستعين براوٍ يسرد أحداثها ولعل هذه التقنية توسل بها فلم “الخلاص من شاوشانك” فتولت شخصية “ريد” وظيفة السرد وأصبح الحكي يعاضد الصورة والحوار في هذا الفلم ولا يقل عنهما أهمية لذلك نجد التأريخ الذي نروم تحليله يكون على لسان شخصية الراوي “ريد”. إنه من حين إلى آخر يذكر المُشاهد بتاريخ معين تحدد فيه سنوات الأحداث وهذه أهم التواريخ التي حددها “ريد” في سرده لأحداث الفلم أو التعليق عليها.
-عندما أتاني “آندي دوفرين” سنة 1949 وطلب مني تهريب “ريتا هايوورث” إلى السجن قلت له لا توجد مشكلة
-“آندي” أتى إلى السجن في بدايات سنة 1947 لقتله زوجته وعشيقها “
-“في ربيع سنة 1949 قررت السلطات أن تطلي سقف مصنع لوحات أرقام السيارات بالقطران”
-“تومي ويليامز” أتى إلى السجن عام 1965″
-“بحلول سنة 1966 بالضبط كان تومي يستعد لأداء امتحاناته”
-في عام 1966 هرب “آندي دوفرين”
ما نلاحظه أن كل هذه التواريخ كانت على لسان سارد الأحداث في الفلم “ريد” كما أنها حرصت على إيراد سنة الحدث بدقة. لكن وردت تواريخ أخرى ذكرتها شخصيات الفلم “فبروكس” مثلا (أمين المكتبة) قال في إشارة إلى مجيئه إلى السجن “جئت إلى السجن سنة 1905 وعينوني أمين المكتبة سنة 1912” كما وجبت الإشارة إلى أن التأريخ إلى الأحداث لم يلتزم بالتدقيق السنوي فقط وإنما تجاوز ذلك إلى التدقيق اليومي والساعاتي فمثلًا عندما تحدث “ريد” عن أصدقائه العاملين على سطح مصنع لوحات السيارات قال “يجلسون صفًا واحدًا في العاشرة صباحًا يشربون البيرة المثلجة مجاملة للنقيب القاسي”. كما أننا نجد “ريد” يؤرخ في مشهد آخر من الفلم بالإشارة إلى السنة التي قتل فيها “كندي” دون ذكرها بشكل خاصّ والمعروف أنها سنة 1963 إذ قال «في العام الذي قتل فيه “كندي” حوّل “آندي” مخزنا كانت تفوح منه رائحة زيت التربنتين مكتبة بروكس هاتلن التذكارية إلى أفضل مكتبة في سجون إقليم نيو انغلاند»
إضافة إلى كل ذلك فإن المُشاهد يتفطن إلى أن الزمان يحضر في فلم “الخلاص من شاوشانك” بصفة تلميحية يدعوه فيها إلى إعمال عقله ويمتحن مدى فطنته في متابعة الأحداث في دقتها وتنزيلها في زمانها الخارجي القابع خارج العملية الفنية بأسرها فمن ذلك مثلًا نجد ذكرًا لثلاث ممثلات اشتهرن في السينما الأمريكية وهنَّ “ريتا
هيوارث” و “مارلين مونرو” و “راكيل ولش”. كل واحدة منهنَّ سيطرت على المشهد السينمائي بأضواء الشهرة التي يمنحها هوليود لنجماته في فترة تاريخية معيَّنة فالمعروف أن “ريتا هيوارث”سطع نجمها في الأربعينات من القرن الماضي وبداية الخمسينات أما “مارلين مونرو” فقد سلبت عقول المتابعين للسينما من أواسط الخمسينات إلى بداية الستينات وأما “راكيل ولش” فكانت النجمة المسيطرة على هوليود منذ منتصف الستينات. وهكذا فإن الأحداث في الفلم التي توافق صورة إحدى الفنانات المعلقة في الزنزانة الخاصة ب”آندي دوفرين” تكون في تلك الفترة الزمانية التي يلمع فيها نجم تلك الفنانة.
من خلال ما تقدم نستنتج أن فلم “الخلاص من شاوشانك” اهتم بتأريخ الكثير من اللحظات وتحييزها في الزمان الواقعي وقد سيطر على ذلك سارد الأحداث “ريد” الذي لا ننسى أنه الشخصة الثانية في الفلم. ويبقى السؤال عن علّيّة هذا الاهتمام بالزمان وغايته.
من المؤكد أن سرد “ريد” لأحداث الفلم كان سردًا ما بعديًا إذ إن زمن السرد لاحق لزمن الأحداث رغم أن السارد يوهمنا بالتوازي بين الزمنين. ومادامت اللاحقية هي الصفة الأساسية لزمن السرد فإن “ريد” من خلال إيراده تلك التواريخ بدقة يبين قدرته الذهنية على التذكر مستعرضا موهبته في إظهار أحداث سابقة مؤكدًا للمشاهد أن الأحداث المسرودة قد وقعت حقا وإنها مازالت تمثل حيٍّزًا واضحًا في ذهن “ريد” كما إنه يشد انتباه المشاهد إلى الفلم مسهّلًا عليه متابعة أحداثه في تسلسلها بتبويبها حسب الزمان الواقعي ولم نجد في تأريخ “ريد” للأحداث تشويشا للخط الزمني التتابعي سواء حديثه عن طلب “آندي” منه تهريب “ريتا هيوارث” له الذي ورد في الفلم قبل حدثه عن دخول “آندي” السجن. وإذ حاولنا تنشيط ذاكرتنا السينيمائية التي تحكي مشاهد السجن فإننا نتذكر حتما تلك الخطوط التي يرسمها السجين على حائط زنزانته مشطبا كل مجموعة من الخطوط مؤرخا لعدد الأيام التي قضاها في السجن ماحيًا الفترة المقضاة هناك وهذا بالضبط ما حاول “ريد” أن يفعله باعتباره مسجونا إذ أراد أن يؤرخ لأيامه في السجن لكن دون التخطيط على حائط الزنزانة وإنما التكثير من تسجيل تواريخ الأحداث. كل ذلك يجلو رغبة أيّ سجين في انقضاء المدة التي حُكم بها عليه ليبقى قابعا في مكان لا يرغب فيه فما بالك ب “ريد” فهو القاتل المحكوم عليه بالمؤبد وإذا كان السجناء يخطون أملا في فترة تنتهي فإن “ريد” يسجل تواريخ لأيام قد لا تنتهي.
مستوى المدة الزمنية:
يبرز مستوى المدة باعتباره مستوًى آخر من مستويات الزمان في فلم “الخلاص من شاوشانك” والمعروف أن المدة الزمانية هي الفترة التي تضم ما بين زمان بداية الحدث وزمان نهايته وقد تكون حقيقية محسوبة بالزمان الواقعي من ذلك ما ذكره المحقق عندما سأل “ريد” “قضيت 20 عاما من عقوبة السجن المؤبد” وما قاله “ريد” تعليقا على محاولة اغتصاب”عصابة الأخوات” “آندي” “قضى آندي شهرا في المستشفى وقضى “بوغنر” أسبوعا في الحبس الانفرادي” أو إشارة “ريد” إلى عدد السنين التي قضاها “آندي” عندما منح له هدية “خذ هذه إمرأة جديدة (مارلين مونرو) بمناسبة مرور عشر سنوات على وجودك هنا”.
وقد تكون المدة الزمانية المشار إليها افتراضية أو احتمالية فمثلا يقول “ريد” في آخر الفلم “أتذكر أني كنت أعتقد أن الرجل سيستغرق 600 سنة ليشق نفقا عبر الحائط” فذكرت 600 سنة في هذا المثال لا عدًّا حقيقيَّا وإنما هو بيان لطول المدة وإشارة إلى استحالة القيام بالفعل خاصة إذا أدركنا أنَّ “ريد” يتحدث عن حفر نفق تحت السجن بمطرقة وقد تكون الإشارة إلى المدة الزمانية الإحتمالية أيضًا بجهل المتحدث مسبقا بإستغراق الفعل في الزمن حقًّا في الحوار بين “ريد” و “آندي” فيقول الأول “أعتقد أن نحتها سيستغرق سنوات (يتحدث عن قطع الشطرنج) ويقول في مكان آخر “قد يستغرق إحضارها (صورة ريتا هيوارث) أسابيع.
إن الحديث عن المدة الزمانية في هذا الفلم وإن كان يحصل في طياته تحديدًا لتزمين الفعل وحدّه بداية ونهايةً أو وضع فرضيات حدوده فإنه يبين مدى اهتمام السجين بالزمن ويصبح الزمن معطى رئيسيًّا تحدد فيها الأفعال حتى البسيطة منها ولعل الحديث عن الزمان في السجن من حيث هو مدة محاوله لقتل ذلك الزمان. فالزمان هناك متوفر إلَّا أنه يمثل عدوًّا وجب قتله بالتذكير به دائمًا فكما قال “آندي” “السنوات أملكها. ما لا أملكه هو الصخور.”
*المكان: ضدّية الانفتاح والانغلاق.. العلائق مع الشخصية*
إن حضور المكان في السينما والتعامل معه من بين الخصائص التي تميز بها السينما عن فن الحكي عموما والرواية بشكل خاص فإذا كان المكان في الرواية متخيلا دائمًا. تقع حدوده وأبعاده داخل ذهن القارئ له كل الحرية في تصوره بخياله وذاكرته القرائية. فإن المكان في السينما ينفصل عن التصور الذهني للمخرج ليرغمه على تحققه عينًا أمام ناظري المشاهد يتابعه في كل تفاصيله ليصبح هو الحقيقة الأولى في السينما.
لا يمكن في السينما أن نلغي المكان وإنه لمن العبث أن نتصور فلمًا أو مشهدًا أو لقطةً خارج إطار المكان فأيٌّ من هذه لا يمكن إخلاؤها من عنصر المكان. لا يمكن إبداع فلم دون مكان. إن أيّ حدث تمر به الشخصية أو فعل تقوم به يتحيّز داخل مكان مشهود مهما اتسعت أبعاده إطلاقًا أو جنح نحو الخيال واللاتحديد.
لقد استمد المكان أهميته في السينما من طبيعة هذا الفن نفسه. فهو يوظف فيه إبداعيًّا إذ يحرص المخرج عادة على اختيار المكان سواء كان ذلك طبيعيًّا أو داخل الأستديو لأنه يدرك سلفا أن للمكان تأثيرًا لا حدّ له على رؤية المشاهد للفلم وانشداده إليه لذلك فإن إبداعية المخرج في هذه الناحية تكمن في التوظيف الإبداعي للمكان الذي يرغم المشاهد على إنشاء علاقة حميمية بالفلم تفرض عليه متابعة الأحداث فيحس بها ويتفاعل معها. لكن هذا لا يجعلنا نقر بأن المكان مجرد وعاء تتحيز فيه الأحداث أو فضاء تتسور داخله الشخصيات والأشياء إنه يمثل في أفلام السجون خصوصًا التيمة الكلية للفلم فهو ينظم تمفصلات الأحداث. ويعمل على ربطها بل يكون معطى رئيسيا في تحديد الانسجام بينها ويقوّي تماسكها محاصرًا للأحداث في أقصى انفجارها الدرامي وقد يتحول إلى شخصية من شخصيات أفلام السجون بله “بطلًا” أوحد يخطف الأضواء من بقية الشخصيات. إن سينما السجون تبث في المكان (السجن) روحًا تخرجه من ماديته وأشكاله الهندسية ليضحى متصورًا له بعده الاجتماعي الثقافي لذلك يحرص مخرجو أفلام السجون على واقعية المكان ويستعيضون عن تصوير المشاهد داخل الاستوديو لأن تقليد المكان (السجن) عبر الديكور المصطنع مهما كان متقنًا يفقد المكان شخصيته وينزعه روحه.
تبينّا من خلال ما سبق أهمية المكان في السينما عمومًا وفي أفلام السجون بشكل خاص لكن تلك الأهمية لا تعزله عن باقي مكونات الفلم. إن المكان في مثل هذه الأفلام يتماهى مع كافة العناصر الفيلمية الأخرى: الشخصيات والأحداث ومسارها الدرامي والزمان والديكور. وبما أن السينما عموما تنتمي إلى الفنون الزمانية/المكانية عكس الموسيقى التي هي فن زماني بامتياز والرسم بما هو فن مكاني. فإن ما يميز جوهر العلاقة الزمكانية في السينما هو أنهما حقيقتان لا تنفصلان إلّا إجرائيا للتسهيل في تحليل أبعادهما وحضورهما السينيمائي. إنهما يتعالقان بأواصر متشابكة حدّ التماهي في أحايين كثيرة. لتنتهيا في السينما إلى مادة بصرية مسجلة على شريط الفلم تصير بحدّ ذاتها وثيقة مرئية هكذا ترتقي السينما إلى كونها تعيد إنتاج الزمان والمكان إنتاجا لا يهمل دور الشخصيات في ذلك ولئن تمسكنا فيما سبق من هذه الدراسة أن نحلل علاقة الزمان بالشخصيات فإننا نرغب الآن في خوض مغامرة تجربة تفكيك العلائق بين الشخصيات والمكان.
لئن كان “الخلاص من شاوشانك” فلمًا من أفلام السجون فإن الناظر فيه يلحظ تميزًا له عن بقية الأفلام. فإذا كان المكان المميز لكليهما هو السجن فإن ذلك يعتبر في غير هذا الفلم استثناءً له عن بقية الأمكنة بينما تشترك أمكنة أخرى في “الخلاص من شاوشانك” مع السجن في خصائص عديدة.
إن المُشاهد إذا رام تقسيم الأمكنة وفق ثنائية الانفتاح والانغلاق ويدرس مدى تأثير هاتين الخاصيتين على الشخصية سيلفى قسمين: الأول يتسم بالانفتاح مثل معمل صنع لوحات السيارات والمكان الذي ترك فيه “آندي” الأمانة ل”ريد” والمحيط ثم المكان الذي سينهي فيه حياته بإقامة مشروعه الذي حلم به منذ أن ولج إلى السجن.
أما القسم الثاني فيغلب عليه الانغلاق والضيق وهو يشمل البيت والمحكمة والسجن وأماكنه الموجودة داخله كالزنزانة والحبس الانفرادي.
هذا القسمان يتضادان في علائقهما بالشخصية فإذا كان المكان المغلق في هذا الفلم نوعًا من الأمكنة المعادية التي تساهم في عرقلة الشخصية وتحول دونها وتحقيق أمانيها بل إنها أمكنة يُعتدى فيها عليها وقد تُقتلُ هناك. فإن المكان المفتوح يُعتبر صديقًا ينشأ بينه وبين الشخصية ألفة فيساهم في إسعادها ودفعها إلى العزم على بلوغ أهدافها المرجوة هذا ما يتفطّن إليه المُشاهد عندما يغوص في المَشاهد التي تنقل أجواء الأمكنة المفتوحة. إن “آندي” بدأ يتقرب من سجانيه ساعة اقترح على الآمر صفقة تنظيم ضرائبه كان ذلك في مكان مفتوح إنه “سطح معمل صنع لوحات السيارات” هذا الذي يوجد خارج السجن مثل عنوانا للسعادة لا ل”آندي” فحسب باعتباره صاحب صفقة الضرائب وإنما أسعد بقية أصدقائه لأن من بنود تلك الصفقة أن يحضر الآمر كل يوم قوارير من خمر للسجناء. “سجين يشرب خمرًا” هذا من بين المفارقات ولكن حدث ذلك في الفلم وكان في مكان مفتوح. بلغت الفرحة بالسجناء أقصاها حتى قال “ريد” «جلسنا وشربنا البيرة والشمس تلسع أكتافنا شعرنا كأننا أحرار. قمنا بطلاء سقف أحد بيوتنا الخاصة. كنا كسادة للكون كله» قمة النشوة حققها السجناء في هذا المكان المفتوح وذروة الانتشاء وصلوا إليها. وأيّ شعور أجملْ به من الشعور بالحرية حتى وإن كان محجوزًا داخل النفس لا يتحقق خارجها. ضف إلى ذلك عمق تأثير المكان والتماهي مع الشخصية. فالحدث فيه جعل الشخصيات تنفلت من قبضة عدائية مكان السجن لتعتبر أن هذا المكان “سطح المعمل” مكان خاص ملك لها تتعامل معه كأنه لها. ألِفته فخفقت أساريرها فرحا بذلك.
ومثل الحقل الموجود في بادية “بوكستون” ثاني الأمكنة المفتوحة إنه المكان الذي سيترك فيه “آندي” أمانة لصديقه “ريد”. أمانة تساعد “ريد” على اللحاق به في المكسيك. المكان مفتوح يضمّ حقلًا جميلًا متسعًا وشجرةً كبيرةً. المكان ينعش النفس وقد أنعشها ماضيا عندما التقى فيه “آندي” بزوجته واتفقا على مواصلة الحياة مع بعض وقد أنعشها حاضرًا بأن كان مكانًا سهّل على “ريد” الالتحاق بصديقه وعمقت صورة السفينة على الصندوق الذي يحتوي أموالًا رمزية الحرية المنفلتة من قبضة عبودية السجن. ثم يبرز ما يمكن لنا أن نصطلح عليه “المكان اليوتوبيا” في “زيهاوتانجو” في المكسيك. أين سيجدد فيه “آندي” حياته بأن يكون إنسانًا آخر مولودًا من جديد منشئًا لعالمه الخاص الذي كثيرا ما حلم به مكان يقع على ضفاف المحيط الدال هو الآخر على الحرية والانطلاق نحو الفضاء الرحب بعيدًا عن أسوار السجن وأسوار المدن الخانقة والمدنية القاتلة. توازت هذه الأمكنة المفتوحة مع شخصيات الفلم حيث انفتاح النفس وإقبالها على الحياة. فأثثت علاقة صداقة وانسجام بينهما.
ولعل وجود مثل هذه الأمكنة في أفلام السجون مرتبط أساسًا بإيجاد بقعة ضوء في كل تلك العتمة التي يمثلها السجن فتكون بذلك ضديدًا له وتتميز عنه باعتباره مكانا ينتمي إلى قسم الأماكن المغلقة التي أشرنا سابقًا إلى عدائيتها تجاه الشخصية.
تُعاضد السجنَ في سمة الانغلاق أماكنٌ أخرى فكان البيت الذي وقعت فيه جريمة القتل. إنه المكان الذي احتوى الحدث الذي سيّر بقية أحداث الفلم وهو اتهام “آندي” بقتل زوجته فالحكم عليه بالسجن مدى الحياة. هذا المكان ورد مغلقًا في الفلم لعدائيته تجاه الشخصية الرئيسية فهو قد طعنها مرتين: الأولى حين كان فضاءً للخيانة الزوجية وغدر زوجته له والثاني لمّا اتهم ظلمًا بأنه قاتل زوجته وعشيقها. أما المكان الثاني المغلق الموجود في الفلم فهو قاعة المحكمة ولئن غابت أوصافها عن المشاهد بحكم أن الكاميرا لم تتجول فيها كثيرًا واكتفى المخرج بإظهار القاضي والمدعي العام والمتهم والبعض من الحضور فإن الخبرة المشهدية تلح على اعتبارها مكانًا مغلقًا معاديًا هو الآخر للشخصية إذ فيه نطق بالحكم مدى الحياة سجنًا على “آندي” ظلمًا. هذان المكانان (البيت والمحكمة) كانا مكانين مغلقين اشتركا مع السجن وهو المكان الأشهر في الفلم باعتباره فلمًا من أفلام السجون.
يمثل السجن مكونًا رئيسًا من مكونات أفلام السجن لا باعتباره مكانا للأحداث ووعاءً تتحيز داخله أفعال الشخصيات وإنما لكونه عنصرًا من عناصر عالم السجن بأكمله إنه الفضاء الذي يتفاعل مع الشخصيات تأثرًا وتأثيرًا ويتداخل مع الزمان ليؤثث عالمًا يوازي العالم الواقعي المعتاد للإنسان.
تحدد هوية الشخصيات في أفلام السجون انطلاقا في علاقتها بالمكان/السجن. فهي إما سجينًا يعاقب على فعل اقترفه خارج أسوار السجن وبالتالي أودع هذا المكان ليقضي فيه زمنا أو سجّانا امتهن هذه المهنة يراقب بفضلها السجناء مقابل أجر يتقاضاه آخر كل شهر وهو كذلك عين السلطة داخل السجن بل إنه هو السلطة عينها.
وتتأرجح الشخصية في مثل هذه الأفلام بين داخل السجن وخارجه فهي تقوم عادة برحلتين طردًا وعكسًا. تدخل المكان فتتفاعل معه محاولة الهروب منه والانعتاق من قيوده. ويمثّل مشهدَا الدخول والهروب من السجن أهمّ المشاهد المصورة ويحرص المخرج على إيلائهما عنايته الفائقة إبداعًا بل إن نجاح الفلم قد يرتبط بكيفية تصويرهما خاصة مشهد الهروب.
وبالعودة إلى فلم “الخلاص من شاوشانك” نلفى أن المخرج “دارابونت” قد أجاد الاختيار عندما وازى بين دخول الشخصية الرئيسية إلى السجن وتصوير السجن لأول مرة في الفلم وكان ذلك عن طريق التصوير بكاميرا فوقية خوّلت المشاهد أن يتعرف على السجن في شموليته منذ البداية فاكتشف معماره الخارجي التي يوحي باستحالة الهروب منه لعلو أسواره وسمكها وتكاثف أبراج المراقبة عليه.كذلك يكتشف ألوانه الباهتة التي تميل إلى الرمادي والأحمر الآجري مما يعطي الانطباع على انقباض النفس داخله فهو مكان يميل إلى التعاسة والشقاء. استمرّت الكاميرا تلف حول المكان من علٍ ثم بدأت بالتدرج في النزول ليظهر سرب من السيارات تتجه صوبه في مشهد معتاد. في أفلام السجون يجعل الشخصيات تتلامس مع المكان الجديد لأول مرة. ولعل هذا المشهد الافتتاحي في دخول الشخصيات إلى السجن تشترك فيه أغلب أفلام السجون إذ تصل الشخصيات مكبلة بالأغلال وعيونهم تتجول في المكان باهتةً كأنها تبحث عن شيء ما ثم يقذف بهم في قاعات مظلمة للاغتسال ورش دواء عليهم ربما تطهرًا مما علق بهم من أداران العالم الخارجي. هذا التطهر يهيئهم للدخول في عالم جديد عالم السجن خاصة أنهم ينزعون ملابسهم وتعوض لهم بملابس موحدة ويقع ترقيمهم فلكل سجين في هذا المكان رقم خاص به. إنهم مجرد أرقام في هذا العالم لا يمثلون ذرات حبة. هذه الطقوس تختتم بإملاء شروط السجن عليهم كما فعل المدير في “الخلاص من شاوشانك” معلنا سلطته القصوى على قبض أرواحهم ثم يودع كل واحد فيهم الزنزانة الخاصة به. هكذا تكون العلاقة بين الشخصيات والمكان (السجن) علاقة عدائية منذ البدء. فيصبح هاجسها الأول هو الانفلات منه لذلك يكون الهروب من السجن هو الحدث الذي تفكر فيه الشخصية باعتبار أن المكان (السجن) مكان استثنائي بالنسبة إليها تقضي فيه بعض الزمن لتخرج منه سواءً خروجًا عاديًا بانتهاء العقوبة كما حصل الأمر مع “بروكس” و “ريد” أو هروبًا مثلما فعل “آندي”.
إن مشهد الهروب من السجن كان مشهدًا عاطفيًّا بامتياز تفاعل معه المشاهد بكل حماس رغم أنه أخبر عنه سلفًا لكنّ طريقة الهروب العجيبة هي ما شدته إلى ذلك. خرج “آندي” عن طريق قنوات تصريف المياه مستغلاًّ خبرته الجيولوجية والفيزيائية. خرج من أكثر الأماكن قذارةً ليتطهر في مياه النهر مارًّا منه. فيكون فعل التطهر مضاعفا: كان منذ بداية التحول إلى السجن وعند الهروب منه وكأن الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون إلا عبر التطهر أو عبر التخلي عما يذكّر بالمكان الأول. وهو ما أكده نزع “آندي” لملابسه السجنية فاتحًا ذراعيه إلى السماء في مشهد رومنسي مستقبلًا قطرات المطر. قطرات تعلن الثورة ضد الظلم والانعتاق من عبودية عالم السجن .
أما إذا أردنا أن ندقق النظر في السجن مكانًا سنجده يتعدد فهو يحتوي الساحة التي تعتبر أقل ضرارًا للشخصية. إنها متنفسها فيها يمارس السجناء بعض الأنشطة فهي متسعة رغم ضيقها مقارنة ببقية الأمكنة ويضم أيضا الزنزانة أين يغلق على السجين بابها. ينام هناك ويعيش مع أحلامه وهلوساته منفردًا. أما أصعب الأمكنة بالنسبة إلى السجين في “الخلاص من شاوشانك” فهو الحبس الانفرادي الذي يشمل عقوبة مضاعفة له ويدرك المشاهد ذلك من خلال ملامح وجه الشخصية التي تظهر أن الشخص متألم قليل النوم لحيته كثة وشعره مشعث تبدو عليه آثار التعذيب.
يؤثر المكان على الشخصية إذن فيجعلها محبطة يائسة من العودة إلى الحياة الطبيعية أو مفكرة في كيفية الهروب منه. ولكن “آندي” في الفلم مثل استثناء فهو كما قال “ريد” واصفًا إياه “إنه يتجول كرجل في منتزه دون أي اهتمام أو قلق من العالم كأن لديه معطفًا خفيًا يعزله عن هذا المكان” هكذا بدا “آندي” منتصرًا على المكان بأن حوله في ذهنه إلى مكان يتنزه فيه. هذا لا يزيل العداوة بينهما لكنه يعطي فرصة للشخصية أن تتأقلم مع المكان لتفكر بتروٍّ في كيفية الانعتاق منه. وتبرز المفارقة في علاقة الشخصية بالمكان من خلال “آندي” إذ إن السجن عمومًا مكان للعقاب من أجل تأهيل الشخص حتى يعود صالحًا إلى المجتمع وقيمه فهو إنسان فاسد دخل السجن ليكون صالحًا. غير أن “آندي” كان صالحًا خارج السجن. كان موظفًا عاديًا في بنك لا يعرف عنه أيّ خروج عما سطرته سلطة السجن. ولما دخل السجن فهو المحتال بامتياز لذلك قال في أحد اعترافاته “الشيء المضحك أني كنت خارج السجن رجلًا شريفًا مستقيمًا كالسهم كان يجب أن أدخل السجن حتى أصبح محتالًا” يتحول السجن إذن من مكان للإصلاح والتأهيل الاجتماعي ليلعب دورًا معاكسًا لما أنشئ من أجله.
اكتشفنا أن الأمكنة في “الخلاص من شاوشانك” انعتقت من دورها التأطيري لنلفاها متفاعلة مع الشخصيات تؤثر فيها وتتأثر بها فهي كأنها شخصية بروحٍ بُثّت فيها لما لها وخاصة السجن من دورٍ في أفلام السجون كما إن هذا المكان يتواشج مع الزمان ليحيط بالشخصيات ويغير من رؤاها ومواقفها وحتى صفاتها. فهو كما قال “ريد” عنه «إن هذا السجن غريب. في البداية ستكرهه ثم بعد ذلك ستعتاد عليه وحتى يمر وقت كافٍ ستبدأ في الاعتماد عليه هذا هو الارتباط بالمكان» تتطور علاقة الشخصيات بالمكان بمرور الزمان من الكره إلى الاعتياد إلى الاعتماد. ثلاثة مراحل علائقية مع المكان كان للزمان فيها الدور التأثيري الأكبر.كما يتعاضد المكان مع الزمان ليمثلا عدوين قاسيين على الإنسان في عالم السجن فهما ما سيسلبانه كل شيء لطيف فيه مروءته وكرمه ورجولته حتى إنسانيته تسلب منه وهذا ما يفسر العدائية التي يتصف بها “عصابة الأخوات” في الفلم تجاه الوافدين الجدد إلى سجن شاوشانك يقول ريد «إنهم يرسلونك إلى هنا مدى الحياة وهذا بالضبط ما يأخذونه منك حياتك التي تضيع هباءً».
كما يجب الإشارة إلى أن المكان قد يكون حليفًا للشخصية يتعالقان تعالقًا وديًا في مواجهة الزمان. فالمكان إذا اتّسم بالإيجابية فهو سيعضد الإنسان من أجل الانتصار على الزمان وهو ما فعلته المكتبة داخل السجن. مكان للحرية وممارسة فعل القراءة الذي يجنح بالشخصية خارج الزمان الروتيني فتنتصر عليه ويتغلب الإنسان كذلك على الزمان بفضل المكان إذا اتّسم الأخير بالانفتاح فالمحيط الذي وصفه “آندي” لـ”ريد” هو مكان بلا ذاكرة مكانٌ يخلص “آندي” من عبء زمان الماضي ويجعله يتجه نحو المستقبل ناسيًا كل الآثار التي خلفها له الماضي. ومداويا جروحه بالنسيان.
هكذا نلاحظ أن ثلاثية الإنسان والزمان والمكان تتفاعل فيما بينها في عالم السجن عن طريق علائق تنوس بين المصاحبة والعدائية لتنشأ فيما بينها كيمياء للتفاعل من أجل دفع الشخصية إلى تغييرها. هذا التغيير قد يكون سلبًا عن طريق الشعور بالإحباط واليأس أو إيجابا بعدم فقدان الأمل في مستقبل أكثر إشراقًا. ولعل شخصية “بروكس” كانت من بين أهم الشخصيات التي يتضح من خلالها عالم السجن ويتميز عن العالم الواقعي. فيما باحت به من اعترافات في الرسالة التي بعثها “بروكس” إلى أصدقائه في السجن بعد أن غادره. ويجد المحلل نفسه مجبرا على إيراد الرسالة رغم طولها لأهميتها يقول بروكس في الرسالة « أصدقائي الأعزاء لا أصدّق السرعة التي يسير بها العالم خارج السجن. لقد رأيت سيارة ذات مرة عندما كنت صغيرا أما الان فالسيارات في كل مكان. العالم يتحرك في عجلة كبيرة. مجلس إطلاق السراح المشروط أرسلني إلى مؤسسة صغيرة تسمى « البريوبير» والعمل هو تعبئة المواد الغذائية في المتجر. إنه عمل شاق وأحاول الاستمرار فيه ويدي تؤلمني أغلب الوقت. لا أعتقد أنّ مدير المتجر يحبني كثيرا. أحيانا بعد العمل أذهب إلى المتنزّه وأُطعم الطيور وأظلّ أفكر ربما يأتي « جيك»( الغراب الذي اعتنى به في السجن) ويقول مرحبا لكنه لم يأت أبدا. وأتمنى حيثما يوجد أن يكون بخير وله أصدقاء جدد. عندي اضطرابات أثناء النوم ليلا وأرى كوابيس كأني أسقط فأستيقظ مذعورا. أحياناً تمر فترة قبل أن أدرك أين أنا. ربما يجب أن أحصل على مسدس وأسرق المتجر ليعيدوني إلى السجن. يمكنني أن أقتل مدير المتجر حينما أسرقه كنوع من المكافأة لكنني أعتقد أني كبرت جدا على مثل هذا الهراء. لم أحب الحياة هنا.. سئمت من الخوف طيلة الوقت. لذا قررت ألا أبقى. أشك في أنهم سينزعجون على محتال عجوز مثلي.» تستمد هذه الرسالة أهميّتها في الفلم من كونها إعلان عن رؤية جديدة غير تقليدية للسجن مكانًا وعالَمًا. فها هي شخصية من شخصياته تخترق أفق نظرة الإنسان العادي باعتبار السجن مكانا غير مرغوب فيه. إن هذه الرسالة محمّلة بنقد لاذع لعالمنا الذي جعل من السجن مكانا آمنا يلتجئ إليه الإنسان ويفرض التساؤل عن غائية الرغبة في العودة إلى ذلك المكان نفسه على مُشاهد الفلم. ليدرك أنّ المكان المُعتبَر عارًا على الإنسان هو الشرف بعينه.
تفتتح الرسالة بمقارنة بين عالمين. عالَم السجن من جهة والعالم الخارجي من أخرى ليتفطن « بروكس» إلى العالم الأخير أضحى أكثر سرعة من ذي قبل ويعود ذلك إلى المدة التي قضّاها داخل السجن وإلى الروتين اليومي الذي يعيشه السجين ممّا جعله يذهل أمام السرعة الفائقة لنمط العيش خارجًا. ثم يعلم باعث الرسالة أصدقاءه بانشغاله بالعمل داخل متجرٍ. يحمل هذا الإعلام في طيّاته نفَسا تحسّريا على أيام السجن إذ إنه لم يحقق من خلاله إنسانيته مثلما كان أمينا للمكتبة داخل السجن وهو ما يتوافق بالضبط ما ألمع إليه « ريد»« بروكس مؤسس للمكام ( السجن). هذا الرجل هنا منذ خمسين عاما. خمسين يا « هيوود». هذا كل ما يعرفه. هنا هو رجل مهم. رجل مثقف. أما خارج السجن فهو لا شيء. مجرد محتال عجوز لديه التهاب مفاصل في كلتا يديه. قد لا يستطيع الحصول على عضوية في مكتبة إذا حاول ذلك.» هكذا تبدو شخصية «بروكس » مضادة للشخص الانضباطي. أراد المجتمع أن يأهّله داخل السجن ليخرج إنسانا يعترف بنواميسه فإذا به يكره المجتمع ويريد العودة إلى السجن بل إن عالم السجن أضحى يستهويه بمكانه وزمانه وشخصياته. إنه العالم الذي حقق له إنسانيته. يا لها من مفارقة عندما تنقلب الأشياء إلى ضديدها فيصبح العالم الخارجي هو السجن ويمسي عالم السجن عنوانا لإثبات الإنسان إنسانيته. وأمام استحالة العودة إلى عالم السجن قرر «بروكس» الانتحار في رحلة إلى عالم ثالث. العالم الخارجي لا يقلّ قذارة من عالم السجن فالشخصيات المغادرة لا تلبث البقاء فيه حتى تغادره إما إلى عالم الموت مثلما فعل « بروكس» أو إلى عالم « زيهايتنجو» مثلما فعل « آندي» و « ريد». إن المشاهد «للخلاص من شاوشانك» يكتشف أنّ الفلم يقدّم له عالَما بديلا لعالَمه. يحتوي هذا العالم كلّ مكوناته الخاصة به مما يجعله عالما موازيا. قد ينظر إليه باعتباره عالما استثنائيا بما أنّ ساكنيه لم يكونوا راغبين في الولوج إليه. إنهم هناك رغما عنهم. تأقلموا معه فعاشوا فيه بسيّئاته التي مثّلتها السلطة خاصة. والزمان القاتل والمكان المسوّر. وحسناته التي رمزت إليها مجموعة الأصدقاء في علاقتهم ببعضهم وتعاونهم على المصائب وتقديم الهدايا لبعضهم. هذه الحسنات لم تثني «آندي» على الهروب إلى عالم أكثر رحابة لكنها نجحت في إقناع «بروكس» أن عالم السجن هو العالم الأفضل رغم كل شيء.
تابعوا القسم الأول من هذه الدراسة:
https://metonymykinaya.com/2023/12/23/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-%d9%85%d9%86-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d8%b4%d8%a7%d9%86%d9%83-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d9%84%d9%84%d9%81%d9%86%d8%8c-%d9%88%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9/
أضف تعليق