كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

شاهدة على البرزخ..



حورية الإرياني




تقف على خشبة المسرح أمامي سامقة كشجرة تدني بثمار ناضجة.
لم أتخيل أن بلع الريق قد يكون بهذه الصعوبة، وكيف يتحول الريق فجأة إلى حياة كاملة لعمر مكلوم.
(أتتخيل أن تبلع عمرك دفعة واحدة! أن تتجرعه بكل مرارته، دموع وضحكات، حنين وشغف، تبلعه لأنك في زاوية ضيقة من هذا العالم تشاهد منها عمرك وما فاتك منه).
كل هذا أراه أمامي الآن. شعرت بها تحاول أن تتلافى جزعها من النهاية، جاهدت لتنهي دورها في المسرحية.
خشبة المسرح كانت عالية، وليست شاهقة، رغم ذلك لم تفكر حتى بالسقوط ولو بداعي الإغماء، حتى أن السقوط مناسب لدورها في المسرحية! فلماذا إذاً قاومت الطبيعة! وقاومت انسانيتها! وادعت انها دمية بعد أن توحدت بها؟
كان يجب أن تسقط، لكن لعل ذلك أكبر من قدرتها على الإدراك، أو أن إدراكها لم يشأ أن يعي، وقلبها لا يحتمل الخطيئة.
وما الخطيئة يا عزيزتي؟
الشكّ؟ وماذا عن الخيانة؟
أصرخ وأسئلها رغم تصفيق الحاضرين، يرفض سمعها أن يصغي. عيناها تتستران ببلاهة شديدة خلف رموش غارت على مقلتين أعياهما السهر والوحدة.
أحقًا هيّ ممثلة بارعة؟ أم بلهاء حقيقية؟ لم أعد أفهم؟
متى تنقضي مدة الشك بكِ! ألا يكفي كل هذا الوقت من الخيانة؟ متى يأتي دور الإدراك لينتشل ما تبقى منك؟
ذاك من منحته شارة القدسية يمثّل أمامك على نفس الخشبة، حتى أنه لا يتقن التمثيل مثلك. بسببك يدعيّ المثالية، ويتزيّن بخطب وكلمات رنانة، وعيناه التي عليك تفضحه. صوته المقعر، واذناك المحدبتان. ذاك ليس اكتمالا. ذلك ما هو إلا انطباق مميت تذهب به روحك إلى اللاموت واللاحياة …
أنصتي إلى دقات قلبك واقتربي منه، ستسمعين صفيرًا مؤلمًا، يسمعه كل من رآكِ وقد عرفه وشعر به.
تحت ضجيج التصفيق وخبط الكفوف تظنين أنك تخفينه. لا تعلمين أنك حقيقة ظاهرة وهو من يجعلك تصدئين بقطرات من دمعك الحائر وحديد تصلبك.
حنجرتك؟ أنسيتها؟ تمثيلك الصامت لم يعد ذا قيمة صدقيني. اسقطي. ارجوكِ اسقطي، نحو آخر ما تملكين (قطعة أرض على خشب يابس) ما إن تصله دمعتك الزيتية الثقيلة وشرارة صوته اللعين حتى تنتهي تلك المسرحية الجلفة وتنتهي مرارتي برؤية تمثيلك الزائف وقدرتكِ العظيمة. فلتحترق مسرحيتك اللعينة، ولتذهبي الى اللاجحيم. فلاجحيم يقبل قدسية ما تصنعين ولا جنة تستحقها من هي مثلك.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.