كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

ليلة عاصفة..





حميد عقبي



في اجواء طقس تبدو ليلية عاصفة وباردة ولكن ثمة ضوء وكأنه ضوء القمر، تتمظهر علاماته بملامح لونية تميل إلى الأزرق الخافت والأنيق على المكان، رغم الطقس العاصف (نشعر به عبر مؤاثرات صوتية متعددة).
حيث نسمع صوت الريح وكأنها أزير غاضب يهدأ أحيانا ثم يعود ليرتفع.
تتوجد أضواء متعددة تأتي لكن يبدو أن مصدرها بعيدا وهذه الأضواء أيضا ستخفت أحياناً وتقوى أحيانا على مسار العمل الذي سينقسم لعدة لوحات وسيلعب صوت الريح ومؤاثرات صوتية أخرى طبيعية مع الضوء لتعيق حالات انفعالية ونفسية وكذلك تلعب أي الأصوات والأضواء وظيفة الستارة عندما تنتهي لوحة وتبدأ لوحة.


المنظر المسرحي كأنه بمكانين، بينهما بعض التشابه أو مكان واحد يفصلهما حواجز هشة مصطنعة أسلاك صدئة ويوجد برميلين في حالة رثة وصدئة، في العمق المكان، كأنه سفح جبلي أو مرتفع مغطى بطرابيل أوقماش بالالوان المتعددة، قرب كل برميل توجد أشياء مهملة كبقايا معلبات غذائية وأحجار، أعواد خشب وأغصان جافة وبقايا أوراق.

يزداد صوت هبوب الريح بشكلٍ واضح وتزداد قوته أكثر وأكثر.
يكون قدوم الهواء من العمق بحيث تتحرك وترفرف بعض الأكياس البلاستكية العالقة في الشباك التي تفصل المكان لنصفين وبعضها أيضاً قد يمتد إلى مقدمة المسرح، نتعايش مع هذا الجو.
ثم نسمع صوتاً بشرياً يأتي من خلف البرميل باليمين.
الصوت يكون أشبه بأنين وسرعان ما نسمع صوتا اخر لإنسان من خلف البرميل الثاني باليسار وهو أيضا صوت أنين يتمزج بالتنهيدات.


يستمر هذا الأنين والنحنه ثم السعال ويكون أشبه بالحوار هذا يسعل فيرد عليه الثاني بسعله أو هذا يتنحنح.

ثم نرى شبه حركة من البرميل باليمين، نرى أحدهم يرمي بعلب معلبات صدئة وأحجار صغيرة وبقايا أوراق وبعدها نرى حركة مشابهة من وراء البرميل باليسار.
يظهر راس الأول باليمين ملتحفا ببطانية مهترئة وبعدها يظهر الثاني أيضاً يلتحف ببطانية رثة وممزقة أيضا.
الأول في اليمين يصرخ غاضباً :ـ
مالك ما هي مشكلتك تقلدني في كل حركة أسعل تسعل بعدي، أتنحنح تتنحنح بعدي شلوك الجن



يرد الثاني غاضباً ويستوي قائماً وهو مغطى ببطانية ممزقة ومهترئة :ـ

أنا أصلا كنت ناوي قبلك اسعل وأنت تسرق حركاتي
الأول يستوي ويكون متدثرا
يرد :ـ
أنا أقلدك أنت والله اخر العجايب النصاص قاموا والقوالب ناموا ..أنا أسرق فعلك يا أجرب

يحرك الثاني برميله قليلاً ويزداد غضبه :ـ
ما أجرب إلا أنت ..يظهر ليك ثور ما تعرف إلا الترفيس
يحرك الأول البرميل أيضاً ويرد :ـ وأنت يمكن تشبه الجدي القزم بدون قرن و..

يقاطعه الثاني وهو يهتز ويتقدم خطوة :ـ
أنت مدحل مثل قواطية الفول المدحلة.

يستمران لبعض الوقت كل واحد يشتم الثاني ويسخر منه بعبارات فيها تهكم وكوميديا
بعدها تهب ريح قوية ونسمع أشبه بضجيج ثم صوت ضربة رعد وكأن هذه الضربة تريد أن تسكت هذا التراشق بالشتائم
يخفض كل واحد رأسه ويتدثر ببطانيته.
للحظات يسيطر صوت العاصفة ويضعف الضوء قليلاً.
ثم صمت للحظات
ثم ينهضان من جديد ويبدو عليهما ملامح الخوف والهلع، كل واحد يلتفت يميناً وشمالاً ويدور حول نفسه ويتحسس جسده، كأن بعض العلب المستخدمة تتدحرك من عمق المسرح
الأول، يأخذ أنفاساً متقطعة ، يسأل :ـ
ما هو هذا ضرب ولا قصف ولا رعد، حسيت أن الأرض تهتز؟
يرد الثاني بعد أن يركل علب فارغة بقدمه ويبعدها بعيدا :ـ قالوا لنا هذه الليلة الأخيرة، يا رب تعدي بخير وبعدين ما هو من ضرب، خلاص بح ..المخازن فرغت والجيوب فرغت والأماكن تهدمت، ما في مكان لا عندنا ولا عندكم
يرد الأول وهو يتحرك ويحرك ذراعيه :ـ
الليلة الأخيرة ونخلص منك وتخلص مني..نخلص من هذا المكان الموحش والله يا كم مشتاق أرجع لأرضي وناسي وأغني للأرض وأقول
يغني أغنية تراثية تمجد الأرض.
ما أن ينتهي يرد عليه الثاني باهزوجة تراثية تتغنى بالأرض والسلام.
وهنا يكون الضوء أكثر قوة وصوت الريح يضعف كأنه يريدنا أن نسمع هذا الحنين إلى الأرض.
بعد أن ينتهي الثاني من أهزوجته، يقوم الأول بوضع البطانية على برميله ويحرك البرميل قليلا ولا يبدو ذلك عن قصد ولكن ردة فعل الثاني تكون قوية، حيث يسرع ويتوجه للعمق ويأتي معه بقصبة أو حديدة طويلة ويهوش بها تجاه الشخص الأول مما يدفع الأول للبحث عن أداه وفعلاً يجد حديدة ويهوش بها نحو الثاني، ليكون بداية صراع لم نتوقعه.
خلال هذا الصراع تزداد حدة وقوة صوت الريح.
يبدأ الصراع بتهويش وثم يتقاربان بحذر وتكون هناك منطقة لا يتجاوزها أحدا منهم وكأنها منطقة محضوره أو خطره، من التهويش إلى التقاتل وتتنوع الحركة بين لحظات عنف ولحظات تكون الحركة بها نوع من الكوميديا .
بعد صراع وصياح ضد بعضهما، يبلغ بهما التعب والإرهاق مبلغاً كبيراً، يتوقفان، كل واحد يحاول يلتقط أنفاسه ويسعل ويلهث وكأن الهواء أصبح قليلاً وثقيلاً وكأنهما سيقعان من هذا الصراع.
الأول وهو يتمالك نفسه ويعود يحرس برميله :ـ
قطعت نفسي، الله يقطع نفسك.. ما هو الذي غيرك قد كنت هادئ وقلنا اخر ليلة وكل واحد يروح لحاله.
يدور الثاني حول نفسه، يضع الحديدة فوق برميله ويتعهده وكأنه يطمن عليه ثم يرد :ـ
شوف ..المرة الثانية راح أضرب بالمليان لو حركت برميلك صبع واحده..أقطع لك يدك
يقاطعه الأول منفعلاً وكأنه يستشهد الجمهور :ـ
يا ناس يا عالم ..أنتم شاهدين ..نحن كنا نغني ونتذكر أهلنا وأرضنا..ما هو الذي أصابك كأن الجن ركضوك
يضحك الثاني ويرد :ـ
الجن والله هم أحسن منا ومنكم ولا لهم دخل..اما وهي الشياطين ركضتك
يكون الأول قد أخذ قسطاً من الراحة :ـ
هي الشياطين ركضتكم وركضتنا..كنا أهل وطالبين الله بعد أحوالنا ..ما هو الذي صار حتى بقي الدم أرخص من الماء وسنة تروح وسة تيجي لا أنتم ولا نحن عقلنا ..ما هو إلا جُنان في جُنان وهوشه وضرب بوم بوم بوم ..هلكنا أرضنا وضيعنا أولادنا لا أنتو .
الثاني يضحك ثم يصمت ويبدو جادا ويتحرك ويرد:ـ
والله وظنيتك جاهل ومجنون..كلامك حق ..لكن أنا هنا عبد مامور.

الأول يرد منفعلاً وكأنه يسأل نفسه ويسألنا ويسأل الآخر :ـ
أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور والذين فوقنا يقول كل واحد أنا عبد مأمور ومن هو فينا الحر..متى نتحرر ومين هو السيد..السيد غريب..كيف نكون عبيد للغرباء وهذا يقول لنا تضاربوا وهذا يقول تهاوشو..نحن كنا أحرار وعمرنا أرضنا وما كان يغلبنا معتدي ولا ظالم.

كأن الآخر يوافقه على كلامه :ـ
تفرقنا وتمزقنا وأكل الأخ لحم أخوه وأصبحنا مضحكة.
يصمتان للحظات وكأنهما يفكران في شيء ما وكأننا نشعر بقرب انفراجه.
هنا يخرج الأول سيجارة ويبحث عن كبريت أو شعلة، يبدو أنه لم يجدها ونرى الثاني يبحث ويجد كبريت ويبدو لا يجد سيجارة، يُشعل الثاني أحد أعود الثقاب وكأنه يغري الأول
الأول يناديه :ـ
هات كبريت نغنم الريح هدائت ونعمل سيجارة ولو أنها مضرة لكن هذا البرد محتاج رأس مال
يضحك الثاني وكأنه يريد يقايضه :ـ
أنا عندي الكبريت وأنت عندك السيجارة..هات سيجارة الأول وبعدها أرمي لك بالكبريت
كأن الأول يفكر وهو يمشي قليلاً دون أن يبتعد كثيراً عن البرميل ثم يرد :ـ
رجعنا للمواغادة..والغدر..أنت ستأخذ السيجارة ولن تعطيني الكبريت ..شامم الغدر في كلامك
يقاطعة الثاني مستغرباً :ـ
ما هو الذي خلى تفكيرك سلبي..قبل قليل قلنا عاقل وحكيم والآن صرت أنت الوغد ما يمكن أعطيك الكبريت ألا من تعطني سيجارة.
يحتدم الراع من جديد ويتطور بضرب ورمي العلب الفارغة وبعض الحجر والأعواد الصغيرة ثم الطين المبتل وكل واحد يقذف الثاني بالطين وتارة هذا يصيب وتارة هذا يصيب.
ومع احتدام الصراع، يعلو صوت الريح ويضطرب الضوء وكأننا مع معركة وتتدحرج مزيد من العلب الفارغة وكأن هناك أيادي خفية تزود كل واحد بهذه العلب والتي تستخدم بالتراشق.
يبلغ بهم التعب والإرهاق ويسقطان ن شدة التعب وهما في حالة مزرية.
هنا نسمع ضربه رعد قوية.
ينسحب كل واحد خلف برميله وتخفت الإضاء حتى تصل حد العتمة.
صمت يطول للحظات


نهاية المشهد الأول











المشهد الثاني


بعد لحظات من العتمة والصمت التام، يعود صوت الريح خفيفا وكذلك الضوء ويظل نفس المنظر دون تغيير ويكون كل واحد منهما متدثراً ببطانيته وخلف البرميل.
نسمع من جهة الشخص الثاني بعض الحركة، ثم يظهر وهو جالس، يزحف قليلا كي نرأه ويغني أهزوجة شعبية فيها نبرة حزن وألم.

يظهر الشخص الأول ويستمع بصمت كأنه يعيش نفس الحالة ثم عندما يكمل الثاني أهزوجته، يرد أيضا بأهزوجة مماثلة بحيث تُضخم تفاعلنا مع ما يحدث.
فترة صمت للحظات
ينهضان معا ويتحدثان بلسان واحد
الاثنان معا بصوت واحد :ـ
الريح ..تزئر الريح
أهي غاضبة منا
الطبيعة بأكملها غاضبة
غادرنا المطر وذهبت السحب السمان إلى بلدان أخرى
لم تعد الأشجار تثمر
نسمع توجعها
أنينها وحزنها
كل شيء أحترق وسنون عجاف لا تنتهي
حتى السبع السنابل اليابسات احترقن
وماتت البقرات العجاف ولم يلدن ولو بقرة صغيرة
أين نحن؟
ماذا نفعل هنا؟
يصرخان وهما يطرحان أسئلة محرجة.
يتوقفان
الأول، يوجه كلامه للثاني :ـ
أظنك أنك فهمت اللعبة؟ هناك من يتلاعب بنا جميعاً
ربما هو يختفي خلفي أو خلفك
علينا أن نفك هذه البراميل الصدئة و..و.. نفعل شيء أخر غير حراستها وضياع عمرنا ونحن نسقيها ونثبتها
الثاني ويبدو كأنه يتوافق مع الأول :ـ
مضت سنوات ونحن نتراشق بالرصاص والقنابل ثم أصبحنا نتراشق بمخلفات قذرة
علينا أن ننظف هذه الفوضئ
كلٍ ينظف مكانه ونفكر بفعل شيء
هنا يُخرج علبة عود الثقاب ويرميه إلى جهة الشخص الأول وفعلا يصل إليه ويسارع ويلتقطه ويخرج علبة السجائر ليكتشف أنها توسخت بسبب الصراع السابق، يحاول أن يشعل عود ثقاب ولكنه يكون مبللاً ولا يشتعل
يصرخ غاضبا :ـ
بسبب حماقاتك فقدنا التبغ وهذه الأعواد لا تشتعل
يرد الثاني مستغربا :ـ أنت الأحمق الذي لم تثق بي أول مرة وهأنا خسرت أيضا
يصرخ الأول :ـ
أنت من خونتني وأنت الخائن
يحتد الشتام وتهب ريح مع ضعف الضوء

يعود كل شخص إلى الحديدة ويهوش كل واحد على الآخر، يستعر الصراع أكثر نسمع ونرى قناني ومعلبات تأتي من عدة جهات، تنشب معركة نكون أشرس من المعارك السابقة ويتم التصارع بكل شيء ويكون المشهد أكثر فوضوية وعنفا.

يبلغ بهما التعب مبلغا كييرا ويكون نهاية المعركة التراشق بالطين، إلى أن يقع كل واحدا من شده الارهاق ولا يقدران على الرمي، بينما تتدحرج المزيد من المخلفات نحوهما ولا نرى من يقوم بدحرجة هذه الأشياء.

كأنهما ينتظران صوت الرعد القوي لكنه لا يأتي ويبدو صوت الريح يتضخم أكثر وأكثر وتهب ريح ودخان كأنه دخان الضباب ويتحول المشهد للوحة تشكيلية يلعب فيه الضوء دوراً هاماً.
ويعود كل شخص يتدثر ببطانيه وهما في حالة سيئة.

تمر لحظات ننتظر أفعالا جديدة ثم يحل الهدوء ويعود القليل من الضوء
نسمع سعلاتهما
ثم صمت
نسمع الأول وهو يتنهد ثم ينشد بصوتٍ مؤثر ويتفاعل مع النص ويؤديه بحركات وتلوينات صوتية ليشدنا مع كل صورة :ـ
الظلام أسود، أسود، أسود والليل بارد بارد بارد والأشباح تملاء المكان،
خوف وطلقات بعيدة تردد الجبال الجبال والوديان صداها،
الأسلحة تجمدت فوقها الأيدي،
الدم الحار التصق بالقصب البارد
حبات الرصاص كانت دافئة مثل القلوب القليلة التي تخفق بالربوة..
الليل طويل، طويل، طويل،
الدقائق دهور والساعات عصور
هل يدرك اولئك معنى الموت؟
الأعين بامتعاض عن المدينة التي تقبع وراءهم
الربوة تُشرف على سهل والسهل أجرد أغبر ـ الوان الموت ـ لا لون آخر للسهل
كل شيء أغبر
الناس والتراب والصخور
الشجر القليل المتناثر
العيون تتعود على الظلام لكن البرد يجمد الرؤيا
ولكنه لا يبلد الإحساس.
ما إن ينتهي من النص حتى يصمت قليلا وهو يرتعد
يصفق الشخص الثاني ويبدو أيضاً كأنه يشعر بالبرد ويثني على الشخص الأول:ـ
لم أكن أدري أنك شاعر وإحساسك مرهف لقد صورت واقعي وواقعك وواقعنا جميعا.
يرد الأول محاولا أن يضحك فتكون سعلة :ـ
أنه ليس شعري إنه من قول القاص محمد عبدالولي ببداية قصة الأطفال يشيبون عند الفجر.




يسأله الثاني مندهشاً :ـ
سمعت عنه ولكن ما يدرية بحالنا في هذه الليلة البارد؟
يرد الأول :ـ
مات محمد عبدالولي قبل نصف قرن وهاهو الزمن يدور والصراعات تقوى وهذه نتمناها الليلة الأخيرة..لنكتفي
أنا قررت ألا أرفع السلاح ضدك وحتى لا نتصارع لنفكر في شيء..ساعات قليلة وينقشع الليل وربما سينتهي هذا المكان ليكون حقلا من الياسمين والورود أو شيء جيداً.

الثاني كأنه متأثر بما سمع ويرد :ـ
أنا كذلك لن أرفع سلاحي ضدك وأتمنى أن يكون هذا المكان ساحة وملعبا للأطفال يلعبون ويتأرجحون دون خوف وحولهم الشجر والزهور والفراشات..ولكن علينا أن نكنس هذه الفوضئ، أنا أنظف مكاني وأنت تنظف مكانك ولا نعيد التراشق والاقتتال بقاذورات الأخرين.
يوافقه الأول ويبدأ كل واحد العمل وجمع المهملات وتكون الريح قد هدأت قليلاً والضوء جيد لحد نرى تفاصيل عدة.
بينما هما يعملان كل واحد بمكانه، كأن لود والألفة زادت بينهما، يقترح الأول أقتراحا وينادي الثاني :ـ
هي أنت ..ما أسمك؟
أتدري نحن هنا منذ زمن ولا نعرف أسماء بعضنا..حسنا لا تهم الأسماء مارأيك أن نغير الحديث ونبحث عن بعض المرح؟
يسأله الثاني :ـ
ماذا تقصد نقول نكت؟
الأول متحمساً :ـ
فكرة جيدة جدا
الثاني يفكر ثم يوافق :ـ ولكن بشرط ألا تكون بذيئة أو تسخر مني
يوافقه الأول :ـ
حسناً لتبدأ أنت.
يتقدم الثاني وكأن في فمه نكته ولكنه يعجز يبدأ بالكلام :ـ
مرة كان في واحد ….لا مرة كان في أثنين ..لا أسمع ..أحاول أتذكر نكته..قبل هذه الحروب متأكد أني كان عندي نكت وأحلام وحبيبة وربما أبناء وبنات
يحاول أن يتذكر ويبذل جهداً كبيرا ويصاب بخيبة أمل أنه لم يتذكر ولا نكته، يعتذر بحزن :ـ
أعتذر..لم أضحك منذ وضعوني بهذا المكان وأصبحت العراقب والثعابين معي ولم أعد أضحك ولكن قل أنت نكته ربما بعدها أتذكر واحدة.
يكون الأول واثقا من نفسه ويتقدم أنه يستعرض ويؤدي تحية للجمهور ويبدأ :ـ
ولا يهمك أنا عندي ألف نكتة، أغرقك وأغرقكم نكت وهيا أمسكوا نفسكم ..رأح تضحكوا لما تموتوا
حسنا..قال مرة كان في واحد..واحد وهذا الواحد..لحظة ..أمسكوا نفسكم هذا الرأس مليان نكت وشعر وقصص
قال مرة كان في اثنين..صح كان في أثنين ..
يبدو عليه الإرتباك والحرج ويهذي بصوت منخفض ولكنه يظهر أن حالته تشبه حالة الثاني ويحاول ويضرب على رأسه ويكون غير مصدق لما يحدث له، يصرخ وكأنه يعتذر :ـ
أقسم لك ..أقسم لكم أني كنت أحفظ المئات لا أدري ما الذي أصاب ذاكرتي!
يحاول الثاني تهدئته :ـ
ربما تُشرق الشمس بعد ساعات وتنتهي هذه الصراعات ونعود لحياتنا الطبيعية، سئمت الظلمة والبرد والخوف والشك في كل شيء.
الأول يتنهد ثم يبكي بصوت منخفض :ـ
عندما يعجز الإنسان أن يتذكر نكتة واحدة ليضحك للحظة واحدة فهذا ربما فقدنا كل شيء بدواخلنا أي إنسانيتنا.
يرد الثاني وهو متألم أيضا :ـ
هم يتحملون مسؤولية كل هذا الخراب الذي حل في الأرض وفينا..كثيرون هنا وفي مثل هذه الأماكن الموحشة مغرر بهم أو باعوا لهم الوهم والخرافات والوعود .. هم اولئك الذين أجرموا وكل من ساند ودعم و..وو
أعجز عن تصور أننا بقينا أغبياء كل هذا الزمن حتى فقدنا كل شيء.

الأول، يبدو مرهقا، يتحرك ببطئ، يجلس ويتدثر ببطانيته، يحاول الثاني أن يضحك لكنه يبكي، يتحرك أيضا ويتدثر ببطانيته، يشتد صوت الريح، تحدث حركة بمؤثر خارجي تبعثر العلب الفارغة.
نسمع عدة ضربات قوية للرعد مع ضعف الضوء
يضعف الضوء أكثر وأكثر
ضربات رعد قوية
النهاية

One response to “ليلة عاصفة..”

  1. صورة أفاتار Hamid Oqabi
    Hamid Oqabi

    نص اعتز بنشره على مجلة كناية وارحب بملاحظاتكم
    حميد عقبي

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.