كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

المدراء وماهية الشعر..


حسين علي يونس




” لي من العمر حوالي سبعين سنة وقد كرست الشطر الأكبر من حياتي للأدب، وليس في استطاعتي ان اقدم اليكم مع ذلك سـوى شـكوك”. هذا ما قاله بورخيس وهو يتحدث عن الشعر في محاضرته ” لغز الشعر”.
بورخيس الذي لم يكن يعجبه “مفهوم الشعر”، رغم انه هدر سبعين سنة من حياته ليفهم جوهره وماهيته. ولم يستطع ان يصل الى اية نتيجة يمكن ان يركن اليها مطمئنا، وكان يعتقد جازما ان الشعر ضرب من اللاهوت والميتا فيزيقيا ، وان كلمة “شعر” مرادفة لكلمة الصانع او الخالق مجهول الهوية ،الذي لا يمكن تأطيره وحده تحت اي شكل كان ،لأن ما يمكن ان نؤطره نحده ونخرجه بالضرورة من دائرة الفيض التي كانت ولا تزال احدى شروط الشعر الخالدة. ولأن الشكل الشعري مرتبط بما ينجزه العصر الذي انوجد فيه، والذي يسعى بشكل ما الى الخصوصية المرتبطة بلحظة “انوجاده” وبالزمن المحدود وهو منغلق بدائرة لها بداية ونهاية فهو يقف ضد نفسه في الزمن التالي الذي يليه. يعتقد الناس أن هذا الشعر الذي ينتجونه هو الشعر في اقصى تجلياته، لأنهم يكرسون وجهة نظرهم في هذا الاتجاه وننسى القضية الاساسية فيه التي لا يمكن سبر غورها ابدا.
ضمن هذا المفهوم الذي يعني “الشيء” ويعني نقيضه، لا يمكننا ان نتحدث عن شيء واحد بالضرورة.
طيـب، لنتناول الموضوع بشكل آخر ومن زاوية نظر اخرى، ولنلقي نظرة على نوعين مختلفين من الشعر التقليدي القديم ولنقل الشعر العمودي والشعر الذي يكتب بطريقة النثر، المسطور على هيئة كتلة والقصيـدة الحرة مثلما يقـول البعض هذه الايام . نحن نعرف ان الشعر يكمن في كلا النوعين بقدر ما يكمن في وجهة نظرنا، النسبية او المطلقة ،عن الشعر، وهكـذا فنحن نعيد انتاج بيركلي الذي كان يعتقد (ان طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها.. فالتفاحة بذاتها لا طعم لها وليس في فم من يأكلها وانما هو في التواصل بين الاثنين).. وهكذا نصل إلى نتيجة يمكن تلخيصها بما يأتي :
سبق ان قلنا ان الشعر الموسوم بقصيدة النثر هو شـعر عصري ،حديث ومكتوب بطريقة تتناسب والمرحلـة الـتي يـمـر بهـا القـرن،شكلا ومضمونا. وعلى هذا الاساس يمكننا ان نقول هو “شعر حداثوي” ويمكننا ان نتحدث عـن الحداثة الشعرية من خلالـه ،وان نتحدث عنه من خلال الحداثة، رغم اننا تجاوزنا الآن هذا المنظور، فثمة ما بعد قصيدة النثر التي تحدثنا عنها قبل اشهر في بيان سبق ان نشرناه في مجلة كناية ومن المرجح اننا سنمضي قدما في تجاوز هذا المفهوم ايضا ،لأنه سيكون نتاج عصره وزمنـه ولا يخضع لمجموعة من القواعد التي يبني عليها البعض وجهة نظره.. المسرفة في” تاريخا نيتهـا ” وحتى لا نبخس الشعر العمودي التقليدي المسـرف في قدسيتـه، حقه من تلك القداسة التي اهتزت مع تعاقب الزمن والقرون ، و(حتى لاتتهـم قصيدة النثر بالتقليدية) ايضا نقول، الشعر (المتخلف الشكل) الذي ينبغي ان نعيش داخل القرون المنصرمـة مـن اجـل ان ( نتذوقه) او ان نحس بـه. لقد كان ذلك النوع الشعري وجهة نظر اولئك الذين فكروا به ،وكتبوه مثلما تمثلوه، ومع ذلك فلقد ظل الشعر متعاليا وخارجا عن حدود التسمية ، التي تتسم بكونها قبلية، ولا دخل للشعر الخالص بها ابدا ..من منظور متعال .
فهـل يدرك اولئك الذين يتحدثون عن حداثة الشعر العمودي عن اي شـيء يتحدثون. حين يدخلون في كبد الماضي ، حاملين عدتهم وملبسين ذلك الماضي ثوبا جديدا ،غير ثوبه القديم الذي كان فيما مضى يزهو بجماليته ،ايام نعيق الغربان على الاطلال وصفير الريح. ترى اليس من حقنا ان نتساءل بدورنا ، على اعتبارنا نعيش في قلب العالم الحديث والمعاصر ترى اين توجد هذه الحداثة هل هي في الشكل البدائي الذي طوته يد القرون ،وكنسته مطارق التجارب ،ام هو في المعنى الذي ضاق كثيرا بعد ان تبدلت وظيفة الاشياء وتعقد الكون . لقد مات الشعر التقليدي منذ زمن بعيد ولم تدق نواقيس دفنه ،واذا كان قـد بـقـي يـراوح في مكانـه طـوال قرون ،فذلك لأنه رسـخ من خلال مؤسسـة كانت تعيد تكراره ، خدمها وخدمته وها هو اليوم ،يرجع بقوة من خلال ظاهرة “الشعراء المدراء “الذين يتحكمون بالمؤسسات التي تتبنى هكـذا نوع من النظم ،لا يختلف كثيرا عن مدونة ابن سينا الطبية، عن فوائد الاعشاب وطبيعة الغازات وألفية ابن مالك التي تتحدث عن قواعـد النحو.
وعودا على بدء نقول ان المؤسسة التي رسخت هكذا نوع، رسخها بدوره من باب تبادل المنفعة وفي ظل مديح الحماقة واصل هذا الشكل حياته ميتا ، فيما ظلت المنجزات العظيمة ، نصوص النفري والحلاج والسهروردي المقتول وكتب ابو حيان التوحيدي وشحطات البسطامي وكتب التواريخ وتلك الكتب التي عنيت بعلم الكلام واللغة والفلسفة التي بقيت خارج حـدود التـداول الا فيما ندر ،محاربة في زمنها لأنها نصوص حداثويـة، طمرت في ذلك الزمن واعيد اليها بريقها في بدايات القرن والقرن الذي سبقه قليلا .
يقـول البعض ان قصيدة النثـر وما بعد قصيدة النثر هي قصيدة ترجمة ويعتقدون ان هذه سبة ومثلبة ،رغم ان قصيدة النثر وما بعد قصيدة النثر هي وليدة ونتاج عملية نقل حية ومعاصرة ،وابنة زمنها الممتد والمتصل فيمـا المطلوب من قبل خدم المؤسسات ،ان نظل نعيد انتاج نماذجنا القديمة البائسة ،الشائعة والمتعارف عليها ،والتي تخدم بنية النسق بسبب تماشيها ،مع سلطة النظام ،تلك الـتي لم تستطع ان تتجاوز عتبة ما يمكن ان يصل اليـه المفهوم “قصيدة النثر” و” ما بعد قصيدة النثر” بصفته فيضا. تلك هي المعضلة الضخمة حقا. حين يتحدث البعـض عن “حداثة الشعر العمودي” وما شابه فمن حقنا نحن ان نتساءل هنا ترى هل من الممكن لصق مفهوم الحداثة بالشعر التقليدي الشعر العمودي الذي يكتبه ويروج له بعض المدراء والاكاديميين الذين كانوا يشعرون بعقدة النقص المتأتية من دسامة المنصب وبريق الشعر، المرتبط بالشحة والصعلكة (بالهامش الحي) فيسعون الى سد هذه الفجوة من اجل مسك المجد من جانبيه، دسامة المنصب وبريق الشعر . ترى هل هي حداثة ممتدة خارج سياقها كما يروج بعض الكتبة من نقادنا الافاضل فعلا ام ان ذلك يأتي من منطلق اسـناد الشاعر النظام حين يكون صاحـب منصب ويكتب هذا النوع من الشعر البالي الذي لم يعد جيده يغري بالقراءة وسائقو العربات وبياعو الهريسة عندنا اصبحـوا لا يتذوقون هذا النوع مـن الشعر ، بيـنـمـا يحصـل البعض علـى جوائز مـن ….. الـذين اصبحوا يكتبون الشعر و يدلوننا على مكامن الشعر وحقيقة الشعر بعد هذا الشوط الطويل الذي قطعه/ والقطيعة التي دقها شـعراء كبـار في بنية الشعر التقليدية ابتداءا من حسين مردان، والسياب، وسـعدي يوسف، وحسب الشيخ جعفر ، والبريكان، وسركون بولص، وعبد الرحمن طهمازي، فاضل العزاوي واخرين. ذلك هو العجب العجاب حقا .
يا لها من ظاهرة مدمرة للشعر، ظاهرة “الشعراء المدراء” الذين يستلمون مناصبهم ويظلون يشغلونها الى نهاية حياتهم مكرسين نمطهم سيء الصيت تحت خيمة الانفتاح والدمقرطة رغم ان قصائدهم المزعومة هي التي خربت الارواح والوطن والتي لم يجف حبرها .
وهكذا يريد النظامون ان يعيدونا الى الخلف قرونا الى الناقة والخيمة، مسنودين بحاشية تمتهن الارتزاق وتواصل دق الاجراس. “فليحترس هؤلاء الموظفون، الذين يُزمعون توجيه الشعر في مساراتهم الخاصة”، كما قال الكسندر بلوك قبل قرن بينما كان يموت في حجرته الرطبة جوعا .

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.