حميد عقبي
“حينما الشعر للألم” هو عنوان ندوة “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات”، احتفاءا بالشاعرة المصرية أمينة عبد الله، شارك فيها كل من: الناقد التونسي عبدالجليل حمودي، والناقد السوري المقيم بباريس نبيل شوفان والناقد اليمني حميد عقبي، وكانت من إعداد وتقديم الناقد العراقي حكمت الحاج، والتي عقدت افتراضيا مساء الخميس 28 ديسمبر، وبحضور الشاعرة.
لقد كانت ندوة جيدة ومهمة ليس فقط للشاعرة الضيفة وربما أيضا للكثير من الشاعرات، فالنقاشات حلقت في سقوف عالية ولم تنحصر في إبداعات أمينة عبدالله وخاصة في ديوانيها “كان الماء عبدا ساجدا”، و”بنات للألم”، وجميع النقاشات مفيدة وثرية بعيدا عن المبالغات الزائدة.
شخصيا، كمشارك، فقد استفدت من هذه الندوة ورغم أني سبق وأن كتبت مقالة عن تجربة هذه الشاعرة بعنوان “أمينة عبدالله وتقديس الأنوثة” وتجدونها بموقع “كناية”، لا أريد تلخيص الندوة ولا تكرار ما قلته سابقا وسوف أحاول ولو بشكل مختصر التطرق لنقاط جديدة قد تفتح شهيتنا لمثل هذه الكتابات ومحاولة فهمها لآن كنقاد ومبدعين نتأثر بطرق مباشرة وغير مباشرة بكتابات وإبداعات المبدعات وفي كل أشكال الإبداعات.
لا يوجد مبدع ولا عمل فني أو أدبي يخلو من صورة الأنثى، ولا توجد ملحمة أو أسطورة أو خرافة خلت منها، وحتى الذين يناصرون الذكورية ويقدسونها تكون أعمالهم ناقصة، لا فن، لا جمال وإبداع يخلو من الأنوثة.
هذه الندوة باعتقادي تفتح افاق جديدة للشاعرة أمينة عبدالله ومبدعات كثيرات يتشاركن معها في الأفكار والأساليب والطموحات. وسيكون من المهم العودة لمشاهدة وسماع الندوة كاملة على صفحة فيسبوك كناية. أحاول تلخيص بعض النقاط التي طرحتها :ـ
1 المرأة ليست صورة واحدة..
في كتابات الشاعرة أمينة عبدالله سنجد صورا متعددة للنساء، بعضها يأتي بسيطا، عفويا، حياتيا وواقع معاش ترصده الشاعرة، يمتزج الذاتي مع الجمعي، الحلم بالوهم، والأمل بالخيبات. كذلك سنتلمس الاسلوب التأملي التصويري ، مثلا قولها :ـ
كارهات بشدة استدارة القمر باثداهن
يحملنها ـ الطبيعة ـ الامهن الشهرية
الحمل/الولادة/ الرضاعة
أشياء تظلمنا فيها الطبيعة.
ثمة بحث عن مخالفة المألوف فالقمر كصورة للجمال والرقة نجده هنا في شكل صورة مكروهه ودلالة للالم وليس الجمال.
الثدي، هنا اشار الناقد عبدالجليل حمودي لذكاء الشاعرة في اختيار كلمة ثدي وليس النهد وذلك للدلالة الوظيفية أي منح الحياة أي الارضاع واضيف كذلك الاطمنان النفسي للرضيع أو الرضيعة؛ النهد والصدر من المظاهر الجمالية التي تتفتخر بها المرأة لكن في أوقات ما، فالثدي وقبضات الصدر قد تبشر بالألم كما نعلم بحالات الحمل/الولادة/ الرضاعة والحيض.
كأن ثمة حلم وعتاب للطبيعة أن تتخفف هذا الألم ورغبات للسكينة والسلامة .
أسئلة متعددة عن الرغبة واللذة والبوح بها.
في كتابات أمينة عبدالله، الكثير من تقنيات التصوير بأشكال مباشرة وغير مباشرة لقراءة الواقع الكوني المتناقض، لمعرفة كينونة المرأة الكائن وهي تصورها كثير كالضحية، هي الأنثى المقهروة أو يزج بها إلى دوائر البؤس والقهر والذل والحرمان وقد تصل حالتها لدرجة الاستعباد، ثمة دعوة للرؤية أولا كأن الشاعرة تحمل بعض النساء والمجتمع النسوي جزأ من هذا الواقع وتسعى أن يكون مسموعا ومحسوسا لياتي بعدها دعوة التغيير والثورة.
لدى الشاعرة مواهب وقدرات تصويرية تظهر وتختفي وسيكون جيد أن تهتم أكثر بهذا الجانب التصويري متعدد الدلالات وكذلك المخالف للمالوف وأن تجتهد للخروج من المباشرة شديدة الوضوح والتي لا تحمل أي نوع من الشعرية.
2 شاعرة شجاعة..
تبرز الشاعرة بشجاعة وجهة نظرها تجاه قضايا شديدة التعقيد كعقد الزواج والسفر الحر والخروج الحر وممارسة العبادات بمفردها ودون وصي وكأنها أيضا تشير لفهم المرأة لهذه الشعائر وهذه العقود الاجتماعية لتكن عقود شراكة وليس خضوع وعبودية، مثلا هي تؤيد العشق، وتبحث عنه وتحلم به وتقدسه.
نظرتها للرجل متعددة، فهي تصور واقع الحال المعاش بمجتمعه المصري وأغلب المجتمعات العربية والشرقية، أي قوانين مكتوبة وعرفية وعادات وتقاليد تعطي سلطة وقداسة مطلقة للرجل أي الزوج،اأب، الأخ الكبير، ولي الامر وربما العشيق المتسلط و..و…، كل الأشكال السلطوية وخاصة في مجتمعاتنا فهي متعددة وتتكاثر.
كما أنها تنتصر وتعطي قداسة لطبيعة المرأة وفي كل حالاتها كالحيض مثلا فهو ينقي دمها ويجعلها ملكة كما في نصها:
لا اكره الحيض
بيد أنه يصفي دمي
ويجعلني ملكة كل شهر.
نستنتج أنها مع طبيعة المرأةإذنولكنها تتمنى أن يتخفيف الالم لبعض هذه المظاهر المتعبة جسديا.
لا نلمس نفورا مبالغا من الآخر أي الرجل لكنها تتمناه بمواصفات خاصة وكأنها تريد ترويضه وتلطيف سلوكياته، وعندما يصل لبعض الكمال والإنسانية، هنا، قد قبلته وعشقه من مصادر قداستها كما النص في
ص 47 من ديوان بنات للألم.
تتمنى الرجل الذي يتذكر حبيبته في كل حين وليس وقت المضاجعة فقط وقد نفهم من خلال هذه النصوص ويصل إلينا أننا مع شاعرة وامرأة تحب الجنس، تتذوقه وتقدسه، وربما كل امراة كذلك ولكن أي جنس وكيف؟
فهو ليس الفعل الميكانيكي الجسدي الشهواني وكأنها تبحث عن شراكة الروح مع الجسد قبل وخلال الجنس وبعده. ونرى في نصوصها أن رحم الله بهجة العالم الميتافيزيقي له قداسته الخاصة.
3 ملاحظات أخيرة..
الشاعرة أمينة عبد الله تكره الضعف الداخلي بذاتها وتسعى أن تتخلص منه وتنتقل إلى القوة وكذلك تنتقد الضعف النسوي العام ولديها تقسيماتها المثيرة للجدل حول أنواع النساء وقد لا ترضي هذه التقسيمات النساء والمجتمع النسوي بمجتمعها والشاعرة كأنها تقترح تفاهما مشتركا داخل هذا الكيان.
هي وإن شتمت واعترضت وانتقدت الرجل إلا أنها كذلك تفتح باب الحوار والبحث عن شراكات وتقوية الشراكات.
ثمة طرق سردية متعددة تغوص فيها بشكل فني لتوليدات شعرية وقد تغادر الدراما وقد تتهرب من الدرامية لتكون أكثر تلقائية أو الاصح عفوية وتنزع إلى الأنا وخاصة ختام الديوان وثمة هذيانات متفرقة متعددة الفهم والتأويل.
رابط مشاهدة الندوة موضوع المقال:
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1743132112852524&id=100012422385303
أضف تعليق