حاورها: أنور بن حسين/ كناية، تونس
احتضن المعهد العالي للفنون والحرف بمدينة سيدي بوزيد معرضا فرديا للفنانة التشكيلية شيماء الزعفوري يتواصل حتى موفى هذا العام وضم لوحات مختلفة التقنيات والمحامل. وهذا المعرض يعتبر سبقا نوعيا إذ أن الجهة تحتضن لأول مرة معرضا تشكيليا فرديا لأحد أبنائها الذين يعودون بالحنين والحب إلى مسقط رأسهم فيكون للإبداع وازعا إنسانيا وارفا يتعمق من خلال علاقة الإنسان بالمكان. الزمن يمر ولكن المكان لا يتغير يظل ثابتا شامخا وكذلك مكانه في قلب الفنانة شيماء الزعفوري، حبها لمسقط رأسها ثابت لا يتزعزع ولا تحركه الرياح العاتية وهذا ما جعلها تعود ومعها “مورفيوس” اله الأحلام لتحلم مع أهالي مدينتها بغد أفضل وبواقع أجمل مما هو عليه. هكذا يبعث فينا الفن الأمل ويعزز انتمائنا إلى المكان الذي نشأنا فيه وتبقى أصوات الطفولة تلاحقنا فيظل الطفل يرتع داخلنا… نكبر ولكن المكان هو سيدي بوزيد كشعلة تزهر في الغياب.
التقيناها على هامش هذا الحدث الثقافي في ربوع سيدي بوزيد للحديث حول تجربتها الإبداعية ورؤيتها للفن فكان هذا الحوار:
– لماذا اخترت اسم “مورفيوس” للمعرض. هل هو اختيار موظف وله غايات جمالية؟
– تعود تسمية مورفيوس إلى اله الأحلام في الميثولوجيا الإغريقية و قد استلهمت من هذه المرجعية لتكون منطلقا لبناء عوالم أسطورية موازية تجعل من الخيال مطية لها لخلق روابط وصل بين الإنسان والكون والطبيعة وخلق ديناميكية في عوالم تشكيل تضج بالحياة والعناصر والشخوص والمفردات ضمن أبعاد علائقية مستحيلة لا يجعلها مشروعة سوى ممكنات الحلم والذي لا يجد وسيلته المثلى سوى في الفن حيث يصبح المستحيل ممكنا. ويكمن البعد الوظيفي في اصطلاح المورفيوس كتسمية منتقاة بعناية لما تحمله من أبعاد ضمنية مثلت هدفا للمعرض ككل والذي طمحت من خلاله إحداث نقلة نوعية في مسقط راسي سيدي بوزيد ليكون أول معرض فردي للفنون التشكيلية على أمل أن تكون من إشراقات الفن بالمنطقة لتحفيز الطاقات والمواهب والرؤى التشكيلية حتى تجد حظوتها بسيدي بوزيد وتكون حاضنة للفنون التشكيلية ومنبتا لجيل جديد من الرواد في مجال الفنون البصرية.
– كيف ترين هذه التجربة مقارنة بالتجارب التي خضتها في معارض جماعية؟
– مقارنة بالمعارض الجماعية فإن المعرض الفردي يختلف عنها من عدة جوانب ويمكن تبويب هذه الاختلافات من زوايا شتى من قبيل اختلاف التقنية والأسلوب ووسائط التشكيل وإنشائية كل عمل فني والتي تختلف من فنان إلى أخر لذلك تتجلى معظم هذه اللمسات على اختلاف تنوعها من عمل لآخر في المعارض الفنية الجماعية في مقابل أحادية اللمسة والبصمة والطابع في الأثر الفني التشكيلي داخل المعرض الفردي. وهذا لا يعني أن المعارض الجماعية غير مهمة ولكن اختلاف التجارب وتنوعها يثري المسار الفني ويوسع نطاق التجربة ويجعل الفنان في تواصل مع التجارب الأخرى.
– نعود دائما إلى السؤال البديهي والمتجدد والذي كثيرا ما يُطرح على الفنانين والمبدعين: ما هو الفن في نظرك وأي دور يلعبه الفن اليوم؟
– الفن كمفهوم لا يمكن حصره في تعريف واضح إذ طرح سجالا فكريا وفلسفيا في إطار البحث عن الماهوية والجوهر ولعل هذه الخاصية المتعلقة بالفن كمفهوم هي ذاتها التي تحمل تعريف الفن و تكشف عن ابرز خصائصه فالفن حالة ديناميكية من الإبداع الحر الذاتي أو الجماعي والتي تكون من خلاله عملية الخلق مستمرة وتتسم بالطرافة والخروج عن السائد والمألوف سواء من حيث الوسائل الإبداعية ووسائلها وتقنياتها وأساليب طرحها وعرضها وتقديمها. أما بالحديث عن البعد الوظيفي للفن فإننا لا يمكننا أن نجعل الفن منحسرا في أبعاده وأهدافه الوظيفية خصوصا بعد مساءلة تاريخ الفن ومساراته الحديثة والمعاصرة وفن ما بعد الحداثة التي تحولت بالفن نحو أفق تخطت الجانب الوظيفي له كنشاط وفعل وممارسة فأسست لما يعرف بالفن من أجل الفن علاوة عن الفن ضد الفن كما الحال في حركة الدادائية وغيرها… لكن لا يمكن أن نتغاضى أيضا عن وجود البعد الوظيفي للفن في بعض جوانبه سيما إذا كان الفن يحمل رسالة أو مرتبطا بفكرة ما أو قضية مجتمعية و إنسانية أو أطروحات فكرية تعرض واقعا ما أو تنتقده أو تعالجه فتعرض فكرا وتولد أشكالا وتخلق سؤالا خاصة إذا كان الفن يعرض وسائله ليتجلى في خضم ما يشهده العالم من وقائع وأحداث ومستجدات لأجل ذلك تدخل الفن كثيرا لنقد الفاشية ولنصرة الحرية وقضايا الشعوب وحقها في تقرير المصير وتعرية الوجه القبيح للحرب و أثارها على الحياة والوجود والكون.
– ما هي المدارس التي تأثرت بها في تجربتك الفنية وما هي التقنيات التي اعتمدتها في معرض “مورفيوس”؟
– أعمالي مستوحاة من المدرسة التكعيبية، السريالية والوحشية. إنها خليط من التقنيات و المعارف الفنية المركبة التي تمتزج مدركاتي الحسية فتولد اللوحة على سطح المحايثة. وهذا الإدراك هو لعبة ثنائية فالإحساس متغير ولكن العالم الخارجي ثابت أي أن الفنان بشكل من الأشكال يتفاعل مع محيطه ليشكل رؤيته ولمسته الخاصة به، فهو يترجم لغة العالم من خلال شعوره العميق بالأشياء. في تلافيف الألوان والأشكال التي تتراقص على قماش اللوحات، تجد أعمالي مأوى لروح المدرسة التكعيبية التي تعيد تشكيل الواقع في أبعاد جديدة، حيث يصبح المعتاد غير مألوف، والبسيط معقدًا، وكأن الأشياء تُرى من خلال عين مجهرية. وفي السريالية، أستكشف عوالم اللاوعي، حيث أنه نسيج من الأحلام التي نحياها في عالم الخيال الفسيح، فأرسم مشاهد تتحدى المنطق والزمان والمكان. أما الوحشية، فتمنحني الجرأة لاستخدام الألوان الجامحة وضربات الفرشاة العنيفة التي تُظهر العاطفة الخام والقوة الغريزية. وهذا الدمج بين المدارس الفنية يعطي للألوان طاقة تفاعلية مع الآخر فتحاور ذهنه وتثير دهشته وتجعله ينخرط في عالم أثيري هو عالم الجمال الذي نظل نبحث عنه في كل التفاصيل. وتتغذى أعمالي بالأبعاد الإنسانية تلك التي تترجم الأحاسيس المتدفقة من قلب الفنان ووجدانه إلى اللوحة. إنا ليست مجرد تمرين في الأسلوب والأداء، بل هي تعبير صادق عن العاطفة الإنسانية التي تكون ذاتية فتصبح قيما مشتركة فالفن يعزز مفهوم الغيرية لأن الآخر بتفاعله مع الأثر الفني يتواصل معك ضمنيا ويثري العمل من خلال تأويلاته ورؤيته الذاتية للعالم والوجود.
* التقاها بتونس: أنور بن حسين






أضف تعليق