مقال متعلق بالندوة العلمية لقسم العربية بجامعة صفاقس
أسماء المصفار
مقدمة
حرّر هذا المقال بعد متابعة الندوة العلمية التي نظمها قسم العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس الموسومة ب: في الظاهر De L’explicite وقد استفدنا ممّا وظّف من مداخلات علمية في مختلف الاختصاصات التي كان لقضية الظاهر حضورا كبيرا فيها.
باعتبار أن طرح موضوع الظاهر اللغوي أو غير اللغوي (الصوري، المرئي) وكيفية تناوله في الثقافة العربية يعدّ من أهم المواضيع المطروحة لأنّ عدم تسليط الضوء على مثل هذه المسائل من شأنه أن يخلق لبسا على كل المستويات وذلك في ما يتعلق بعمليات الفهم والبيان والإيضاح وبالتالي التواصل والاتصال والإدراك الصحيح للمفاهيم والأشياء.
ما الظاهر؟
الظاهر هو الذي يُظهر أنّه المعنى المحتمل الراجح المقابل للتأويل دون غيره، ويعود مصدر الاختلاف
في هذا الظاهر إلى الاختلاف في المنهج المعرفي عند كل فرقة أي بين من يغلب عليه النقل، وبين من يُحكّم العقل، وبين من ينهج المنهج الحدسي والعرفاني. وللظاهر أثر في مناهج النحويين واللغويين ومناهج البلاغيين والفقهاء والمفسرين.
فالظاهر لغة هو الواضح الجليّ، والبادي والراجح، وتطلق في الاصطلاح مقابلا للباطن والخفيّ والغامض. وليس المراد بالظاهر عموما إلّا عالم الشهادة المقابل لعالم الغيب، أو عالم الحضور المقابل لعالم الغياب وهذا أوّل معاني الظاهر وأوسعها وأعمّها. وقوام هذا المعنى وأساسه الاتّفاق وإقرار المواضعة أي الانقياد إلى ما تعارف عليه الناس على أنّ الكلام أو العلامات اللغوية أو غير اللغوية منها كلّها تقود إلى معنى، سواء بالوقوف عند دلالة الألفاظ أو بالاستعانة بالمعارف العقلية الضرورية والنظرية أو بالحدس والانكشاف.
إذ إنّ التردد في التسليم بمبدأ المواضعة والاكتفاء بالظاهر يقودنا إلى عالم من المجهول ويفقدنا إدراكية الأشياء بشكل لا نوقن أنّه حقيقي محض وإنما يقرب من الحقيقة نوعا مّا ولو كانت حقيقة نسبية لأن حقائق الأشياء لا تدرك بشكل كلّي وباعتبار أنّ كل الحقائق قابلة لأن تُؤوّل وتُدرَس وتخضع للتحليل والبحث والتمحيص. ومن ناحية ثانية لا نقول أنّ الكلام لا يفيد ظاهره معناه بشكل قطعي، إنّما يجب أن لا نقطع مع التأويل والغوص في الباطن لاستخراج الخفي ممّاهو ظاهر.
يقول أبو حامد الغزالي في تفريقه بين أهل الباطن والظاهر في كتابه “فضائح الباطنية”: “أمّا الباطنية فلُقّبوا بها لدعواهم أنّ لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللّبّ من القشر، وأنّها بصورها عند الجهال الأغبياء صورا جليّة، وأنّها عند الأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة”.
ويقول النيسابوري في ذلك أيضا:” اعلم أنّ مقتضى الديانة ألّا يؤوَل مسلم شيئا من القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي (ص) والسلف الصالح، مثل الجنة والنار والصراط…
ولكن يجب أن يثبت تلك الأعيان كما جاءت، ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزا ولطائف بحسب ما كُوشف فلا بأس فإنّ الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصور إلا وله نظيره في عالم المعنى، وما خلق شيئا في عالم المعنى وهو في الآخرة إلا وله حقيقته في عالم الحق وهو غيب الغيب، وما خلق في العالمين شيئا إلا وله نظير في عالم الإنسان”.
إنّ عدم الاكتفاء بالظاهر في المعاني اللغوية يشمل النصوص الدينية والأدبية والفنية والسياسية. فيكون المنطلق هو اللغة، ومحاولة الغوص في الباطن تدفعنا إلى التأويل، والتأويل من شأنه أن يجعلنا لا نقع على المعنى الكلّي للغة حتى بعد النظر في السياق الذي تنزلت فيه لأنه إذا وصلنا إلى المعنى النهائي لن يبقى هناك داع للكتابة هذا من ناحية، وتأويل ما يكتب ينبغي أن لا يوصلنا إلى حلّ نهائي لأننا من خلال التأويل ومن خلال الكتابة نطلب فقط الحقيقة الرمزية التي هي مطلب يطلب وليس الحقيقة الكلّيّة وهذا من ناحية ثانية.
الانسجام النصّي وتحولات مفهوم الظاهر في تفسير النص القرآني
في ما يتعلق بالنصوص الدينية والقرآنية فهي أيضا تخضع إلى ثنائيتي الظاهر والباطن حتى وإن كانت مقدّسة لا يصحّ النقاش فيها فهي قابلة للتحليل والتفسير والشرح والتأويل وكلّ يؤوّل حسب رؤياه وفهمه ومذهبه. لذلك فإنّ هاجس الضبط يبقى هاجسا اجتماعيا يأخذ الأولوية حتى على معرفة ما يريده الله من كلامه المقدّس، وإنتاج المعنى في مستوى التأويل يحتاج إلى مستوى أوّلي للفهم يتعلق وجوبا بالظاهر باعتباره ضامنا لعدم الزيغ، لكنّ هذا الظاهر وتفسيره ليس فعلا بسيطا ومتاحا ومنتهيا من السهل المرور منه واعتماده لممارسة التأويل، هو ظاهر مسكون دائما باحتمالية في الفهم منذ تعريفه.
وتؤكّد التأويلية النقدية التي أخذ فيها الفكر المعاصر وهو يدّعي التنوير والتجديد على الخروج على هذا الظاهر، وقد كان من الصعب أمام التأويلية النقدية أن تنشد وضعا لحدود تخرج به عن الظاهر وأن تضع آفاقا تراهن بها على التجديد مثلا عندما نأخذ مثالا أنموذجا لذكر ما ورد في تفسير ابن عربي لقوله تعالى:” فاخلع نعليك إنّك بالوادي المقدّس طوى”. من أنّ موسى عليه السلام قد أُمر بخلع نعليه إجلالا بحسب الظاهر، إلا أنّ ذلك لا يمنع أن يكون للآية معنى باطنا، فنعل موسى كان من جلد حمار ميّت، والجلد يعني الظاهر والغطاء، والموت يعني الجهل، والحمار يعني البلادة، فكأنه قيل له اخلع الظاهر والبلادة والجهل لتنكشف لك الحقيقة”.
لذلك نقول إن للتأويل مدخلا أساسيا في فهم اللفظ في سياق العبارة أي في سياق لغوي للعبارة في النص، ثم الانتقال إلى توظيف السياق المقامي أي السابق واللاحق أي ما يتعلق بالزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ثم في السياق الاستشرافي، وهو أنه كيف سيتمّ تطبيق نص شرعي على الواقع والمستقبل بدون النظر إلى نظرية الاستصلاح، أي استخراج ما يناسب الواقع والوقائع من معاني مقتبسة من كليات الشريعة لذلك وضع الأصوليون الظاهر في سياق الواضح.
نشأ خلاف بين أهل التأويل وأهل الظاهر بسبب بعض القضايا المطروحة مثل القضايا النحوية التي تندرج تحت قواعد الظاهر وتتعلق بها وتعدّ مخالفتها تأويلا نحويا ونذكر منها الحذف والتقدير والزيادة والتقديم والتأخير والمجاز والمشترك اللفظي والتوكيد والترادف. إلا أننا نرى أنّ قواعد الظاهر التي تقدم الحديث عنها تُلزم بالأخذ بالكلام على ماهو عليه من غير تصرّف أو تغيير، مما يعني أن يكون الأصل هو الكلام المنجز المادي، أما التأويل فهو يقوم على دعوى وجود أصل آخر غير الصورة الظاهرة.
لذلك تتعدد مستويات الظاهر وجزئياته فنجد الظاهر النحوي الذي يتعلق بالتركيب والإسناد ويشمل كل صفة وموصوف ومضاف ومضاف إليه ومبتدأ وخبر وفعل وفاعل وغيرها من التركيبات النحوية مما يمكن أن يُحمل على ظاهره أو يُتجوّز فيه. فإذا كان النص لا يحتمل التأويل فلا كلام فيه لأنه كان مجملا، وأما ما كان له ظاهرا محتملا للتأويل فهو المقصود هنا.
نذكر مثالا في ذلك في تتبع بعض وجوه الإسناد من قبل الشريف الرضي الذي يبين العلاقة بين الفعل والفاعل الذي أُسند إليه مبينا أنّ الفعل قد يستند إلى الآخر مطلقا كما تقدم في قوله تعالى: يذبّح أبناءهم . ( آية4، سورة القصص)
ونجد كذلك الظاهر الأسلوبي الذي يعنى بالمعنى الأصيل الذي يستخدم فيه الأسلوب والذي تنتج منه أشكال لفظية دالة على المقاصد، مثل القسم والتمني والدعاء وغير ذلك مما يعبّر عنه بالأساليب الإنشائية ماهي إلا المقاصد والأغراض.
فالشارح المفسّر إذا قام بحمل الكلام على ظاهر الدلالة التي يؤدّيها ذلك الشكل فإنّه يكون متأوّلا للأسلوب
مخالفا للظاهر، إلا أننا نوقن أنّ متتبّع الكلام العر-بي بالتحديد يجد كل الأساليب تخرج عن ظاهر /معناها أحيانا غلى معاني الأساليب الأخرى وتحمل عليها. وكذلك نجد الظاهر السياقي أو الظاهر المقامي الذي يتعلق بالمواقف الاجتماعية التي يساق فيها الكلام أو بقصدية المتلفظ، فكثيرا ما يسوق المتلفظ ملفوظات لا يقصد بها ظاهر معناها وإن وافق معجمه ونحوه وصرفه وأسلوبه ظاهر المقام، إلا أنه قد يدخل عليه المجاز من جهة المقام الذي يساق فيه الكلام، ذلك أنّ الكلام الواحد قد يختلف معناه باختلاف قائله أو باختلاف المقام الذي قيل فيه. ومن هنا يكون الكلام ملبسا يحتاج إلى بيان المناسبة التي قيل فيها أو المقام الذي تنزّل فيه لذلك فإنّ الكلام أيضا يختلف ظاهره ولا يمكن إدراك فحواه الحقيقي إلا بالنظر للمتكلم والمخاطب وفهم طبيعة العلاقة بينهما ومراعاة اختلاف البيئة الاجتماعية التي قيل فيها. لذلك لا يمكن أن نكتفي بماهو ظاهر لأن الجملة الواحدة قد يكون لها معان مختلفة بحسب قائلها حيث يخرج الكلام عن ظاهر معناه.
مساهمة الفنون في تجاوز الظاهر
نولي جانبا كبيرا من الأهمية لما جاء في الفن التشكيلي باعتباره يخضع لثنائية الظاهر والباطن، وسنعتمد على ما تناولته إيمان بالحاج في مقالها الموسوم ب:
مساهمة الفنون في تجاوز الظاهر، اللوحة التشكيلية أنموذجا.
تخضع دراسة الصور واللوحات الفنية والتشكيلية مهما كان نوعها إلى ثنائية الظاهر والباطن، إذ إن لكلّ عمل فني عدة أوجه يمكن أن تدرس من خلالها. فاللوحة الفنية مثلا تستنير الإحساس الجمالي للمتلقي مع ما تحمله من أشكال وألوان وما تتضمنه من إيحاءات ومعان مقبولة كانت أو مستهجنة في الوقت ذاته، والقراءة الظاهرية الخارجية للعمل الفني لا توصلنا إلى رسالة الفنان الحقيقية ومكانة اللوحة تكمن في إدراك أبعادها الإنسانية ومعرفة حقيقتها، حيث يتفاعل المتلقي مع الصورة بصفة تخاطبية عندما تسترعي ذاكرته وثقته. نذكر مثلا لوحة “غرنيكا” للفنان الإسباني بيكاسو والتي اعتمدناها نموذجا لكشف الظاهر وتجاوزه لنتبين كيفية مساهمة الفن بصفة عامة والفنون التشكيلية بصفة خاصة في تحديد المعنى الفريد ومدى توغل اللوحة الفنية في الظاهر وتجاوز معانيه الخفية من خلال لوحة “غرنيكا”.
تخضع لوحة “غرنيكا” إلى قراءتين تتمثل الأولى في قراءة الظاهر، أما الثانية فتكمن في قراءة الباطن الخفي فيها.
وإني أرى أنّ اختراق الظاهر للوحة يعدّ من أساسيات الدراسة الصحيحة والفهم الصحيح لها وذلك عبر الغوص في أعماق المعاني والدلالات والألوان والرموز للكشف عن الخفي والماورائي وتعتبر “غرنيكا” من أقوى الأعمال الفنية السياسية في التاريخ، إذ يصوّر الفنان مجموعة من الضحايا من هول القصف بعضهم ميّت وبعضهم الآخر يحتضر، ففي هذه اللوحة يتزاحم الحيوان بالإنسان غير أنّ حضور الحيوان كان رمزيا وثقافيا أكثر منه واقعيا حيث يمثل النور بعدا أسطوريا ورمزيا للمقاومة والصبر والصمود والثبات مع نظرة دهشة وحيرة وذهول.
ويرمز العصفور إلى الحرية والسلام في اللوحة، أما الزهرة فهي دليل على الأمل في الحياة، وترمز الأم الباكية بحرقة وألم على ابنها الذي فارق الحياة وربما توحي هذه اللوحة إلى بكاء العذراء على المسيح.
ركّز الفنان على إبراز ملامح الوجه كجزء أساسي، أما بالنسبة للألوان فهي مؤثرة وبشكل كبير في نفسية المتلقي ولكن لوحة غرنيكا أحادية اللون تهيمن عليها القيم الضوئية فتخلق نوعا من الانسجام والتناسق.
إنّ للوحة بنيتان متباينتان شكلا ومضمونا: الفضاء الخارجي والخلفية. أما الفضاء الخارجي فهو الجزء المضيء من اللوحة يبرز المأساة ومعاناة الشعب ويعبّر عن الحالة النفسية التعيسة للشخوص المجسدة فيها، أمّا الخلفية فهي سوداء وهي عبارة عن مسرح للجريمة وبالتالي يمكن أن نقول عنها أنّها تخضع لمجموعة من الثنائيات المتضادة مثل الموت والحياة، الثبات والحركة، العاقل وغير العاقل، الصمت والصراخ، العتمة والنور، الأمل واليأس. وكلّ هذه الثنائيات هي التي تحدّد القيمة الدلالية للعمل وتسمح للرموز بأن تؤدي وظيفتها التعبيرية بكلّ دقة، إذن فإنّ جلّ الفنون التشكيلية تعتبر آثارا فنية لها علاقة بالتاريخ يطمح من خلالها الفنان إلى إعادة صياغة الوقائع حسب ما يوليه من انطباعات وانعكاسات بشكل رمزي.
لذلك يمكن القول إن الأعمال الفنية تبقى مرجعا للبحث والدراسات بشكل لا محدود.
الظاهر والخفي في النصوص الأدبية (رواية يوميات سراب عفان لجبرا إبراهيم جبرا أنموذجا)
وظفنا ما اعتمدته الأستاذة سلوى السعداوي في الندوة العلمية في الظاهر
في ما يتعلق بالظاهر في الخطاب الروائي نطرح سؤالا فنقول: هل يقول الروائي أو السير ذاتي كل شيء بشكل واضح دون تخفّ أو مناورة؟
وهل يوجد خطاب بريء مطلقا؟
يبقى الحديث عن ظاهر الأقوال والأفكار والأعمال منقوصا ما لم تعاضده إثارة موضوع المخفي والضمني، إذ تكتمل علاقة الظاهر بالضمني في القراءة التأويلية بواسطة أدوات معرفية ولسانية وفلسفية وثقافية عامة يمتلكها قارئ نموذجي يتجاوز سطح الكلام أي البنية السطحية والهوية الواحدة لينفذ إلى البنية العميقة، إلى دواخل الشخصيات وأفكارها ويكشف رؤاها أي إيديولوجياتها الضمنية بل وينخرط في لعبة وضع القناع ونزعه متقمّصا دور اللاعب المخاطب، والإشكال هو: لماذا وضع اللسانيون والتداوليون قوانين الخطاب المضمر ونبّهوا إلى كفاءات المتكلمين اللسانية والموسوعية دون التكلم بشكل مباشر؟
إنّ الظاهر كماهو معلوم اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع في نفس الصيغة ويكون محتملا للتأويل كالضمني تماما.
فالظاهر والخفي لعبة الأضداد التي لا يخلو منها كل خطاب مهما كان نوعه، ومهما كانت ثقافة منتجه، تلك الأضداد المحقّقة للاكتمال الخطابي والفكري تلخّص طبيعة الكون الروائي في كلّيته وفي حيوات الشخصيات وتلخّص الوضع البشري عامّة وطبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعات خارج فضاء التخييلات. فمثلا نأخذ قضية تحديد الهوية الأجناسية لبعض النصوص التي يقع اللبس فيها في ما يتعلق بتحديد جنسها إذا كانت رواية أو سيرة ذاتية أو رواية بوليفونية أو رواية غيرية. وعادة ما يكون عنوانها الظاهر مغالطا لما جاء في متنها وهذه القضية إما أن تكون متعلقة بقصدية صاحب الأثر او بعدم قصديته أي دون إدراك منه، لأنّ الشارح و المحلل للنصوص هو الذي يضطلع بوظيفة اختراق الظاهر وذلك بعد نظره في خصائص الكتابة الروائية والقضايا المطروحة وتوظيف أنماط الخطاب والرموز والعلامات، فمثلا في رواية يوميات سراب عفان لجبرا إبراهيم جبرا لعلّ ما بدا لقارئها أنّها ظاهر لا لبس يقرأ فيها من القراءة الأولى، يُلغز على قارئ ثان، فتتوتر ملكة الفهم عنده وتنتهي الحكاية دون أن تُدرك أسرارها، من خلال النظر في العنوان: “يوميات سراب عفان” نلاحظ أنّ صاحبها ينزّلها ضمن جنس الرواية، وظاهر التحديد واضح، لكنّ القارئ الذي يكتفى بما جاء في الظاهر يجعله يقع فريسة هواجس أخرى سيجدها بيُسر أو يدركها في ثنايا النص المدروس. وما يبدو جليّا هنا هو اليوميات التي تتصل اتصالا وثيقا بالأدب الذاتي. إلا أنّ القارئ العادي يمكن أن يكتفي بما وجده على غلاف الكتاب، لأنّه يكون مدركا أنّ الظاهر يحيلنا على هذا الجنس ولكن رغم ظاهر التحديد ويُسر التنزيل في الخانتين المعروفتين، فإننا إذن سنجد عالما آخر متشابكا من الأجناس والأقوال والأبواب والأشكال ظاهرة وضمنية. أمّا في ما يتعلق بمستوى القصة المروية يعسر في الظاهر تبيّن نسيجها وفهم أحداثها ومنطقها وانسجامها، وتحديد الراوي المسؤول على نقل الأحداث وسردها، وتحديد الراوي المسؤول على القص، فقد بُنيت رواية يوميات سراب عفان على أربعة فصول يتناوب فيها راويان على السرد، هما: سراب عفان ونائل عمران، وبذلك سيعسر على القارئ العادي تبنّي هوية المتكلم في الرواية لأنها رواية تتعدد فيها الأصوات و بذلك فسيكون التعدد هو منبع حيرة القارئ.
ولا يقتصر ذلك على رواية يوميات سراب عفان فقط وإنما على كثير من الروايات الأخرى مثل لعبة النسيان لمحمد برادة، خلسات الكرى لجمال الغيطاني، إسكندريتي لإدوار الخراط…
خاتمة
إنّ الذي يكشف عنه البحث هو أنّ مفهوم الظاهر الذي طرحه اللغويون العرب ماهو إلا موقف حذر في مسألة ارتباط اللفظ بالمعنى، ولا يعني ذلك الارتباط العقلي، وإنما الارتباط العملي من حيث وقوع آثاره، وحتمية دلالته أو عدمها، والبحث يظهر أنّ اللفظ دال عندهم غالبا على المعنى، وإن جاز أن يدلّ على غيره أحيانا أو يدلّ على أكثر من اللفظ أحيانا أخرى، أو لا يدل على شيء من الناحية اللغوية في أحيان ثالثة، لكنّ ذلك كله لا يعني أن نتجاوز قيمة الألفاظ رأسا وأن نقول إنه لا عبرة بها صنيع الوظيفيين، ولا أن تكون الألفاظ حاكما مطلقا على المعاني بصورة صارمة. فالكلمة بعد أن تصاغ صياغتها الصرفية فإنّ القالب الذي دخلت فيه يدل على معنى ما، يضاف إلى معنى مادتها أو يقيّد به، ذلك المعنى هو أيضا يدل على معنى ظاهر كالفعلية والاسمية، وفي الفعل قد يدل على المضيّ أو المضارعة أو الاستقبال من ناحية الزمن، ويدل على أشياء أخرى كالثبوت أو التجديد.
لذلك فقد حظي مفهوم الظاهر باهتمام كبير من قبل اللغويين، فأقروا بضرورة ارتباطه بالتأويل وجوبا إلا أنّ الجدل في هذه المسألة طويل بين أهل الظاهر وأهل التأويل إذ يرى أهل الظاهر أنّ التسليم والأخذ بقواعد الظاهر تلزم بالأخذ بالكلام على ماهو عليه دون تصرف أو تغيير، مما يعني أن يكون الأصل هو الكلام المنجز المادي، وأما التأويل فيقوم على دعوى وجود أصل آخر غير الصورة الظاهرة، لذلك فإنّ الظاهر والتأويل إنما هما تطبيق لازدواجية الأصل. وخلاف الأصل الذي يقوم عليه النحو العربي ذلك أنّنا مثلا نجد بابا من أبواب النحو والصرف إلا ويقال إن الأصل فيه كذا وكذا، أو أنّ هذا جاء على أصله أو جاء مخالفا لأصله. ولعلّ أصح تحديد لمفهوم الظاهر هو ما يذكره الجرجاني حين قال:” اسم لكلام ظهر المراد منه بنفس الصيغة، ويكون محتملا للتأويل والتخصيص”. ويتضح من هذا التعريف أنّ خلاف الظاهر ليس النص والمجمل فحسب، بل القول المرجوح كذلك أو المتأوّل على وفق اللغة. إنّ الكلام في قضية الظاهر يعدّ من أبرز القضايا التي يطول القول والبحث فيها ذلك أنّها مسألة إشكالية تمسّ علوم واختصاصات عديدة.
________________
[1] الغزالي، فضائح الباطنية، تح: عبد الرحمن بدوي، القاهرة، المكتبة العربية، دار القومية،1964،ص11.
[2] نظام الدين النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، د.ت، ص57.
[3] آية 12، سورة طه.
[4] انظر الفتوحات المكية، ج1، ص193.
[5] الشريف الرضي، حقائق التأويل في متشابه التنزيل، شرح العلامة محمد الرضا آل كاشف الغطاء، دار الأضواء، بيروت، ص.ص 26-27.
[6] إيمان بالحاج، مقال علمي ضمن الندوة العلمية لقسم العربية “في الظاهر”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، بتاريخ الجمعة 3 مارس 2023، الجلسة العلمية السابعة.
[7] سلوى السعداوي، مقال علمي ضمن الندوة العلمية لقسم العربية “في الظاهر”، بكلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس، بتاريخ الجمعة 3 مارس 2023، الجلسة العلمية السابعة.
[8] الجرجاني، علي بن محمد الشريف، كتاب التعريفات، مكتبة ساحة الرياض، الصلح، ط5، بيروت، مادة (ظ، هـ، ر).
أضف تعليق