كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

هوامشُ المعْطوبين: عوالمُ الوحشة والتحدّي.. قراءة في نصوص بيات مرعي المسرحيّة

لطفي ابراهم



للنصّ المسرحيّ خصوصيّات تميزه عن سائر النصوص الأخرى وهو وإن انضوى تحت لواء علم السرد ( Narratologie) واشترك مع بقيّة فروع هذا العلم في بعض الأسس فإنّه يختلف عنها بجملة من المقوّمات التي تصنع فرادته .
وقلّة هم المبدعون الذين جرّبوا الكتابة في أجناس سرديّة أخرى إضافة إلى الكتابة المسرحيّة ولعلّ المبدع العراقيّ “بيات مرعي” من هذه القلّة التي توشك أن تكون حالة شديدة الخصوصيّة في الساحة الثقافيّة العربيّة تدفع الباحث إلى النظر والبحث في أعمال هذا المفرد بصيغة الجمع ويحاول هذا المقال أن يقصر النظر على وجه واحد من وجوه هذا المبدع المسكون بالتعدّد وهو وجه الكاتب المسرحيّ من خلال كتابة الموسوم “نصوص مسرحية الجزء الأول”
وطيّات ” نصوص مسرحيّة” اثنا عشر نصّا صدّرها صاحبها بتمهيد وسمه ب” بقعة ضوء” وهذا التمهيد عتبة الكتاب التي وجب الوقوف على جليّة أمرها قبل النظر في متن النصوص .
“بقعة ضوء ” أو ضوء عتبة المتن .
تقصّد بيات مرعي أن يصدّر نصوصه المسرحيّة بعتبة وسمها ب” بقعة ضوء ” والمخاطَب في هذه “البقعة ” هو القارئ فتكون العتبة حينها إضاءة لعتمة النصّ وتوضيحا لبعض المسائل التي أراد صاحبها توضيحها فليس لهذا النصّ المتصدِّر من وظيفة غير تأمين قراءة جيّدة للنصوص التي تليه
ولمّا كانت العتبة تالية للنصّ الأصليّ كتابة ، وإن كانت مُتصدِّرة له فضاء ، فلن يبقى لها غير وظيفة إنارة القارئ بمُراد صاحبها ، إنها حاجة الكاتب إلى أن يرشد قارئه وأن يقدّم له مُوجّهات تصون قراءته وتصوّبها على شاكلة موجِّهات أو دليل استعمال الآلات وأدوات العمل التي نشتريها والعتبة إلى ذلك سياج يحمل القارئ على ألا يخرج عن سلطان صاحب النص فلا يقول في النصّ ومعانيه بما لم يقله صاحبه ولا يزيد في فهمه أو تأويله على فهم الكاتب ومقاصده .
لئن امتدّت ” بقعة ضوء ” على صفحة واحدة تصدّرت الكتاب فإنها كانت ثريّة في محتواها وفي كشف ما أصرّ صاحبها على توضيحه من مسائل فمن بيان نوع النصوص التي تصدّرتها إلى أهدافه من كتابتها إلى إضاءات نقديّة حول تلك النصوص بنية ونوعا جاهد بيات خلال سطور العتبة أن “يحاصر” قارئه وألا يترك له حريّة أن يجوس بين نصوصه بفهمه واجتهاده فقدّم له دليل استعمال وموجّهات قراءة أحاطت بكلّ ما وجب قوله حول متن النصوص.
يكشف بيات منذ البداية نوع النصوص التي كتبها فاذا هي ” تنتمي إلى أدب الفكرة وصوت الضمير ” وإذا هدفها الأوّل أخلاقيّ يعبّر عن قيم المجتمع في مسرّاته وأحزانه وهي في نفس الوقت محمّلة ” بالقيم الفنيّة والجماليّة الرفيعة والمتعة والتشويق منتصرة للقيم الإنسانيّة “
ولا شك أنّ هذه النظرة الأخلاقية للنصّ المسرحيّ تستمدّ جذورها من المسرح الأرسطيّ وتعاليمه التي تجعل الأخلاق جزءا من الأجزاء الستّة المكوّنة للمأساة بل يُحلّ أرسطو الأخلاق المرتبة الثانية بعد الحكاية / الخرافة ( le fable ) ، لكن وجب التنويه إلى أنّ ” أخلقة ” فعل الكتابة الأدبيّة ( la moralisation de la littérature) أو النقد الأخلاقي ( critique moral ) موجة في النقد الأدبيّ أثارت ، وما زالت ، خلافات عميقة وكثيرة بين النقّاد والمشتغلين بالنصوص الأدبيّة لتعدّد مفهوم الأخلاق وثراء مراجعها وتحوّل دلالتها تاريخا وحضارة .
وقد تغلب الانطباعيّة على هذا القسم من العتبة فتحمل صاحبها على حشد مفردات متباعدة دلالة ومراجع كحديثه عن ” القيم الجماليّة والفنيّة” ثم ” القيم الكونيّة” ثم ” فنيّات المتعة والتشويق ” وهذا “الانطباعية ” جانبت الدقّة في كثير من توصيفاتها وقدّمت أحكاما وتقييمات قبليّة للنصوص التي تليها تؤثّر في تقبّل القارئ النصَّ وتسلبه لذّة اكتشاف بكارته حسب عبارة بارط ويصرّ بيات على لعب وظيفة المرشد والموجّه حين يعمد إلى تجريد ذات ثانية ناقدة ناظرة في متن النصوص اللاحقة مُحلِّلة لها مُقيِّمة لمحتواها ، ونحن في العتبة وفي النصوص التالية لها أمام ذات واحدة هي الكاتب وصاحب العتبة لكننا بلا شكّ أمام مُتلفّظين مُختلفين وأمام مَلفوظين مختلفين ملفوظ نقديّ وآخر إبداعيّ ينتظرنا خلف هذه العتبة.
وفي ملفوظه النقديّ يحاول بيات أن ييسّر نصوصه على القارئ وأن يكشف له بعض أسرارها فيحدّثه عن تنوّع بناها وينبّهه إلى حقيقتها ” لا يقف البناء على وتيرة واحدة ” ويوضّح فلسفته في كتابة النصوص التي تعلي شأن الانسان ” ابن كوكب الأرض ” على اختلافه لسانا وثقافة ويقترح على قارئه “حاويات عروض ” لهذه النصوص مشدّدا على تعدّد إمكانات تحويل نصوصه إلى عروض تتنوع أشكالها ومدارسها ومرجعيّاتها فيمكنها أن تعرض في ” مسرح تقليديّ متواضع أو على رصيف شارع أو منتزه أو أي مكان آخر” ولعلّ ما وسمه بيات ب “حاويات العروض” مجرّد أطر حاضنة للعروض قد تيسّر “مسرحة النصّ” وتحويله إلى فرجة لكنها تظلّ مجرّد “فضاء ” و”مؤثّرات خارجية” ، مجرّد “مساحة فارغة” ( The Empty Space ) بعبارة بيتر بروك لا تصنع الفرجة فالفرجة تصنعها المعالجة الدراميّة للنص ويؤثثها التصوّر الإخراجيّ بكلّ ّعناصره ومكوّناته.
ويتحدّث بيات عن ” همّ الإنتاج الماديّ لنصوصه ” ليؤكّد أنّ هذه النصوص لا تتوافق مع القوانين الإنتاجيّة الباهظة التكاليف فهي تتّجه إلى مسرح بلا إنتاج ” لذلك جعل هذه النصوص تميل إلى ” الأجواء الأكاديميّة التي تؤسّس إلى أبعاد تجريبية ومختبرية لصناعة فنّ يرتقي الى المفهوم العلميّ للفنّ كقضيّة إنسانية ” وهنا تحديدا تقود اللغة صاحبها فتحمله على أن يجمع بين ما لا يجتمع فكيف يمكن التوفيق بين البعد الشعبيّ للعروض ‘ منتزه أو رصيف ” بكلّ ما تعنيه من انفتاح المكان وطبيعة الجمهور وضرورة تطويع الخطاب المسرحيّ لهذا الجمهور” الشعبيّ ” وبين البعد النخبويّ المختبريّ والأجواء الأكاديميّة لا سيما أنّ ” فكرة مسرح بلا إنتاج باهظ” يذكّرنا بتجربة ” المسرح الفقير” ( Théâtre pauvre) وتجارب سيرجي غروتوفسكي ( Jerzy Grotowski) مؤسّس هذا المسرح و صاحب ” المختبر المسرحيّ التجريبي ” ويذكّرنا أنّ البولندي صاحب هذه التجارب المسرحيّة الرائدة كان نخبويّا يكتفي بقاعة صغيرة لتجاربه المسرحيّة لا يتجاوز الجمهور فيها العشرين متفرّجا . ويختم بيات عتبته بتأكيد ضرورة “صناعة فنّ يرتقي إلى المفهوم العلميّ للفنّ كقضيّة إنسانيّة ” و لا شكّ أنّ المفاهيم هنا تتراكب دون تجانس أو منطق ينتظمها فمتى كانت صناعة الفنّ ” مفهوما علميا ” وهل للفنّ مفهوم علميّ من أساسه ؟
المتن المسرحي
طيّات كتاب بيات اثنتا عشرة مسرحية تفاوتت طولا وقصرا وغاب عنها تقسيمها إلى نظام فصول أو مشاهد باستثناء نصين هما ” الرقم السريّ ” الذي احتوى على تسعة مشاهد و”الفارس الصغير” الذي بني على ثلاثة مشاهد.
بناء النصوص.
نصوص بيات المسرحيّة مختلفة في بنائها ،متنوّعة في مرجعيّات كتابتها ، ماتحة من مشارب متنوّعة في الكتابة المسرحيّة لذلك اختلفت هذه النصوص في هيكلها العام فافتقد بعضها كلّ تبويب أو تقسيم إلى فصول أو مشاهد أو لوحات فاعتمدت جماليّة الاتصال ( esthétique de la continuité ) ومال بعضها الآخر إلى تقسيم النص ، على قصره مقارنة بالمسرحيّة الكلاسيكيّة ، إلى مشاهد متنوّعة تقلّ أو تكثر مثل ” الرقم السريّ ” ( قُسّم إلى تسعة مشاهد) و ” الفارس الصغير” ( قُسّم إلى أربعة مشاهد) فإذا هي خاضعة لجماليّة الانفصال ( esthétique de la discontinuité).
وبعض النصوص ، في بنيتها ، قريبة من المآسي الاغريقيّة مثل ” الضباب يقظ ” ، فنحن في هذا النصّ أمام “تراجيديا ” تتوفّر فيه أغلب شروطها من وحدات ثلاث زمانا ومكانا وحدثا ومن مقوّمات بناء تراجيديّ ( مقدّمة ودافع وذروة وانحدار وفاجعة ) وهي إلى ذلك تقدّم لنا بطلا( ساعي البريد ) لا يخلو من ملامح بطل تراجيديّ فهو يتحلّى بصفات النبل والصدق والإصرار على الذهاب بالفعل إلى منتهاه وهو يخوض صراعا تراجيديّا غير متكافئ ضد خصم قادر قاهر ( خطّاف ملك الموت) دون أن يتراجع إلى أن ينتهي نهاية فاجعة يسقط فيها صريع خصمه.
وبعض النصوص المسرحيّة الأخرى متمرّدة على قواعد المسرح التقليديّ فلا تكاد تبقي منها عمادا فنص” حلم الفناجس ” مثلا عماده الوحيد ” مونولوغ لسجين في زنزانة انفراديّة تعذّبه الوحدة وتطوّح به بين استغراق في أحلام يقظة واسترجاع شذرات من ماضي أيّامه قبل السجن فيسيطر على النصّ صوت واحد يلوّن العالم بألوان نفسه ويأخذنا إلى سرديّة ذاتية تمتدّ على فترات من حياته الماضية وفي غياب الحوار يسيطر “المونولوغ” على النص من بدايته إلى نهايته حتى يكاد يتحوّل إلى سرد نكتشف من خلاله عمل الشخصيّة ( محوّل سكك القطار ) وسبب سجنها ( رأفته بخروف تسمّر على سكّة القطار فسعى إلى إنقاذه ) ولا ينسى أن يقدّم لنا التهم التي كالها له خصومه فسُجن بسببها ( إهمال مهني جسيم تسبّب في كارثة للقطار وركابه ) ويصرّ السرد على تقديم نهاية خاطفة ومفاجئة فيكتشف القارئ مع السجين خيبته الكبرى نهاية النص ، فلم يكن يحاور طيلة فترة سجنه غير مرحاض خرب هو الذي ظنّ أنه يجاور ويحاور امرأة تسكن زنزانة وراء زنزانته ، وفنيّات لحظة الكشف والتنوير ، إضافة إلى مونولوغ أقرب إلى سرد استعاديّ وتكثيف واختزال حدثي تقرّب هذا النص المسرحيّ من جنس القصّة القصيرة بخصائصها الفنيّة الرئيسة.
وأنت في ” الشوط السابع ” و “سوق العظام ” و “عندما يسبقني الظل ” أمام نصوص لا تتطوّر فيها الأحداث وفق نسق واضح ولا تنمو فيها حبكة تتصاعد نحو التأزم فالانفراج بل نتف أحداث متفرّقة يعرضها مونولوغ يجري على ألسنة شخصيّات تحدّدت مصائرها منذ بداية النص، شخصيّات مختلفة ( مثقّف أمام مكتبته العامرة ومحارب محاصر بالقذائف والمطر عاجز عن النجاة ومحارب قديم محطّم يرزح تحت وطأة عُنّته ) لكنها ، على اختلافها ، تشترك في حال واحد الشعور بالانسحاق واللامعنى ، شخصيّات يداهمها يقين أنها تموت بالمجان دون سبب أو ذنب ، فقدت المعنى والهدف ولم يبق لها سوى مونولوغ يسيطر عليه الضجر واللاجدوى فيخاطب المثقّف نفسه و كتبه وهو يحرقها في “الشوط السابع” ويحاصَر المحارب في شقّة لا يستطيع أن يغادرها في “سوق العظام ” فيستعيض عن الحركة في المكان بحركة الخطاب المسرحي ينقلنا إلى ماضي الشخصيّة ويطلعنا على بعض أوجه مأساتها مثل فقده حبيبته ويخاطب المحارب ظلّه في “عندما يسبقني الظل ” يستنطق من خلاله عجزه ويهتك سرّه ، ويدور الخطاب حول نفسه التفاتا إلى الماضي واستحضارا لبعض لحظاته وهروبا من حاضر لا ضوء في أفقه وإذا هذه النصوص أقرب إلى ” المسرحيّة النقيض ( anti-pièce ) حسب عبارة “يونسكو” فلا تتطوّر الأحداث ولا تترابط بل نتف متفرقة ، وإذا النصوص مزيج من مسرح اللامعقول ومسرح القسوة ( Théâtre de la cruauté ) مثلما صاغة الفرنسي أنتونان أرتو ( Antonin Artaud) حيث تعرض كلّ أشكال القسوة والضياع النفسي والعذاب الجسديّ، وإذا هذه نصوص تتمرّد على مبدأ اللياقة الأرسطيّ حين تقدّم مشاهد صادمة عن الوحشيّة الإنسانيّة.
ويجد القارئ نفسه في ” الرقم السريّ ” و” الفارس الصغير” أمام مجموعة مشاهد مختلفة أطرا وشخصيّات ومراكز اهتمام هي لوحات مُنفصلة مُتّصلة مُتنافرة مُتكاملة فيُقطع المشهد في أكثر من مناسبة ونغادر الآن والهنا لنعود إلى الماضي والهناك وتُقلّب مسألة السلطة على أكثر من وجه في “الرقم السري ” ومظاهر من معاناة صبيّ متوحّد في ” الفارس الصغير” فكأننا أمام كاميرا متنقِّلة بين الفضاءات والشخصيّات في لوحات مختلفة ومتواشجة وتلك تقنية تقرّب النصّ المسرحيّ من النصّ البصريّ مثل السيناريو السينمائيّ أو التلفزيونيّ.
ويعمد بيات في نصّيه ” الرقم السرّيّ” و” قسما بالوجع” إلى تقنية المسرح داخل المسرح بتركيب الفضاء وتعدّد الأركاح وتغيّر الشخصيّات ومحاور اهتماماتهم استلهاما لبريخت وبعض تقنيات مسرحه السياسيّ وهو كذلك قريب من مسرح التسييس مثلما دعا إليه سعد الله ونوس من حيث العمل على شحن المتفرّج لا تفريغه وتطهيره ومحاولة حمله على الالتزام والثورة والمشاركة في الأحداث رفضا للواقع البائس من خلال لغة مباشرة تصوّر فظاعة جرائم الجناة وتُصدِر أحكامها عليهم وتدعو القارئ / المتفرّج دعوة صريحة إلى الفعل الثوريّ من خلال مشهد طعن عنيف لدمى تمثّل شخصيّات عالميّة معاصرة كان لها الدور في أحداث الحروب في العالم نهاية نص ” قسما بالوجع” مثلا .
الأماكن في النصوص :
تعدّدت الأماكن في المجموعة دون أن تتنوّع فلم تكن على اختلافها سوى صور متعدّدة لمكان واحد ففي أربعة نصوص ، ثلث النصوص ، كان المكان فيها مقبرة بتنويعات مختلفة ، فهو ” مقبرة ملكيّة” في “الجان والمجنون ” وهو “خرابة قديمة تُجمع فيها نفايات” في ” خيط من تراب ” وهو مقبرة في ” الضباب يقظ” وهو ” بيت عتيق كأنّه خرابة لا يصلح للعيش فيه ” في “عندما يسبقني الظلّ ” فتظلّ أمكنة الوحشة والموت سيّدة فضاءات هذه النصوص وما التنويع في صورها سوى تأكيد لهذه المعاني فإن خرجت أحداث بقيّة النصوص من المقبرة فإلى ” زنزانة شبه مظلمة” في “حلم الفناجس” أو إلى ” قبو أو مخزن ” في “هذيانات معطف ” حتى الأمكنة التي تبدو ضاجّة بالحياة مثل ” قاعة فخمة مخصّصة للاجتماعات ، مكان لاجتماع رسميّ عالي المستوى ” في ” الرقم السرّي ” أو مختفية بالجمال مثل معرض لوحات تشكيلية في ” أحمر قاني” أو علامة رقيّ إنساني يمجّد العقل مثل المكتبة الهائلة في ” الشوط السابع ” هذه الأمكنة العامرة الزاهية في ظاهرها يتسلّل إليها الموت ويخفت بريق الحياة فيها ويذبل ظاهرها المضيء لظلمة تغشاها وتنتصر عليها فتحوّلها إلى تنويعات أخرى للخرابة والمقبرة في بقيّة النصوص فلم يكن المعرض التشكيلي سوى نقل لمشاهد الموت من الواقع إلى اللوحات من خلال عرض لوحات تجسّد بشاعة الحرب وعوالم الموت والقهر ، ولم يكن هذا المعرض مجرّد عرض لصور الموت بل تخليدا للموت عبر وساطة الفن ، ولم يكن النصّ سوى تكثيف لمآسي الدمار والفناء وليست قاعة الاجتماعات الفخمة في ” الرقم السرّي ” غير مكان مغلق للدجل السياسيّ تُباع فيه الأوطان وتُهدر فيه قدرات الشعوب الغائبة المغيّبة ، القاعة في النهاية مقبرة لأحلام الشعوب وأمالها ولم تكن المكتبة الهائلة في ” الشوط السابع ” سوى مقبرة لكتب مثقّف بائس يائس يُحرق مكتبته القيّمة يطارده فزع السلطة ورعب ” غيستابو النظام ” فتصبح المكتبة مِحرقة للكتب ومقبرة للفكر والعقل والأحلام التي أنتجتها ولعلّ المكان الوحيد الذي مثّل الاستثناء الجميل وسط عوالم القبح والموت تلك كان في نصّ ” الفارس الصغير ” حيث ” غرفة جميلة الأثاث والمحتويات” لكن هذا الإطار الاستثنائيّ كان حاضنا لعالم معطوب مداره طفل يعاني التوحّد ويرفض تدخّل المساعِدة النفسيّة ، حتى هذا الاستثناء المضيء وسط عوالم الوحشة نلك كان اضطرارا فرضته طبيعة الشخصيّة الرئيسية في النصّ.
وإضافة إلى عوالم الوحشة والكآبة والظلمة التي سيطرت على الأمكنة في هذه النصوص يوجد ميسم آخر طبع هذه الأمكنة الكئيبة ذلك هو الهامشيّة ، كلّ الأمكنة في هذه النصوص تحيل على الهامش بشكل أو بآخر ، هامش جغرافيّ ( مقابر على أطراف المدينة ) وهامش اجتماعي طبقي ( سكن أحياء وسط أموات على أطراف المدينة ، قاعة اجتماعات ضخمة فخمة يعزل عنها ” أبناء الشعب “) وهامش ثقافيّ ( مكتبة خاصة في بيت مُثقّف مُهمّش مُطارد مُرتعب ومعرض تشكيليّ على هامش الثقافة الرسميّة وجمهورها )
الشخصيّات في النصوص.
لم تكن الشخصيّات في نصوص بيات المسرحيّة مختلفة عن الأمكنة فهي شخصيّات تفتقد التنوع وإن تعدّدت ، فليست سوى تنويعات على نموذج واحد متعدّد يتكرّر بمرموزات مختلفة ذلك هو الهامشيّ والذين يعيشون على هامش الجمع والجماعة. ونصوص بيات شديدة الاحتفاء بالهامشيين تعدّد صورهم وترسم مشاهد من حياتهم بعيدا عن المركز ، كل مركز . فشخصيّات نصوصه كلّها تقريبا تعيش على هامش المدينة في المقابر والخرابات كما تقدّم في الحديث عن الأمكنة بل على هامش الحياة فلا مأوى ولا طعام إلا من المزابل، لقد فقدوا كلّ أسباب تشدّهم إلى الاجتماع والانتماء فأراحوا واستراحوا ، سقطوا من حسابات ” الآخرين” وأسقطوهم من حساباتهم لذلك لا يكادون يحملون وسما وعلامة تقرّر انتماءهم الشخصيّ أو الاجتماعيّ أو الفكريّ فهم مجرّد أرقام لا جوهر لها فهم خمسة شحاذين يحملون أرقاما في ” الجان والمجنون” وهم مشاهد 1+2+3 ونادل أ ونادل ب في “الرقم السرّي ” ويُكتفى في ” الشوط السابع” بالإشارة إلى الشخصيّة بضمير الغائب المفرد “هو ” ويتكرّر الأمر نفسه في “عندما يسبقني الظلّ ” فاذا الحوار طرفاه “هو” وظلّه وهكذا تتحرّك في فضاء الخطاب المسرحيّ شخصيّات دون علامات تحيل على انتماء إلى وطن أو جهة أو أيديولوجيا أو مذهب ، شخصيّات دون هوية فرديّة أو جمعيّة ،دون عمق اجتماعي ، فإن حضرت هذه الهويّة فليست سوى وسم اجتماعيّ فضفاض لا يُعين ولا يُبين. وأقصى ما يهب بيات لشخصيّاته من هويّة وسما ” مهنيا ” من مثل ” طبيب” وصحفيّ” في ” قسما بالوجع ” فلا نكاد نعثر على وسم شخصيّ إلا لعدد قليل من شخصيّات النصوص المسرحيّة كالإشارة إلى رجل ستينيّ يدعى سمحون في ” خيط من تراب” والطفل مازن الذي يعاني التوحّد في “الفارس الصغير”.
وليست هذه الهامشيّة في الشخصيّات وضعا أصليّا خُلِقت عليه بل هو سيرورة انتهت إليها فلم تخلق الشخصيّات على هامش الجميع بل نشأت وسط الآخر وانتمت إليه زمنا ولم يكن الهامش اختيارا من الشخصيّات إلا أقلّها بل كان اضطرارا وضرورة فرضتها الجماعة وحملتهم عليها فالشحّاذون في “خيط من تراب ” كانوا قبل انتهائهم إلى الخرابة يمارسون أعمالا شتى بعضهم اشتغل في سرك ثم طبّالا خلف راقصة لكن كساد سوق عملهم ساقهم إلى الخرابة والسجين في ” حلم الفناجس” كان قبل سجنه عاملا مُجدّا بالسكّة الحديد يحوّل سكك القطار حتى تسبب في إزهاق أرواح بشرية نتيجة إهماله فسجن وظلّ طيلة فترة سجنه يتمايز عن الجمع الذي أدانه يرونه مجرما تسبّب في انقلاب القطار وإزهاق أرواح ويرى نفسه قلبا كبيرا حاول إنقاذ خروف وقف على السكّة وليست شخصيّة ساعي البريد وفي ” الضباب يقظ ” هامشيّة فهي لم تخلع انتماءها الاجتماعي وظلت طيلة النصّ متمسّكة بهذه الهويّة المهنية الجمعيّة بل إنّ هذه الهويّة المهنيّة هي التي تحملها إلى نهايتها المأساوية فبسبب حرصها على أداء وظيفتها في إيصال رسالة مهمّة إلى صاحبتها خرجت من زمن الدوام الرسميّ إلى هامش الزمن المهنيّ ومن وسط الاجتماع البشريّ الى أطراف المدينة حيث المقبرة فكان في ذلك نهايتها حيث لقيت “خطّاف ” ملك الموت الذي انتهى إلى خطف روحها منفردا على هامش المدينة الغافلة عنها.
والخروج عن الجمع والعيش على هامشه اختيار وليس اضطرارا في بعض النصوص فالسيد سمحون رفيق المتشرّدين الخمسة في” الشوط السابع ” هرب الى الهامش بعد أن قتل زوجته الخائنة ، اختار الهروب من الجماعة لأنه يرفض الخيانة وتطارده الجماعة لأنها ترفض في الظاهر فعل القتل ولو كان “قصاصا ” من خيانة ، وقد لا يكون الهامش الذي تعيشه بعض الشخصيّات ضرورة انفصالا ماديا أو مكانيا أو جغرافيا عن الجماعة بل قد يكون الهامش نفسيا أساسا فالمثقف في” الشوط السابع ” شخصيّة دون هويّة دون اسم أو ماض أو مهنة أو غير ذلك، شخصيّة يشار إليها بضمير ” هو ” تعاني رعبا خفيّا جليّة مظاهرُه مجهولة أسبابُه فيعمد إلى حرق كتبه باختياره ظاهرا لكنّ خطابه الأحاديّ يفضح رعبه من عيون المخبرين وشُرَط النظام الذين يتشمّمون الثقافة ورائحة المثقفين ، جنح ” هو ” إلى الهامش فلزم بيته هربا من الآخر وخوفا منه لكنه ظلّ يحمل هذا الآخر بين جنبيه قهرا وهلعا ففي مجتمع القهر لا يسلم حتى الذين يلزمون بيوتهم.
شخصيّات نصوص بيات المسرحية مأزومة قلقة تعاني انسحاقا طبقيّا وانفصالا اجتماعيّا وغربة فكريّة روحيّة تجعلها لا تجد نقطة التقاء مع الجماعة فتهجرها طوعا أو كرها ، تطلب المستقرّ بكلّ أرض فلا تجده إلا في الهامش فتألف فرديّتها ولكنها لا تعلي فردانيتها فالفردانيّة كما أعلنتها الحداثة الغربيّة إيمان بالذات واعتداد بها وإعلاء لها وتمرّد بها على الانتماء الجمعيّ وجسد القطيع لكن الشخصيّات في نصوص بيات بقايا ذوات فرديّة معطوبة مكسورة منذورة للقلق والرعب والوحدة.
وليست أغلب الشخصيّات في هذه النصوص سوى رموز أو أقنعة تحمل رمزيّتها في وسمها أوليس “خطّاف ” في الضباب يقظ” سوى ملك الموت القاهر يخطف أرواحنا في غفلة منا وليس ساعي البريد سوى أحدنا يسعى طيلة حياته في خدمة غيره فينسى نفسه حتى إذا عاجله الموت أدرك أنه نسي أن يحيا والشحّاذون في ” خيط من تراب ” يقتاتون من صفيحة زبالة “مطعم الأمراء” بل وينتظرون هذه الوجبة الشهيّة بفارغ الصبر” هم رمز العامة المفقّرة والمجوّعة والمهمّشة التي تقتات على فواضل قلّة من الخاصّة والأمراء في مجتمع لا يرحم ، يُتخم أغنياؤه بالطعام الفاخر ويشحذ البقيّة فضلات طعامهم من المزابل وسعيد في ” الجان و المجنون” شخصيّة متّهمة بالجنون، وقد لا يكون الجنون “مرضا” بل حكم ووسم اجتماعيّ تطلقه الكثرة على القلّة ، وبتصنيفها في خانة المجانين يتحرّر سعيد من قيود العقل فيأتي ما يعجز عنه العقلاء فيغلظ القول للملوك بل يخلعهم وينتصب مكانهم ويظلّ يردّد في ثقة وهو يقف على قبر الملك ” أنت لست بملك ..لست بملك بل أنا الملك ” فسعيد سعيد بجنونه الذي حرّره من قيود الجماعة وحرّر لسانه من قيود الآخرين فانطلق بما لا يقدر بل بما لا يجرؤ الآخرون على قوله ، يلعن الجميع الملك والأطفال الذين يطاردونه في الحواري وأباءهم وأمهاتهم ، يقول في جنونه ما لا يقدر عاقل على قوله فهل السعادة إلا أن تحيا لنفسك متحرّرا من الجميع.
وفي “الشوط السابع” تحضر شخصيّة المثقّف وحيدا يتمترس أمام مكتبة ضخمة في بيته يسيطر عليه رعب مقيم من آخر قد يقتحم البيت كلّ حين فيسارع المثقّف المرتعب إلى إحضار برميل يوقده تنورا يلقي إليه كتبه يحرقها بساديّة لا تليق بكتب رافقته عمرا ، ولن ينسى وهو يلقيها في النار أن يشيّعها بنظرات شماتة وحزن وإشفاق ونقمة ،فهذه الكتب سرّ مأساته وسبب خوفه يلقيها في النار ليتطهّر من آثارها لكنها تعزّ عليه فيرثي لها ولحالة ” عذرا ستأكل النار منك كما أكلت أفكارك مني سنين طويلة ” يحزنه احتراقها ” يرميه في النار ويأخذ في البكاء ” يحرقها خوفا منها ، من زبانية غلاظ شداد تثير الكتب سعارهم وخوفا عليها من أيد عابثة لا تعرف لها قيمة ولا قدرا. إنه صورة أخرى من نيرون يحرق روما لا لأنه يكرهها بل تعبيرا عن حالة عشق ووجد حدّ الفناء بل ليس حدث حرق مثقّف لكتب رافقته عمرا وفاخر بها دهرا ليس سوى فعل خِصاء ( castration) للذات إمعانا في إذلالها وتبخيسها في وطن يتوجّس خيفة من الثقافة والمثقفين، إنّه خِصاء يستهدف رأس المال الرمزيّ الذي يميز المثقّف ذلك هو عقله وثقافته والكتب عنوانها وعلامتها ،وينتهي هذا المثقف البائس إلى درجات متقدّمة من جنون الارتياب أو “البارانويا” ( paranoïa ) في كلّ ما حوله ومن حوله، ارتياب يسيطر عليه حتى يجعله يعيش كوابيس يقظة يتخيّل خلالها مشاهد استنطاقه من طرف زبانية الوطن وينتهي إلى الكفر بكلّ ما في الوطن : صندوق ذكرياته وشهائد وطنيته وأوسمته وميدالياته التي استحقّها في حروب الوطن بل وينتهي إلى الكفر بحبّه وصورة حبيبته ” لا حبّ في هذا الوطن لقد قتلوه ” . والموت سَحقا أو قهرا مصير المثقّف أو هكذا تصوّر صاحب الكتب في قمّة حالات الذِّهان التي يعانيها يداهمه طرق عنيف وأصوات آمرة زاجرة ورصاص لا يرحم دون أن تشفع له حتى ساقة الاصطناعيّة التي قدّمها قربانا في حروب الوطن.
الخطاب المسرحيّ في النصوص :
الخطاب في النصّ المسرحيّ خطابان عبارة وإشارة وتجري العبارة في خطاب الشخصيّات أي الحوار وتجري الإشارة في ثنايا الحوار أو سابقة/ لاحقة له في شكل إشارات ركحيّة ( indication scéniques didascalies/) ولعلّ أجلى مظاهر الاختلاف بين هذين الخطابين يتمثّل في من يتكلّم حسب عبارة ايبرسفيلد ، هل هو المؤلّف أم الشخصيّة في النصّ.
4—1- الحوار أو خطاب الشخصيّات.
الناظر في حوارات نصوص بيات المسرحيّة يلاحظ حضورا لافتا للحوار الفرديّ أو المونولوغ وتعزى سيطرة هذا الشكل من الحوار في هذه النصوص إلى الأطر التي تدور فيها الأحداث وإلى طبيعة الشخصيّات التي تدور حولها هذه الأحداث .
فالأطر في هذه النصوص متنوّعة ظاهرا فهي زنزانة انفراديّة في “حلم الفناجس ” ومكتبة عامرة في منزل مثقف وحيد منعزل في “الشوط السابع” وبيت في وسط مدينة تدكّها الصورايخ والقنابل وزخّات مطر عنيف في “سوق العظام ” وبيت عتيق كأنّه خرابة في “عندما يسبقني الظلّ” وهي أطر تسيطر عليها أجواء الوحدة والوحشة وغياب كلّ أنيس يمكن للشخصيّة أن تبادله الحوار والأطر جميعها في هذه النصوص الأربعة سجن أو تنويعات على مؤسّسة السجن التي ليس لها من وظيفة غير أن تراقب وتعاقب.
وتنوس داخل هذه الأطر شخصيّات مختلفة في ظاهرها وهي على الترتيب سجين وحيد في زنزانة انفرادية في “حلم الفناجس ” ومثقّف وحيد يلوذ بمنزله ويحتمي في مكتبته الخاصّة ، ورجل محاصر في مدينة تمطرها الصواريخ والقنابل والأمطار يعجز عن مغادرة مخبئه ويهدّد الموت حياته كلّ حين ، ومحارب قديم مُهمَل يمضغ خيباته ويجترّ ذكريات قهره ومصيبة عاهته بعيدا عن الآخرين ، فشخصيّات هذه النصوص الأربعة مُغرِقة في فرديّتها مُنقطعة عن العالم تشكو قطيعة كليّة مع الآخر ولم يبق لها إلا أن تنكفئ على ذاتها وتخاطب نفسها تفريغا لهمومها وتنفيسا عن كروبها. وظاهر هذه النصوص حوار ثنائيّ لكنه في الحقيقة ليس سوى خطاب ذاتيّ تجرّد خلاله الشخصيّة من ذاتها ذاتا أخرى تخاطبها وتناجيها لذلك تلجأ هذا الشخصيّات إلى مخاطَبين تفترض وجودهم وتتشهّى حضورهم فتقيم معهم حوار ثنائيا فلا يجد السجين المنفرد غير امرأة يتخيّل وجودها في الزنزانة المجاورة له يحدّثها ” كي أذيب عزلتي ووحدتي ” ص 51 ، ويخاطب المثقّف المحاصر في مكتبته الكتب التي يحرقها ويتخيّل مشهد استنطاقه من زبانية النظام الذين ينتظر اقتحامهم بيته كلّ حين ويضطرّ المحارب المحاصَر بالقنابل والمطر المنهمر وسط قصف وحشيّ وعجز عن الوصول الى الحدود المجاورة أن يخاطب نفسه فيسترجع ذكرياته وأحلامه ويبلغ حالة انفصام يجرّد معها من ذاته ذاتا أخرى تلعب دور مذيع تلفزيونيّ يقدّم حكايات طريفة ومسلّية ، إنّه حلّ اضطراراي يهرب إليه من مأساة فقد زوجة وطفل بقذيفة مجنونة ومن واقع حصار قاس ضاغط يهدّد عقله وكيانه ووجوده.
وكذلك تفعل الشخصيّة في “عندما يسبقني الظل” تجرّد من ذاتها “هو ” تخاطبه وتستحضره وتدير معه حوارا في حركة بوح وتعرية لباطن تجاهد الذات في طمسه وتجاهله وفي لحظة استنطاق عنيف تمارسه الذات على ذاتها تتكشّف لنا مأساة الشخصيّة : رجل فقد في حروب الوطن رجولته فعاد عنينا ،عاهة ظلّ يجاهد في إخفائها عن الآخرين وفي تسويقها لنفسه حتى تقبلها وتتعايش معها ، مادام فعل الخِصاء قهريا ومادام بسبب الوطن وفي سبيله فهو شرف تلك كانت كذبة الذات تبرّر بها لذاتها مأساتها لذلك تطلب الأمر ” مونولوجا ” تعرّي فيه الذات ذاتها وتحفر به في وجعها وتفضح فيه عورتها وسوءات هذا الوطن ، ولما كانت لحظة البوح قاسية ، فليس من اليسير أن تقف الذات عارية من رجولتها ولو أمام ذاتها، كان لا بدّ من حوار باطنيّ قاس عنيف هو أقرب إلى الاستنطاق البوليسيّ الذي يفضح حقيقة طالما جاهدت الشخصيّة في إخفائها.
لم يكن المونولوج في هذه النصوص الأربعة سوى ضرورة فرضتها الأطر المغلقة والشخصيّات المنعزلة المأزومة لذلك وردت حوارات هذه الذوات في شكل دفقات من المخاطبات تتراوح نبراتها بين الهمس والصراخ ، بين الأمل واليأس ، بين الحاضر البائس واسترجاع الماضي بتفاصيله.
وباستثناء هذه النصوص الأربعة التي سيطر عليها المونولوغ يسود الحوار متعدّد الأقطاب بقية النصوص وعددها ثمانية لكنّ المتأمّل في هذه النصوص يجد الحوار فيها يجري على صيغ مختلفة ففي بعض النصوص تسيطر على الحوار طِرادات ( Tirades ) لبعض الشخصيّات تكاد تحوّله إلى مونولوغ فرديّ ففي “الجان والمجنون” يسيطر صوت المجنون سعيد مثلا ويتضخّم حتى يطغى على بقيّة الأصوات فالأطفال في هذا النصّ تُسمع أصواتهم دون أن تُرى صورهم وهم يردّدون لازمة واحدة لا تتغير ” سعيد المجنون ..سعيد المجنون ” فيما تكتفي شخصيّات الجان الثلاثة ببعض المخاطبات القليلة الهامشيّة ويستدعي سعيد زوجته سعديّة في ” مشهد تخييليّ افتراضيّ ” فيحاورها ويطغى صوته على هذا الحوار فلم تكن الشخصيّات في هذا النص سوى أسباب أوجدت طرادات سعيد فترديد الأطفال تهمة الجنون تدفع سعيد إلى خطاب متشنّج لا يخلو من شتائم يردّ بها عن نفسه تهمة الجنون وخطابه الافتراضيّ لسعديّة يظهر وجها آخر لسعيد ،العاشق الرقيق الذي يستبدل الشتائم وأمارات الجنون برقيق الكلام يسوقه لها ” سعدية يا امرأة بلورية وقنديلا للظلمة ” ويكون حضورها قادحا لطِرادة طويلة من الكلام المشبوب الغزِل. ويجعل وصم الجنون سعيد في قطيعة مع الآخرين من “العقلاء” يغادر مقامهم إلى مستقرّ بعيد عنهم خرابة على أطراف المدينة فلا يجد غير الحوار مع الأموات من الملوك الراقدين أمامه وهو في الحقيقة خطاب من طرف واحد كشف رغبة سعيد في الانتقام من ملوك غيّبوه عن الحياة وعن حقوقه فلما غيّبهم القبر حضر سعيد لينتقم من غيابه ويشمت بغيابهم ، يشكو سعيد مثل شخصيّة الرجل المحاصر بالقصف والصواريخ في ” سوق العظام ” من عقدة خِصاء تطارده ، خِصاء رمزيّ ذهب بعقله ووسمه بالجنون فنفاه إلى مجموعة من الهوامش هامش العقل والاجتماع والسكن والسكينة وليس هذا النوع من الخصاء شرّ كلّه فالجنون هنا مثل الخصاء الجسديّ الحقيقيّ يحرّر صاحبه من قيود الانتماء والطاعة والاستسلام والسير على أثر الاخرين ومثلما تفتح جميع المخادع والغرف أمام الخصيّ الذي لم يعد من رجولته خِشية تفتح أمام المجنون أبواب القول والتعليق وينطلق لسانه دون خوف أو مؤاخذة لذلك يتطاول على الملوك ويهزأ بالمقامات دون رقيب أو حسيب.
وفي ” أحمر قاني” يجري حوار ثنائيّ بين الفنّان صاحب لوحات و ” المجموعة ” ويسيطر على الخطاب صوت الفنّان وتكتفي المجموعة ببعض التدخّلات أو التعليقات التي تطوّر مخاطبات “الهو ” وتطيلها فتحوّلها الى طرادات مسيطرة على فضاء الخطاب في النص فمخاطبات المجموعة قصيرة مقتضبة غالبا تكاد تقتصر على تعليقات على اللوحات المعروضة من قبيل ” الموت ..هو الموت ” أو ” الفرح ” وهي مخاطبات تدفع الشخصيّة إلى التفاعل نفيا أو إثباتا أو توضيحا أو دحضا وقد تعمّد المجموعة في بعض مخاطباتها إلى طرح بعض الأسئلة أو الآراء حول اللوحات ودلالاتها فتدفع الفنّان إلى التوضيح والتفاعل فيغدو فضاء الخطاب المسرحيّ أشبه بفضاء حوار إعلاميّ يتقاسم فيه الخِطاب مُنشّط يسأل أو يبدي بعض الملاحظات وضيف يبين ويوضح فيسهب ويطيل وقد تكون “المجموعة” صورة أخرى للجوقة في المسرح الكلاسيكيّ تكتفي بحضور باهت وتلعب أدوار مساعدة ثانوية لفائدة الشخصيّة الرئيسية في النص.
ويجري الحوار ثنائيا أو في شكل محادثة تتعدّد أطرافها وتتقارب مخاطباتها كمّا في ما بقي من نصوص فلا تستأثر شخصيّة بالخطاب على حساب البقيّة ويغلب أن يكون الحوار في هذه النصوص جدليّا ( Dialectique ) يكشف اختلافا في وجهات نظر الشخصيّات لذلك نصادف في هذه النصوص ثنائيات متقابلة متضادّة من الشخصيّات مثل خطّاف وساعي البريد في “الضباب يقظ” والصحفيّ والطبيب في “قسما بالوجع ” والنادلان والمشاهدين الذين يقتحمون قاعة الاجتماع المهمّ في” الرقم السريّ ” ، وهذه الثنائيّات المتناقضة تقيم حوار جدليّا يكشف خلافات الشخصيّات العميقة ويُعرّي بواطنها ودخائلها ويطوّر الأحداث وقد يتحوّل الخطاب في بعض الأحيان سجاليّا ( polémique ) مثل حوار النادلين مع المشاهدين الثلاثة وهو في أغلبه حوار صمّ ينطلق سجاليّا خلافيّا وينتهي كذلك دون أدنى تغيّر أو تطوّر يطرأ على مواقف الشخصيّات المتحاورة.
وقد يكون الحوار مكرورا يعيد نفسه فتطول مخاطباته دون أن تقدّم جديدا أو تطوّر أحداثا أو تدفع حركة الفعل الدراميّ مثل أغلب حوارات نصّ “قسما بالوجع ” وهي حوارات عقيمة بعيدة عن الاختزال والتكثيف قريبة من الإطالة والتمطيط تثقل النصّ وتفقده نسقة الحدثيّ مثل مخاطبات رئيس الجلسة ونائبه فتقرّب النصّ من مسرح “يونسكو” حيث الحوار وسيلة وغاية لا أثر له في الأحداث بل لا معنى له غالبا، وقد يتحوّل الحوار في بعض النصوص إلى خطاب مباشر مثل حوار الطبيب والصحفي في “قسما بالوجع” فيصبح خطابا تعليميّا ( Didactique ) يبحث في أسباب الحرب ويستقصي نتائجها الكارثيّة على الأفراد وقد يتحوّل إلى لوحات سرديّة وصفيّة شديدة الطول مثقلة بالتفاصيل من مثل لوحة الطبيب الشابّ محمود والحديث عن مأساة عائلته التي مزّقها صاروخ في الحرب أو مأساة الرجل الذي يعدّد الزوجات طلبا للولد فلمّا رُزِقه مزّق صاروخ أوصاله.

4—2- خطاب الاشارة ، خطاب العرض.
الإشارة الركحيّة صوت الكاتب وحضوره المباشر والصّريح في النص وتتحوّل هذه الإشارات في النص إلى عناصر توظيب ركحي أو سينوغرافيا في العرض المسرحيّ فتؤثّث المشهد وتخاطب العين غالبا والسمع أحيانا إنها ” خطاب العرض ” بعبارة مايرهولد أو “نحو العرض” بتعبير ايبرسفيلد “.
وللإشارات حضور لافت في نصوص بيات المسرحيّة وهي تلعب الأدوار التقليديّة لمثل هذه النصوص من مثل الوظيفة الإخباريّة ( Fonction informative) ، وهي الوظيفة الأساسية للإشارة الركحية ، ولهذه الوظيفة مستويات متعدّدة منها التأطير فتتكفّل بتحديد زمن الأحداث أو مكان وقوعها ومنها الوصف الذي يتبّع حركات الشخصية وأحوالها زمن الخطاب وفي العموم لا تخرج الوظيفة الإخباريّة عن خدمة الحوار وإسناد القول بغير الملفوظ.
لكنّ الإشارة الركحيّة في نصوص بيات تتعدّى هذه الوظيفة الإخباريّة إلى وظائف أخرى أهمّ وأعمق ونصوص بيات حافلة بإشارات ركحيّة تغيّب الحوار لتحلّ محلّه وتسكت الشخصيّات لتنطقها خطابا آخر غير خطاب الأصوات إنّه خطاب الأجساد فتنشئ مشهديّة أو مسرحانيّة ( Théâtralité ) أو خطابا موازيا قادرا بمفرده على الإبانة والإفادة ومثل هذه المشاهد وفيرة الحضور في النصوص من مثل مشاهد لعب الشحّاذين بالكرة في خيط من تراب أو تعدّد مشاهد الرقص والغناء بين الشحّاذين وهم يستعيدون أيّامهم الخوالي ومختلف الأعمال التي مارسوها قبل هروبهم إلى الخرابة على هامش المدينة أو مشهد رقص الشحّاذين وهم يلعبون لعبة الخيط مع الشيخ الستيني ” تبدأ لوحة تعبيريّة مثل رقصة تعبّر عن فعل الغزل أو الحياكة ومن الممكن أن تصاحبها أغنية ” ص 30
ويجتهد بيات في تنويع هذه المشاهد وتطويعها حسب السّياق الدارميّ ومسار الحوار والأحداث ففي ” هذيانات معطف” تعقب حوار المعطفين ،حول ماضيهما والأشخاص الذين ارتدوهم قبل إحالتهم الى قبو الحلْج ، مشهديّة تناسب هذا السياق ” يؤدّون ( المعاطف ) أدوارا من شخصيّات تاريخيّة ومشاهد من مسرحيّات وأفلام يغنّون ويرقصون يبكون ثم يهدؤون وينامون ” ص 74، وفي ” قسما بالوجع ” كثافة كبيرة لهذه المشاهد حتى أن النص يستهلّ بمشهد حركي بصريّ ” المكان مهدّم …مجموعة من رجال ونساء وشباب وأطفال يؤدّون حركات راقصة بشكل غريب …تصاحبها موسيقى راقصة عنيفة” ص ، 112 وحين يكشف حوار الطبيب والصحفيّ اضطرار الطبيب إلى حقن مرضاه من ضحايا الحروب كلّ حين حتى يخلّصهم من ذاكرتهم ومن مآسيهم تتكثّف مشاهد الرقص وتتكرّر في النص ” يقترب عدد من الراقصين من الطبيب والصحفيّ وهم يرقصون بشكل هستيريّ مثير ” ص 114، وفي موضع آخر نهاية النص يجسّد المشهد ” مجموعة تحمل دمى بشكل فزّاعات الدمى تمثّل شخصيّات عالميّة معاصرة كان لها الدور في أحداث الحروب في العالم” ص 119
ونصوص بيات شديدة الاحتفاء بهذه المشهديّة تنشرها في ثنايا النصوص التي يصعب أن تتخيّل فيها مثل هذه المشاهد لطبيعة الأطر فيها وصعوبة الحركة في فضاءاتها من مثل نصّ “حلم الفناجس ” حيث سجين في زنزانة انفراديّة ضيّقة يشكو الوحدة و الوحشة لكن النص لا يعدم امكانات بصريّة تثري هذا الفضاء المغلق الموحش فأثناء مونولوغ السجين وخيالاته عن المرأة في الزنزانة المجاورة يرد مشهد ” يُسمع صوت دفوف وأهازيج تعبّر عن فرحة العرس وتنزل من أعلى المسرح قطع من قماش التول الأبيض ” ص 62 ، ويعرض النص كذلك مشهد تأديب السجين ضربا بعد تطاوله على السجّان في شكل مشهد صامت /ميم ( Mime) وللميم نصيب في نصوص بيات فالإشارات الركحية تحتفي بهذا الجنس من المسرح وتطعّم به حوارها من مثل ما عرض نصّ ” قسما بالوجع ” من ” مشهد صامت لمجموعة مع الأب والطفل في رقصة تجمع بين الفرح والألم معا في نفس الوقت مصاحبة لأغنية عراقية مثلا عن الطفولة العراقيّة الحزينة ” ص 117 ، ويجد بيات في الإشارات الركحيّة فرصة لتنويع أشكاله المسرحيّة فإضافة إلى مسرح ” الميم” يثري بيات نصوصه بمسرح خيال الظل ” من الممكن أن يكتمل المشهد خلف ستار من خيال الظلّ مراسم زفاف وزواج محمود وحوراء ” ص 117
لقد تعدّدت هذه المشهديّات واحتفت الإشارات بإبرازها لوعي صاحب النصوص بأهميّة الفرجة المسرحيّة وأن النص المسرحي لم يخلق للاستهلاك الكتابي بل لصناعة عرض ومشهديّة تعبّر عن جوهر المسرح بل وتحقّق فتنة المسرح الصافي أو الخالص ( Théâtre pur ) الذي حلم به أنتونان أرتو وطارده، وبيات المخرج المسرحيّ والناقد يجيد الرسم بلغة بصريّة نصوصا توازي النصوص المكتوبة أو تثوي وسطها أو تعين القارئ على فك مغالقها.
الكتابة المسرحيّة عند بيات مرعي تداخل أجناس وتثاقف نصوص وتعدّد روافد ما بين قصة قصيرة وكتابة صحفية وسيناريو وممارسة مسرحيّة وما التنوّع في هذه النصوص إلا صورة من تعدّد صاحبها وتنوّع المدارس والاتجاهات التي منها ينهل وبيات في ذلك كلّه شديد الالتصاق ببيئته العراقيّة يمتح منها أحداثه وأحاديثه وصوره وشخصياته ليصوّر مأساة وطن يُغالب الحزن والحزنُ غالبه ومأساة أفراد انفصلوا عن الجمع والجماعة طوعا أو كرها فاختاروا الهوامش كلّها فأغرقوا في فرديتهم ينشرون حزنهم ويلوكون ذكرياتهم ويعلون أصواتهم في الحوار مونولوجا مُنقطِعا عن الآخر يتشهّى حضوره ويخشاه ، وشخصيّات بيات في أغلبها معطوبة تعاني هزائم طاحنة وأحزانا دفينة وتجاهد لتبقي حيّة مفتوحة عيونُها تفضح قبح العالم وتشهّر بالظلم والقهر وتكفر بكلّ الطغاة والبغاة والمستبدّين.


المراجع :
أرسطوطاليس ،فنّ الشعر، ترجمه عبد الرحمان بدوي ، مكتبة النهضة المصريّة ،القاهرة 1953
آن ايبرسفيلد ، قراءة المسرح ( Anne Ubersfeld ; lire le théâtre) ، ترجمة مي سليماني ، وزارة الثقافة المصرية ، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبيّ ، د.ت
بيتر بروك ، نحو مسرح ضروري ، المساحة الفارغة ، النقطة المتحولة ، الباب المفتوح ، ترجمة و تقديم فاروق عبد القادر ، المركز القومي للترجمة القاهرة 2011
سعـد اللـه ونـوس ، بـيـانـات لـمـسـرح عـربـي جــديــد ، الأعمال الكاملة ، المجلـد الثـالـث ،دار الآداب بيروت ، ط 1 ، 2004
محاضرات مايرهولد في الإخراج ، ترجمة مؤيد حمزة ، الهيئة العربية للمسرح ، الإمارات العربية 2011
هنري ميتران ، خطاب الرواية ، بيف ، باريس 1986
; le discours du roman ; Puff écriture. Paris. 2e Edition 1986 Henri Mitterrand
جيرارد جونات ، عتبات ، نشر درا سوي ، باريس 1987
Gerard Genette ; Seuil ; Edition du Seuil Paris 1 ère publication 1987

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.