كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الإغتراب في قصص الكاتب الكردي محسن عبد الرحمان..


عواطف محجوب




عُرّف الاغتراب بأنه ذلك الشعور بضياع الهوية وتدنّي القيمة، أي الاحساس بالهامشية والابتذال. بمعنى آخر هو انفصال الفرد عن نفسه وعن الآخرين. هذا الشعور يقوم أساسا على التحكم في الأمور الشخصية والانغلاق داخل دائرة من العزلة الاجتماعية. إن السقوط في بوتقة العزلة وعدم الإنتماء والتكيّف مردّه العديد من العوامل الخارجية المنتشرة في المحيط الذي يعيش فيه الفرد، على غرار الظواهر الاجتماعية والتأثيرات السياسية والتقاليد الثقافية…إلخ. ولقد جاء الإغتراب في المجموعة القصصية “في أي مسجد تصلي1” للقاص الكردي محسن عبد الرحمان في مستويات عديدة نذكر من أهمها: 
أولا/
الإغتراب الانساني، حيث يصبح الفرد مغتربا عن نفسه وهو منغمس في صراع طويل من أجل البقاء، ومن أجل السيطرة والقيادة. إذ يركز المرء على تحقيق سبل الهيمنة وبسط نفوذه بعد تأمينه الضرورات الحياتية_المعيشية. والميل كل الميل إلى إشباع احتياجات ورغبات جديدة تولد مع الجاه والمجد سواء كانت شرعية أم لا. بذلك يدخل الفرد دوامة مغلقة من الرغبات والشهوات لا تنتهي ويصبح كل همه اشباعها  مهما كلفه ذلك من خسائر. فيفقد بالتدريج إحساسه بوجوده الحقيقي  كانسان. يضرب لنا المؤلف في قصة شواف مات ص 54 مثلا  لشخصية تاهت في هذا النوع من الإغتراب يقول”شواف رجل جريء وشجاع، مستهتر، سكير ومقامر ذو عقلية بدوية. بعد أن بدّل  جلده أصبح أكثر انفلاتا مما كان عليه من قبل، رائحة فساده النتنة فاحت، كانت منزلته ترتفع كلما ازدادت أعداد الشكاوى والمذكرات المقدمة ضده. تتوسع شهرة شواف كلما علت منزلته والرفاق يتبارون في الدفاع عن سقطاته. شواف الذي بات  يشبه شجرة وارفة ينخر فيها الدود…هو يعلم جيدا هذا الشيء ويشعر به…وبالمقابل كانت قامته تتقزم كلما ازداد عدد طوابق.” هذه الشخصية فقدت الانسان فيها بكل قيمه وكسبت مكاسب مادية جعلته غريبا عن نفسه وعن محيطه رغم وجود موالين وأتباع لها لكنهم ليسوا سوى مرتزقة. فأضاع شواف هويته ودوره الحقيقي الذي كان يجب عليه أن يقوم به في مجتمعه. لقد كان مدركا بأن ” صفحات التاريخ  تليق فقط بأولئك الذين حافظوا على عهدهم حتى النهاية. ص56″ والتاريخ  يلفظ الانسان المزيف المدّعي مهما كانت سطوته.
ثانيا/
الإغتراب الإجتماعي، ويتسبب فيه انهيار المنظومة الاجتماعية والقيمية. حيث يصبح المجتمع عرضة للتفكك جراء التباعد الطبقي، وعدم التزام الأفراد بالحفاظ على الموروث الجماعي، وتغيب الوحدة في البيئة الواحدة وتصبح الخصوصية المحلية مجرد عبء  لا لزوم له. فوجود الفوارق الايديولوجية والثقافية والعرقية  من شأنها أن تحدث شروخا في النسيج المجتمعي الواحد. يقول الكاتب ص21 “أولئك السادة المحترمين الذين تقبع زوجاتهم كالجواري والخادمات بين جدران المطبخ الأربعة (محجبات من يوم الزفاف إلى يوم الممات) وهم على صفحات جرائدنا المستقلة جدا وشاشات التلفاز ينكرون علينا أسلوبنا البدوي ويطالبون  بحقوق المرأة والطفل ويدعون إلى تطبيق  نظام التربية السويدي في كردستان.” لم يكف الاغتراب المتسبب به الداخل فيتدخل طرف خارجي ويزيد من حدة اغتراب الفرد الكردي بفرض نظام تربية لا يربطه به أي شي. سيولد الكردي وسؤال يخامره إلى أي مجتمع وثقافة أنتسب؟
ثالثا/
الإغتراب السياسي، وهو شعور الفرد بعدم الانتساب إلى النظام السياسي، ولا يمثله رجل السياسة الحاكم، ولا قدرة له على الانتماء إلى الأحزاب السياسية المتطاحنة فيما بينها في إقليم كردستان. ومن دور الفاعل تحول الكردي إلى دور المشاهد الممتنع عن المساهمة في المشهد السياسي، لأن كل من ينخرط فيها يصاب مجبرا بداء الفساد المالي والأخلاقي. والعودة منه ترف غير متوفر. فلا يقدر المتورط  على التوقف بل سيجبر على الغرق طواعية بعد أن أضاع جوهرية دوره السياسي. يقول القاص ص67 “وبدلا من أن يسخر كبار ستاف الدومينو إمكاناتهم ويكرسوها  لخدمة الوطن والمواطن، فإنهم فتحوا الجبهات في مواجهة البعض وفي خضم الصراع…نسيت القضية الأساسية للأمة.” ولا غرابة أن يبحث ذلك الفرد الكردي عن حل بمفرده  في الظاهر يبدو له نافعا لكنه من الجانب الخفي يزيد حدة اغترابه إذ يفكر في الهروب والابتعاد عن بلده تفاديا للمشاكل التي تغرق المجتمع يقول القاص  محسن عبد الرحمان ص 68 “في الوقت الذي  كان فيه الأصدقاء منتشين  باحتفالات نصر وهمي اختار هو، مضطرا وتحت ستارة الظلام، التسلل بخوف إلى خارج الوطن.” فيتحول بالتالي من اغتراب محلي إلي اغتراب عابر للحدود كأنه يشارك الانسان أينما كان في أصقاع العالم محنة الاغتراب.
الإغتراب بمستوياته الثلاثة في قصص محسن عبد الرحمان  قدم لنا نماذج  من الأفراد المنفصلين عن بنيتهم الاجتماعية والمجتمعية فتقلص دورهم ومساهمتهم في البناء والتطوير لأنهم حسب تعبير إيريك فروم  شخصيات لم تعد تعيش كمركز لعالمها وخالقة لأفعالها بل إن الأفعال نتائجها تصبح سادتها. أيضا كشف لنا الإغتراب كم المعاناة التي تُشقي الشعب الكردي وتجذبه إلى مربع العشائرية والقبيلة في زمن أصبح مجرد قرية صغيرة. القاص محسن عبد الرحمان كتب هذه الآلام وصور تخبط الأفراد بين سلطة العادات وسلطة الدين وسلطة السياسة مرة ساخرا ومرة ساخطا وفي كل الأحوال ناقدا منتقدا طامحا لتشكل وعي يقبل بقدوم رياح التغيير فيتركها تحمله نحو الأفضل.

هامش:/
1/ في أي مسجد تصلي، قصص قصيرة  من الأدب الكردي المعاصر، مجموعة قصصية لمحسن عبد الرحمان ترجمها سامي الحاح وصدرت عن دار مومنت للكتب والنشر سنة 2021

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.