كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

في كوكب الصفاء..


توفيق الشابي – تونس




-1-
وصلتُ هناك دون أن استعمل شيئا مما تقترحه التكنولوجيات الحديثة من آلات وانظمة حقيقية وافتراضية. لا مسبار ولا مركبة فضائية. لا توظيف لتقنية الواقع الافتراضي ولا لتقنية الواقع المعزز
ولا “الميتفارس” ولا الذكاء الاصطناعي، ولا غيرها. اقول هذا لأنني اقف على أرض تكنولوجيا المعلومات وحتى لا يذهب بكم الظن أنَّ خبرتي في هذا المجال يمكن أن تساعدني، هذا ممكن لكنني لا أملك مثلا أموال السيد ش.ح. داود، المستثمر ورجل الأعمال المهووس بالمغامرات البحرية وخاصة حول اسطورة السفينة “تيتانيك” المقيمة في أعماق المحيط والتي ألهمت الكثير من المبدعين.
لم يكن من الصعب اقناعه بزيارة الموقع الفريد، على متن الغواصة السياحية “تيتان” وبأن الزيارة آمنة مع أن “تيتان” لا تحتمل نزولا في الاعماق اكثر من اربعة الاف متر ونظام الأمان فيها محدود. نَزَلت، رغم التحذيرات التي لم تنقطع، لتجد حتفها في الثامن عشر من جوان الفين وثلاث وعشرين، وعلى متنها السيد داوود وابنه سليمان ابن التاسعة عشر (اصطحبه معه كهدية لنجاحه المتميز) وثلاثة آخرين.
– آه يا أبي. ماذا سنفعل الآن؟ أمي، أصدقائي، جامعتي، أحلامي، …(التقارير الاخيرة عن الغواصة تقول أن السيد داوود تُوفٍيَ وهو يستمع الى كلمات ابنه قبل أن ينفد الاوكسجين بساعات)؟
ونحن نستعيد حكاية “تيتان” الخضراء، قال لي ابني:
– ان السيد داوود مجنون بفعل المال. ظن أن كل شيء ممكن بالمال. فسّر كل التحذيرات من هذه السفرة بنظرية المؤامرة. أنا لا أتعاطف بعمق إلا مع ابنه سليمان. قيل أنه لم يكن راغبا في اصطحاب ابيه في هذه الرحلة.
– ولدي أعترف لك أنني أحب السفر. لكنني استلذ السفر داخلي بأدوات بدائية.
-2-
وصلتُ ولم استعمل غير عكازتين متاحتين للكثيرين.
عكازتان بيولوجيتان، لكننا غُفْلٌ عنها في سوق مزدحمة بعكاكيز حديثة جُلُّها لا طبيعة فيها. جسدها الفيزياء وروحها الكيمياء تذهب بكل ما تمنحه الاشجار والاودية والهضاب والسهول والجبال والبحار والمحيطات.
-3-
عكازة اولى: الموسيقى. صوت كوكب الشرق وهي تنشد أطلالها من الحب والجمال، من السهر والليل، من الهجر وما فات من المواعيد، من القرب والبعد، من التفكر والنسيان، من تحولات الزمان التي لا تنقطع. معجم كاف ليملأ ساعات طويلة من الوقت وفراغات أعمق في الذهن. هنا لا يمكنك أن تُفضِّل لحنا على آخر وكلمات على أخرى. كلهم عباقرة ومحركو أفئدة: السنباطي، بليغ حمدي، أحمد رامي، بيرم التونسي وآخرون. الصوت والموسيقى جناحان رهيفان، حَمَلاني بعيدا جدا عن جاذبيات التفكير والالم الى حيث الصفاء، كوكب قريب بعيد، تُصرف امول طائلة من أجل الوصول اليه، لكن الكثير يخطىء مكانه.
-4-
عكازة ثانية: شغف الاهتمام بالحديقة، الاحد يوم عطلة مضاعف، ترتاح من العمل وتعمل/تهتم بالحديقة. فرصة للاهتمام بالشجيرات العشر، التفاح، الرمان، اشجار القوارص، فرصة للمس ثمارها التي لم تنضج بعد، لتأمل خضرة أوراقها الحديثة، لشم رائحة الأرض، العطر الأطيب، لاستنشاق الاكسجين بحاستين مختلفتين: الانف والعين، وانت تتقلب على الأرض تقتلع الاعشاب الطفيلية (الطفيلية استعمال اجرائي لا أكثر، شتيمة لا اقبلها في حق من يُمتِّعك بالاكسجين)، مزروعاتي من البقدنوس، والفلفل والطماطم، سقي الأرض بماء البئر الصاعد من الأعماق باردا زلالا، حرارة الشمس التي لا نعرفها الا قليلا نحن سكان الصناديق المغلقة… ساعتان من الحلم، لم أفق منها إلا على صوت “حضر الفطور”.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.